الأرشيف
أكتوبر 2017
د ن ث ع خ ج س
« سبتمبر    
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  
المدونة القديمة (رابط مؤقت)

ألوهية المخلص وخلق الإنسان على صورة الله

(3 صوت، المتوسط: 5.00 من 5)

تعقيبا على مقال “الإيمان والكتاب المقدس وموجـة الإلحـاد المعـاصرة – 2” وردا على طلب من أحد القراء بتوضيح جملة قد وردت بالمقال وهي “إلوهيةُ المسيحِ ليست فكرة “غيبية”، فلا غياب ولا تطلع إلى ما وراء الطبيعة، بل هي أولاً:التعليم المتجذِّر في أن الإنسان هو صورة الله. وعلى ذلك فإلوهية المسيح هي عودة إلى أصل الإنسان، وهي ثانياً: أشواقُ الإنسان إلى ما هو أعظم. فالجذر هو الإنسان كصورة الله التي تنمو الآن حسب صورة الله المُعلنَة في الإنسان يسوع المسيح لكي تدرك إلوهيته.”

وللتوضيح:

ما نُطلِق عليه اسم الغيبيات هو فكرة عامة لا يوجد لها شاهد من التاريخ، ولا يوجد لها حتى علامة أو رمز يؤكد وجودها.

إلوهية الرب يسوع لها ثلاث ثوابت:

1- خلق الإنسان على صور الله ومثاله، وهو خلق الإنسان بطبيعة روحية عاقلة تسعى إلى ما هو أعظم وأجمل وأكمل من الحياة البيولوجية العادية. الحياة السامية التي ترتفع إلى ما هو فوق الوجود البيولوجي، وهي الحياة العاقلة التي لها جذر إلهي، وهو حرية الاختيار ورغبة عارمة لدى الإنسان في أن يتجاوز الواقع الذي يحياه. وهو ما عبَّر عنه الإنسان بالغناء والشعر والموسيقى والفلسفة وسائر العلوم الإنسانية التي تؤكد أن الإنسان يمتلك قدرة عقلية جاءت كهبة من اللوغوس الخالق Logos. جاء اللوغوس نفسه لكي يعطي للحياة الإنسانية كمالها ويملأ الحياة العقلية بما هو جديد وأفضل؛ لأن الإنسان حسب تعبير القديس أثناسيو هو “ظل الكلمة”، يتبع الكلمة مثل تبعية الظل للنور.

2- في تطلع الإنسان إلى ما هو أجمل وأعظم وأكبر وأكمل، جاء تجسد الكلمة “والكلمة صار جسداً وسكن بيننا”، فصار وجود الكلمة في الجسد هو إشارة واضحة على أن إلوهة المسيح تُدرَك لا من نصوص، بل من الحياة الإلهية التي عاشها في الجسد لأنه جاء لكي يعلن لنا أبوة الله الآب من خلال حياته. وهنا بالذات، تؤكد الأرثوذكسية الحقة أن حياة الرب وتعليمه هما معاً فعل واحد لا يمكن فصله؛ لأن حقيقة الإلوهة استُعلِنَت في المحبة والتواضع الذي جعل الكلمة يقبل حياةً جسدانية إنسانية ويرفع هذه الحياة من خلال وحدانية شخصه وتعليمه إلى معرفة ثابتة يقينية؛ لأن قبوله للإنسانية عبَّر عنه التجسد، ومحبته عبَّر عنها الصليب، وقوته استُعلِنَت في القيامة.

لذلك عندمانقول إن إلوهية الرب يسوع هي متجذِّرة في حقيقة وجود الإنسان، فنحن نعني ذلك الوجود الذي لم تعد الفكرة تنفصل فيه عن الحياة، وهو ما جاء به تجسد الكلمة لأن انفصال الفكرة عن الكيان هو ما يسمى بالاسم العام لدينا وهو “السقوط”، فهو الشرخ الذي أصاب الكيان الإنساني، لكن المسيح رب الحياة جاء متجسداً، ولم يجيء بكتاب. وجاء معلناً الحياة بالوجود في الجسد؛ لأن الوجود الجسداني للإنسان هو وجود ثابت لا يمكن إنكاره.

3- وهي دعوة المسيح لنا لكي نشترك في حياته حيث لا يمكن فصل التعليم عن الشخص، ولا يمكن فصل كلاهما عن الحياة الإنسانية في شكلها الضعيف والمريض والمنكسر، وفي دعوتها إلى حياة جديدة. يسوع دعى الإنسان لأن يكون إنساناً في “التطويبات”، وفي رد ثوابت الشريعة إلى القلب لا إلى الحرف، وفي البحث عن أهداف الوصية التي تسمو بالإنسان كإنسان، وهكذا ردَّ المسيحُ إلينا إنسانيتنا؛ لأنه جاء لكي يجدد الصورة الإلهية التي فينا بالمحبة وبعمل إلهي مباشر. عودة الإنسان إلى صورة الله هي سر فرح الإنسان بالمطلق، ذلك المطلق الذي لا وجود له إلَّا في “الملكوت”، وفي شركتنا في حياة الثالوث. وقراءة دقيقة لإنجيل يوحنا/الإصحاح السابع عشر بالذات، تؤكد لنا أننا دُعينا إلى حياة جديدة هي حياة يسوع، وأن التعليم الذي جاء به يسوع هو الباب الذي منه ندخل إلى هذه الحياة الجديدة لكي نصبح فعلاً كل منا إنسان حقيقي وليس إنساناً مزيفاً يحيا حياةً فكريةً منفصلةً عن الكيان نفسه.

أخيراً: الحياة الإنسانية الخاضعة للشريعة أو الناموس هي حياة تحاصر الوجود الإنساني؛ لأن الإنسان يراقب ذاته دائماً: هل أنا طاهر ونقي؟ هل أنا خالفت الوصية؟ هل فعلت ما هو مطلوب مني؟ ولذلك ترد الشريعة الإنسان إلى كيانه المنقسم والقديم والساقط والمنكسر. لكن دعوة الإنجيل هي دعوة التحرر من الإنسان القديم أو العتيق، وهو ما دعانا إليه الرب باسم “جحد الذات”، أي رفض الحياة حسب مقاييس الحياة الآدمية الساقطة، أو ما أعطاه رسول الرب بولس اسم “الإنسان القديم” الذي يفسد بالغرور وبالشهوات.

وهذا ما كنت أقصده بجذر الحياة التي فينا “التي تنمو حسب صورة الله المعلنَة في الإنسان يسوع المسيح”؛ لأننا قبلنا إلوهية الرب من تجسده. وربما تحتاج هذه النقطة الأخيرة إلى إيضاح؛ لأننا نحشد نصوص الكتاب المقدس للدفاع عن إلوهية الرب وننسى أن هذه الإلوهة معلنَة في تجسده.
صوت الكنيسة يقول: “أخذ الذي لنا (أي الإنسانية) وأعطانا الذي له (أي حياته الإلهية المتجسدة)”

دكتور
جورج حبيب بباوي
24 مايو 2014

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

اترك تعليقاً

twitterfacebookrss feed

ما هو الأمر الذي يجب أن يحتل الأولوية من وجهة نظرك في إهتمامات البابا ال118

شاهد النتائج

Loading ... Loading ...


المسيحية الأرثوذكسية

Orthodoxwiki