حول قرار منع التراتيل البروتستانتية -3

لماذا يجب الابتعاد عن هذه التراتيل؟

يقول الرب على لسان أشعياء: “هلم نتحاور”، أو نقدم ما لدينا من حُجج. اسمع هذه الترتيلة التي نهى عن استعمالها البابا كيرلس السادس:

خلني قرب الصليب حيث سار المجرى

من دم الفادي الحبيب داءُ نفسي يبرا

قاعدة إفراز وتمييز

هل تقول كلمات هذه الترتيلة إن دم المسيح يُقدَّم في كأس الإفخارستيا، أم أنه لا يزيد عن كونه فكرة في عقل مَن يرنم؟

الجواب معروف عند الذين قالوا إنني أدعو إلى التعصب والطائفية، ذلك لأنهم لا يقدمون دم المسيح في العشاء الرباني، بل يقولون عنه خرافات القرن السادس عشر، أي خرافات حركة الإصلاح وما بعد حركة الإصلاح: إنه رمزٌ وذكرى … إلخ وباتت كلمات الرب نفسه: “خذوا اشربوا هذا هو دمي”، توضع تحت مطارق الفلسفة العقلية التي لا تفهم أن الدم حياة، وأن الرب يقدم حياته، وأن الذين يمنعون المؤمنين من الشركة في جسد الرب ودمه، إنما ينكرون كل ما قاله الرب نفسه في يوحنا 6: 53.

كل حجة تقال في هذا المجال، أي ضد تقديم جسد الرب ودم هي حجة ضد محبة محب البشر، وعندما يكون دم المسيح فقط

سال عند الجلجثة

دون أن يوجد في كأس الإفخارستيا، عندئذٍ يكون التعليم المزيَّف قد فصل بين المسيح المصلوب، وبين المؤمنين، ولم يعُد تقديم الدم هو تقديم حياة، بل أصبح -في تعليم العصر الوسيط منذ أنسلم رئيس أساقفة كانتربري، وما بعده- هو الثمن الذي دُفِعَ لله الآب كترضية للعدل الإلهي، ولا يعطى إلَّا للذكرى، أي ذكرى ما حدث.

هذا تزييفٌ مخيف.

هل بعد هذه الخسارة التي نحذِّرُ منها يقال إنني متعصب؟ أو يقال إنني حلقةُ وصلٍ بين الكنيسة الإنجيلية والكنيسة الأرثوذكسية؟ كيف يمكن لمن شاء أن يكون مسيحياً بالحق أن يقبل بوجود كنيستين وللرب جسدٌ واحد وليس جسدين، هو الكنيسة التي حملت عار الصليب وجراحه في وادي النيل في عصور الظلام والقسوة التي رأينا بعضها في الأيام الأخيرة؟ أنا لا أعرف إلَّا كنيسةً واحدةً فقط هي أم الشهداء القبطية الأرثوذكسية التي ولدتُ وعشت معظم أيامي فيها.

هل هذه حرية، أم فقدان للشركة؟

كل كلام عن الحرية حسنٌ جداً؛ لأن العهد الجديد هو الكتاب الوحيد تحت الشمس الذي ذكر الحرية كمكوِّن للحياة المسيحية الحقة. ومع تحفُّظي على كلمة “عبادة” التي لا وجود لها في اليونانية أو القبطية، وهو ما سبق وأشرت إليه في مناسبةٍ أخرى، أريد أن أسأل الأخوة الذين لديهم قدرة على الصراخ بصوتٍ عالٍ: هل حرية العبادة (الخدمة هي الكلمة الأصلية، وهي خدمة الثالوث لنا لا خدمتنا نحن للثالوث)، تعني أن أترنم بغنى المراحم الإلهية دون أن أشتركَ فيها؟ وأنا هنا أقصد شركةً كيانية، لا مجرد ذكرى عقلية؟ هل الصلاة هي شركة وخدمة (ليتورجية) الثالوث لنا؛ لأننا نصلي في الابن والروح القدس، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون محاضرات ومرافاعات تقال أمام الله الذي لا نعترف حتى بأبوَّته كما كنت أُلاحظ في اجتماعات الصلاة؟

لازلنا نتكلم عن “الله”، مع أن الصحيح هو “الله الآب”، وبالأكثر دقة “أبو ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح”. ولكم أن تطلعوا على افتتاحية صلوات الأواشي، هذا هو الفرق؛ لأن كل الصلوات تبدأ: “نسأل الله الآب ضابط الكل أبو ربنا يسوع المسيح …”، ولكن غابت أبوة الله.

كنت أسمع لسنواتٍ مضت ترتيلة:

نحن بنو الآب الرحيم

وكلنا أخوان

يجمعنا الفادي ……. إلخ

وقال لي القمص مينا المتوحد: يا ابني فين عطية البنوة اللي وهبها الروح القدس؟ فإننا كنا إلى عهد قريب نقول عن أنفسنا: “أبناء المعمودية”، التي يتم فيها التبني؛ لأن التبني ليس فكرةً في العقل.

تغيب السرائر، أو الأسرار، ويغيب رشم الصليب، ويغيب حضور الثالوث وحلوله في سطنا، ويغيب حضور القديسين والملائكة والشهداء في حين أنهم معنا في ملء كنيسة المسيح، فماذا يتبقى من الكنيسة -بعد هذا الغياب- سوى صورة هزيلة تشبه إلى حدٍّ بعيد مريض فقر الدم الذي يظن أنه بكامل الصحة، في حين أنه ليس شريكاً للثالوث، وليس ابنا إلَّا بالقدر الذي يعرفه، لا بالسر الذي ناله، حتى وإن كان لا يفهمه، وهو لا يأكل خبز الحياة النازل من فوق لأنه مجرد ذكرى، ولا يتناول حياة الرب، أي دمه في الكأس؛ لأنه سُفكَ على الصليب، ولم يعُد في متناولنا، وبقى فكرةً في عقلنا …. بعد كل هذا، هل هذه مسيحية؟ وهل هذه حركة أم انفلات يجب مراجعته؟

أنا لا أعرف ظروف الخدمة بالمقطم، وكنت أتمنى التمهيد بالتعليم أولاً قبل قرار المنع، وما وصلني من أخبار عن الأب سمعان محزن ومفزع في آنٍ معاً. لكن الموضوع قديم جداً سبق خدمة المقطم، وقبل أن أولد بالجسد على أرض مصر، بل هو يعود إلى مطلع القرن التاسع عشر، وهو يحتاج إلى علاج بالتعليم لِما جاء مع حركات النهضة التي لم تُراجَع لاهوتياً.

فغياب عقيدة الثالوث من التعليم يجد سببه بالتحديد في دفع ثمن خطايا البشر للآب، وهذا في حد ذاته يمزق وحدة جوهر الثالوث.

وغياب عمل الروح القدس في القلب تشهد له الكتب والعظات التي تصدر والتي لا تحتوي على تعليم واضح صريح بأن التقديس هو شركة في ذات قداسة الروح القدس، وهو التعليم الأصيل.

وعندما تعني كلمة “قدوس”، الذي “بلا خطية”، فأيُّ تزييفٍ أفظع من وصف روح الرب بوصفٍ سلبي، أي بلا خطية، بينما القدوس تعني الفريد الذي لا مثيل له، وأننا بالتقديس نسترد الخصوصية التي غابت وهي صورة الله فينا.

وعندما يغيب موضوع الإنسان صورة الله ومثاله من التعليم، عندئذٍ يبتعد أي كلام عن الخطية عن الحقيقة.

أكاد ألمح في تعليقات بعض الأخوة أنهم لا يقرأون كما يجب، بل يختارون العبارات التي تسمح بها العواطف لا العقل والإدراك. أنا لم أقل إن كل شيءٍ باطل ماعدا الأرثوذكسية، ولكن المحور والقلب الضائع هو الشركة الكيانية، أي شركة الحياة في الابن بالروح القدس، وهو ما سبق ونشرنا عنه دراسة كاملة بعنوان: “المسيح والمسيحي وشركة الجسد الواحد”.

ما حدث في كنيسة المقطم كان يجب أن يسبقه تعليم عن التمييز. ليست الموسيقى ولا الألحان، وإنما المحتوى والمعاني التي لا تعبِّر بشكل دقيق عن الإيمان. والثالوث القدوس ليس فكرةً أو عبارةً تقال، ولا هو حتى الاعتراف اللفظي، بل حركة المحبة الإلهية في التنازل إلينا، وتحولنا في خدمة الثالوث إلى الوحدة السرية التي تجعل الكنيسة فعلاً جسداً واحداً. ولذلك، “الفرز” يجب أن يكون على قاعدة استعلان الشركة وبواسطة من يعرف اللاهوت.

نحن ننشد ونسبح عقائدنا ونصلي ما لدينا من إيمان، وهو إيمان باستعلان يعطي لنا نحن الذين نسبح ليس ما يقال باللفظ، بل ما يُوهَب أيضاً. وفصل استعلان محبة الثالوث عن قبول كياني لا لفظي فقط، هو فصل من يُحرم من الحياة الحقيقية.

لا بُد من لجنة من اللاهوتيين لتنقية التراتيل حتى تلك التي تراكمت في التسبحة الكيهكية؛ لأن روح الانكسار والمذلة لا تتفق مع هبة وعطية التبني (غلا 4: 4 – 6)، بل وحتى ما ورد عن شفاعة القديسين هو بدوره يحتاج إلى مراجعة لأن ما يقال عن فقدان تام للعلاقة بين الخاطئ والمسيح هو خطأٌ فظيع لا يجب السكوت عنه، ولكن في نفس الوقت لا يجب أن تتحول علاقتنا بالمسيح إلى علاقة لفظية.

في المسيحية الشخصُ يسبق اللفظ، وهو الذي يعطي لكل لفظٍ معناه وهدفه؛ ولأن الشخص يسبق اللفظ، فالعلاقة الكيانية هي ما يجب أن نحرص عليه في كل التراتيل. وأُكرر إن الوصف لمجد الفادي دون شركة في هذا المجد هو “عبادة” فارغة من الهدف المقصود منها، وهو الشركة. نحن شركاء الروح القدس بالمعنى الكياني لا حسب قواعد اللغة (عب 6: 3)، فنحن ورثة الله ووارثون مع المسيح (رو 8: 17). وعودة روح التبني إلى خدمة التسبيح هي عودة الحرية الحقة.

حاجتنا ماسة إلى حوار مسيحي، وليس لصراخ الشعارات التي تصلح لميدان التحرير، والتي لا تبني.

حاجتنا ماسة إلى أن نفهم أن خصوصية المسيحية هي شركتنا في الحياة الإلهية التي عبَّر عنها الرسول بولس بتعبير “في المسيح”، وهو يعني الوجود الإنساني في الرب، وهذا ليس لفظاً فقط، بل الاتحاد الحقيقي بالرب.

لا يجب أن يقف التعليم عند استعلان ما يقدمه الثالوث لنا، بل يجب أن يصل إلى الحصول على ما يُعطى. والمثال على ذلك، تلك القضية الحائرة عندنا: “التبرير بالإيمان”، وهي عبارة لا وجود لها في رسائل بولس الرسول؛ لأن الإيمان لا يُبرر، ولكن الذي يُبرر هو الله، فالفاعل هو الله وليس الإيمان. والإيمان هو قبول زليس مصدر التبرير. ولاحظ حتى الفعل المبني للمجهول: “إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله” (رو 5: 1)، وهي تُقرأ خطأ مثل “أجرة الخطية هي موت” (رو 16: 23)؛ لأن مَن يدفع الأجرة هي الخطية، وليس الله الذي لم يرد ذكره في هذه الكلمات ابتداءً من عدد 21 – 23.

ولو كان الأخوة الإنجيليون قد قالوا: إن التبرير في المسيح يسوع، لصار التعليم كتابياً؛ لأنه هنا ينقل الإنسان إلى مستوى العطاء الإلهي؛ لأننا حسب النص نفسه، وعندما نفصل التبرير عن الخلقة الجديدة (2 كور 5: 14 – 18)، نكون قد أضعنا هدف التبرير؛ لأننا حسب دقة التعبير “نصير بر الله فيه” (2 كور 5: 21)، أي في المسيح. هذا الخذف المخيف حقاً هو حرمان حقيقي من الوجود في الله نفسه حسب تعبير رسول الرب “أُوجد فيه” (فيلبي 3: 7)؛ لأن “حياتنا مستترة مع المسيح في الله” (كول 3: 3). ونحن لم نعد نسمع “أننا في الله نصلي”، وأننا “في الله نحيا ونتحرك ونوجد” (أع 17: 28).

أُكرر، إن التراتيل يمكن أن تصبح العائق الحقيقي للنمو الروحي؛ إذا كانت توجِّه الإدراك نحو هدفٍ غائب أو بعيد أو مجرد لفظ يقال أو ما لم يُعطى لنا.

إننا نطلب ما هو كائن، والطلب هو استعداد للقبول.

إننا نسأل؛ لأن الثالوث حاضرٌ دائماً، والسؤال هو انفتاح الوعي على الحياة التي يسكبها الآب فينا بالابن في الروح القدس.

“أبَّا أيها الآب” هي كلمات الرب نفسه، وهي تعبير عما نناله ونبقى فيه؛ لأنه يُوهب لنا بالروح القدس (غلا 4: 4 – 6).

أتمنى للجميع السلامة والسلام.

دكتور
جورج حبيب بباوي


التعليقات

3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة