الأرشيف
ديسمبر 2017
د ن ث ع خ ج س
« نوفمبر    
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31  
المدونة القديمة (رابط مؤقت)

البارقليط

القس عبد المسيح بسيط

(5 صوت، المتوسط: 5.00 من 5)

paraklit

نقلاً عن الفصل الثاني عشر من كتاب “هل تنبأ الكتاب المقدس عن نبي آخر يأتي بعد المسيح؟”

وردت كلمة باراقليط، حرفيًا باراكليتوس (Παράκλητος – Paraklētos )، في العهد الجديد، وبالتحديد في الإنجيل بحسب القديس يوحنا، والرسالة الأولي للقديس‏ يوحنا خمس مرات فقط: أربع مرّات في الإنجيل، ومرة واحدة في رسالته الأولى. ولم ترد ثانيةً في بقية العهد الجديد. وفيما يلي الظروف التي تحدث فيها الربّ يسوع المسيح عن هذه الكلمة:‏
قبل القبض عليه ومحاكمته، وفي لقائه الأخير مع تلاميذه قبل صلبه وموته جسديًا ثم قيامته، أخذ الرب يسوع المسيح يُحدّث تلاميذه، بعد أن كشف لهم حقيقة علاقته بالآب ووحدة الآب والابن في الطبيعة والذات الإلهية لله الواحد، الموجود بذاته والناطق بكلمته والحي بروحه القدوس، ووجوده الأزلي السابق لخليقة العالم (يوحنا14و17)، عن اختفائه عنهم بالموت جسديًا ثم ظهوره لهم بعد قيامته فقال لهم:

  • “بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضاً وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ” (يوحنا 14/19).
  • “بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ ” (يوحنا16/16).
  • “فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا هُوَ هَذَا الَّذِي يَقُولُهُ لَنَا: بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي وَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ؟” (يوحنا16/17).
  • وكانت أجابته لهم ” أَعَنْ هَذَا تَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ لأَنِّي قُلْتُ: بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضاً فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ.
    وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لاَ تَسْأَلُونَنِي شَيْئاً. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ الآبِ بِاسْمِي يُعْطِيكُمْ. إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئاً بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً. ” قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا بِأَمْثَالٍ وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ حِينَ لاَ أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِأَمْثَالٍ بَلْ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الآبِ علاَنِيَةً. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِاسْمِي. وَلَسْتُ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا أَسْأَلُ الآبَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لأَنَّ الآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّكُمْ لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجْتُ. خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ وَأَيْضاً أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ ” (يوحنا16/19-28).

أعطي الرب يسوع المسيح تلاميذه وصاياه الأخيرة وأخبرهم عمّا سيحدث لهم من ضيقات ومتاعب واضطرابات واضطهادات لأجل اسمه في الأيام القليلة القادمة، وكان يقصد بذلك تقوية وتشديد إيمانهم وتعريفهم بما سيحدث لهم حتى يكونوا علي بيّنة ممّا سيأتي عليهم، ومن ثمّ فقد قال لهم تأكيدًا لذلك:

  • ‏” كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ ” (يوحنا15/11).
  • ” قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ لاَ تَعْثُرُوا ” (يوحنا16/1).
  • ” لَكِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ تَذْكُرُونَ أَنِّي أَنَا قُلْتُهُ لَكُمْ. وَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ مِنَ الْبِدَايَةِ لأَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ ” (يوحنا16/4).
  • ” قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا بِأَمْثَالٍ وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ حِينَ لاَ أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِأَمْثَالٍ بَلْ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الآبِ علاَنِيَةً ” (يوحنا16/25).
  • ” قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ ” (يوحنا16/33).

وفي أثناء هذا الحديث الطويل حدّثهم عن إرساله للروح القدس الذي وصفه بالباراقليط، أي المعزّي أو المدافع أو المحامي فقال:

  1. ” وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّياً آخَرَ( αλλον παράκλητον – allon Parakleton ) لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ. ” (يوحنا14/16-18).
  2. ” وَأَمَّا الْمُعَزِّي ( Παράκλητος – Paraklētos ) الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يوحنا14/26).
  3. ” وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي ( Παράκλητος – Paraklētos ) الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ فَهُوَ يَشْهَدُ لِي وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الاِبْتِدَاءِ ” (يوحنا15/26و27).
  4. ” لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي ( Παράκλητος – Paraklētos ) وَلَكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرٍّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضاً. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ. إِنَّ لِي أُمُوراً كَثِيرَةً أَيْضاً لأَقُولَ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ رُوحُ الْحَقِّ فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ ” (يوحنا16/7-15).

ثم استخدم القديس يوحنا بعد ذلك تعبير الباراقليط ( Παράκλητος – Paraklētos )، عن الرب يسوع المسيح نفسه كالشفيع أو المحامي فقال ” يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ (παράκλητον – Parakleton ) عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ، وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضاً ” (1يوحنا2/1و2). وبذلك يكون الباراقليط الأول هو الرب يسوع المسيح نفسه والباراقليط الآخر هو الروح القدس.

2- المعني اللغوي لكلمة الباراقليط:

الكلمة اليونانية هي ( Παράκλητος – Paraklētos ) من الفعل ” باراكليو – παρακαλέω – parakaleō – par-ak-al-eh’-o ) ومعناها:

” To call near, that is, invite, invoke (by imploration, hortation or consolation): – beseech, call for, (be of good ) comfort, desire, (give) exhort (-ation), intreat, pray “.
وجمعه ( Παρεκαλουν – Parekloun ).

وكلمة ” ( Παράκλητος – Paraklētos ) اسم مفعول، وتعني في أصلها اللغويّ ” المستعان به called to one side “، وقد جاءت في الترجمة السبعينية في أيوب (16/3) في اسم الفاعل بصيغة الجمع – في وصف أصحابه الذين جاءوا إليه في كربه: ” مُعَزُّون ( Παράκλητορες – Paraklētres ) – مُتْعِبُون كُلّكًم “.

وتعني الكلمة،في معناها العام، في الكتابات الأدبية الكلاسيكية اليونانية قبل الميلاد؛ “شخصٌ يُستدعي للمساعدة، يُستدعي ليقدّم مساعدة، بمعني مساعد في المحكمة، أي ” محامٍ ” قانوني أو مستشار للدفاع، كما استخدمت بصيغة المبني للمجهول بمعني ” مُستدعي “.

وهذا المعني القانوني الفني هو الغالب في الاستخدام وتقابله كلمة “محامٍ” أو “مستشار” أو “وكيل دعاوي”. كما استخدمت بمعني شفيع أو وسيط أو معين بصورة عامّة
” An intercessor, consoler: – advocate, comforter ”

3- الباراقليط والترجمة اليونانية (السبعينية LXX ) للعهد القديم (حوالي 275ق. م.):

استخدمت كلمة باراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) في الأدب اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد بمعنى ” شخص يُستدعى للمساعدة، يُستدعي لتقديم مساعدة “، كما بيّنا أعلاه، ويعطى معنى المساعدة في المحكمة، أي محامي أو مدافع أو مستشار قانوني. وعندما ترجم علماء اليهود أسفار العهد القديم إلى اللغة اليونانية المعروفة بالسبعينية حوالي سنة 275 ق. م. بناء على طلب من الملك بطليموس ملك مصر، استخدم هؤلاء العلماء الاسم الجمع للكلمة (Παράκλητοι – Paraklētoi )، وذلك في صيغة اسم الفاعل وبصيغة الجمع – في وصف أصحابه الذين جاءوا إليه في كربه ” مُعَزُّون ( Παράκλητορες – Paraklētres ) – مُتْعِبُون كُلّكًم “(أيوب16/2). والتي هي في العبرية ( נחם – nâcham – naw-kham ‘ – معزون )، واستخدمت أيضًا في سفر زكريا (1/13) في ترجمة قوله:

” ‏كلمات تعزيـة = (4) λογους παρακλητικος (Logos Parakletikos ) = נחם נחוּם = nee-khoom’, nee-khoom’ -properly consoled ; abstractly solace: – comfort (-able), repenting

‏4- استخدمها في التلمود والترجوم:

استخدام كتّاب اليهود هذه الكلمة “باراقليط” في عدد من المعاني، فالعمل الصالح يدعي “باراقليط” أو محام. أمَّا التعدي، فيسمى المُدَّعي أو سلطة الاتهام. والتوبة والأعمال الصالحة فيطلق عليها “باراقليط” (بصيغة الجمع)، فأعمال البر والرحمة التي يقوم بها شعب إسرائيل في هذا العالم، تصبح عوامل سلام وشفعاء (باراقليط) لهم عند أبيهم الذي في السموات وذبيحة الخطية هي أيضًا “باراقليط”.

5-كما استخدمها فيلو الفيلسوف اليهودي المعاصر للمسيح:

بمعنى Advocate أي المحامي أو المدافع، واستخدمها أيضًا بصيغة الجمع (Παράκλητοι – Paraklētoi )، بمعني ديني، يعني المدافعين عن الخطاة أمام الله، فيقول عن يوسف ‏إنه منح الغفران لأخوته الذين أساءوا إليه، وأعلن لهم أنَّهم ليسوا في حاجة إلي “باراقليط” أو شفيع.

وفي كتابه عن حياة موسى، ترد عبارة ملفتة للنظر تدل علي أسلوب فيلو في التأويل الروحي للكتاب، كما تعكس نزعته الفلسفية، ففي ختام وصفه البليغ للمعاني الرمزية لثياب رئس الكهنة بكلّ ما فيها من جواهر ثمينة. يقول: ” إن الإثنى عشر حجرًا المرصّعة بهما الصدرة علي أربعة صفوف، وفي كل صف منها ثلاثة أحجار، كانت رمزًا للعقل الذي يمسك بالكون ويحفظ نظامه، إذ كان لابد أن الإنسان الذي كُرّس لأب كل العالم، يتّخذ ابنه شفيعًا (باراقليط). باعتباره الكامل المطلق في كل فضيلة، للحصول علي غفران الخطايا وبركات بلا حدود”، وهي عبارة شديدة الشبه بما جاء في رسالة يوحنا الأولى (2/1). حيث نري المسيح شفيعنا عند الآب، ولو أنَّ مفاهيم فيلو عن ” العقل ” و ” ‏الابن ” ليست هي المفاهيم المسيحية.

وهكذا فإن تاريخ كلمة الباراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) سواء في دائرة الفكر اليوناني أو اليهودي السابق للمسيحية أو الفكر المسيحي يؤكد أنها لا تعني سوى المدافع أو المحامي أو المعزِّي أو الشفيع. وقد طبقت كل هذه المعاني على السيد المسيح الذي هو الباراقليط الأول، والروح القدس الذي هو الباراقليط‏ الآخر. ولا مجال مطلقًا لأي إدعاء آخر.

6- ترجمة الباراكليتوس إلى اللغات الأخرى:‏

كُتب العهد الجديد باللغة اليونانية وقد كتب القديس يوحنا، بالروح القدس، الإنجيل الرابع ورسائله الثلاث فيما بين سنة 60و95م، الفترة التي دمَّر فيها الرومان هيكل سليمان، ‏وتشتت فيها اليهود في جميع أنحاء الدول المطلة علي البحر المتوسط، وبعد انتشار المسيحيّة في هذه الدول، وكانت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة وقتئذ، وبالتالي فقد كتبت الكلمة في الإنجيل كما هي (Παράκλητος – Paraklētos ) بدون نقل أو ترجمة من العبرية أو الآرامية التي كان يتكلم بها الرب يسوع المسيح. وقد ترجمت في القرون الثلاثة التالية إلي السريانية والقبطية واللاتينية وهي لغات البلاد التي انتشرت فيها المسيحية والتي كانت منتشرة فيها اللغة اليونانية أيضًا.‏

  1. اللغة السريانية: نُقلت الكلمة في الترجمات السريانية الشرقية كما هي في اليونانية(Παράκλητος – Paraklētos ) وقد كُتبت بحروف سريانية، ونُطقت ” براقلطيا ” بمعني المعزي، وترجمت في السريانية الفلسطينية ” منحميا ” أي المعزّي.
  2. اللغة القبطية: واستخدمت اللغة القبطية أيضًا، سواء الصعيدية أو البحيرية، نفس الكلمة كما هي ‏بحروفها اليونانية (Παράκλητος – Paraklētos ) بنفس المعني اليوناني، المعزي، وإن كانت الصعيدية ترجمت ما جاء في يوحنا الأولى: ” يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ (παράκλητον – Parakleton ) عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ، وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضاً (يوحنا2/1).‏
  3. اللغة اللاتينية: وبنفس الطريقة نقلت الترجمات اللاتينية الكلمة كما هي وكتبتها بحروف لاتينية (Parakletus ) وترجموها أحيانًا إلي ” أدفوكاتوس Advocatus ” أي “المدافع”، وأحيانًا ” المستشار القانوني – Consolator “. وترجمت الفولجاتا ( العامية ) ما ورد في الإنجيل بحسب القديس يوحنا إلى “Parakletus ” وما جاء في رسالته الأولي إلي Advocatus .

7- الباراكليتوس وآباء الكنيسة:

آمن آباء الكنيسة وعلماؤها منذ نهاية القرن الأول وحتى الآن أنَّ الباراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) هو اسم من أسماء الروح القدس وصفة من صفاته. فهو روح الحق الذي ينبثق من الذات الإلهية لله الواحد. كما أنه أحد ألقاب الرب يسوع المسيح ” الشفيع “. ولم يتخيّل أحد هؤلاء الآباء في القرون الأولى أنَّ الباراقليط يمكن أنْ يعني أي شخص آخر غير الروح القدس أو الرب يسوع المسيح. ولم ترد هذه الفكرة في كتاباتهم ومخطوطاتهم على الإطلاق. وإنما ترجموها بمعنى المعزِّي أو ‏المدافع بالنسبة للروح القدس والشفيع بالنسبة للمسيح.‏

  1. جاء في الرسالة إلى برنابا التي كتبت فيما بين ( سنة 70 إلي 100م )؛ أنَّ الباراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) يعني المعزي Consoler أو المُريح Comforter ، وهذه الصفة كانت معروفة وشائعة عند آباء الكنيسة اليونانية (أي الذين كتبوا باليونانية، خاصة في الشرق).‏
  2. العلامة ترتليان ( الروح القدس: 220م ): قال العلامة ترتليان من الآباء اللاتين في القرن الثاني: “وهو (أي المسيح) الذي سيأتي ليدين الأحياء والأموات والذي أرسل أيضًا من السماء، من الآب حسب وعده الروح القدس الباراقليط مقدس هؤلاء الذين يؤمنون بالآب والابن والروح القدس”.
    وقال أيضًا: “يوجد الباراقليط أو المعزي الذي وعد ( المسيح ) أن يرسله من السماء بعد صعوده إلى الآب. لقد دُعي حقًا معزِّيًا آخر، ولكن بأي طريقة هو آخر؟ مبينًا حالا قول المسيح ” سيأخذ مما لي ” مثلما أخذ المسيح نفسه من الآب. وهكذا فإنَّ صلة الآب في الابن والابن في الباراقليط ثلاثة أقانيم متّحدة ( منطقيًا )، ومع ذلك يتميّز الأقنوم عن الآخر، وهؤلاء الثلاثة هم جوهر واحد فقط”.
  3. العلامة أوريجانوس ( 185-245م): قال العلامة المصري أوريجانوس في بداية القرن الثالث:”الروح القدس سمّاه ربنا ومخلصنا في الإنجيل للقديس يوحنا الباراقليط … نفس الروح القدس الذي كان في الأنبياء والرسل”.
    وأيضًا: ” يجب أنْ نعرف أنَّ الباراقليط هو الروح القدس الذي يُعلم الحق الذي لا يُنطق بكلمات ولا يسوغ لإنسان أنْ يتكلّم به، أي الذي لا يمكن أنْ يبيّن بلغة البشر “.
    وقال مبيّنًا الفرق بين استخدام الكلمة كصفة للرب يسوع المسيح: “وبما أنَّ مخلصّنا دُعي بالباراقليط في رسالة يوحنا في قوله ” وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ (παράκλητον – Parakleton ) عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ، وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا” … لأنَّه في اليونانية له كلٍ من المعنيَين، أي الشفيع والمُعزّي… وعندما يقول “هو كفارة”، يُفهم اسم الباراقليط في حالة مخلصنا بمعني الشفيع؛ لأنَّه يتوسّط عند الآب لأجل خطايانا، وفي حالة الروح القدس يجب أنْ يُفهم بمعنى المُعزّي لأنَّه يهب تعزيةً لنفوس الذين يَكْشِف لهم صراحة إدراك المعرفة الروحية.‏
  4. وجاء في كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري في نهاية القرن الثاني وبداية الثالث تسجيل لما حدث لشهداء الغال (177/178م) قوله عن فيتيوس اباجاتوس الذي شهد ودافع عن إخوته أنَّه دعي “شفيع المسيحيين، إذ كان في داخله شفيع، أي ‏الروح الذي امتلأ به أكثر من زكريا”. وهنا دعي شفيع لأنه كان بداخله الشفيع الذي أرسله المسيح، أي الروح القدس الذي امتلأ به مثلما امتلأ زكريا بالروح القدس وتنبأ…‏
  5. وركَّز القديس إكليمندس السكندري على فكرة المشير القانوني والنصيحة القانونية، ويستخدم تعبير:
    ” باراكليتون بسيشس – parakleton psyches – ψυχης παράκλητον )، أي “محامي النفوس”.
  6. القديس كيرلس الأورشليمي (314-387م ): قال في حديثه عن أسماء الروح القدس ” أنه ( الروح القدس ) يدعى “روحًا” بحسب الكتاب المقدس كما قرأت الآن… ويُدعى “روح الحق” وفقًا لقول المخلص “فمتى جاء روح الحق…”، ويدعى “المعزي أو المؤيد” كما قال “فإن لم أمض لا يأتيكم المعزي… ولكن هو واحد بالرغم من له ألقابّا مختلفة وهذا‏ واضح لأن الروح القدس والمعزي هما واحد معلن في هذه الكلمات “ولكن المعزي الروح القدس”… والمعزي هو نفسه الروح القدس… كما جاء “وأنا أسأل أبي فيعطيكم معزيًا آخر يبقى معكم إلي الأبد روح الحق”… وأيضا ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من عند الآب روح الحق “.‏

وهكذا يتضح لنا أنَّ الباراقليط (Παράκλητος – Paraklētos ) حسب ما فهمه آباء الكنيسة في القرون الأربعة الأولى للميلاد، سواء في الشرق أو الغرب، هو الروح القدس، روح الحق المعزي، الأقنوم الثالث في الذات الإلهية لله الواحد، والذي سبق أنْ حلّ في الأنبياء والرسل والذي أرشدهم إلى الحق كقول العلامة أوريجينوس “الذي يعلم الحق الذي ينطق بكلمات لا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها، الذي لا يمكن أن يبين بلغة بشرية”.
هو الروح القدس الذي يهب التعزية للذين يهب لهم إدراك المعرفة الروحية، الذي نزل من السماء وحلّ على التلاميذ بعد صعود الرب يسوع المسيح بعشرة أيام. كما عرفوا أيضًا وفهموا من الكتاب المقدس أنَّ المسيح نفسه دُعي ‏باراقيط (Παράκλητος – Paraklētos ) بمعنى الشفيع الذي يشفع لنا عند الآب.‏

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

اترك تعليقاً

twitterfacebookrss feed

ما هو الأمر الذي يجب أن يحتل الأولوية من وجهة نظرك في إهتمامات البابا ال118

شاهد النتائج

Loading ... Loading ...


المسيحية الأرثوذكسية

Orthodoxwiki