تقوى مزيَّفة بلا أساس لاهوتي –1

أرسل لي صديق حميم هذه الترنيمة لفريق الكاروز، بعنوان: يا من تميتني عني:

يا من تميتني عني وفيك تحييني

كل ما في الكون حلمٌ أنت اليقظة فيه

ما عاد منظر فيها يحجبك عني

إذا ما أبصرت بك يا نوري وعيني

حظي ومنيتي أنت وبهذا تخليني

من كل ما لا ينشد لك بترنيمي

وبقربك يفارقني قلبي وما فيه

وفي بعدي لا أصبر عنك يا سكني ومسيري

هوَّنتَ لي هنا الغربة بوجهك الباقي

وإن تعثرت بها حركت أشواقي

وتعليقي هنا في هذا المقال هو عتابُ محبة لمن يرنم ولمن ينشد، حيث افتقرت هذه الكلمات في مجملها إلى ثوابت التعليم الصحيح، وهو نتاج طبيعي لزمنٍ غاب فيه التعليم المسيحي عن الثالوث – التجسد – الصلب والقيامة – سكنى الروح القدس – شركتنا الكيانية. لذلك لا يجب أن نسبِّح ربنا يسوع على ما نذكره أو ما نتخيَّله نحن، بل نسبحه على ما أعطاه لنا: البنوة – الحياة الأبدية – ميراث الملكوت – القيامة من الأموات – شركتنا في العلاقة الأقنومية التي بينه وبين الآب والروح القدس … الخ.

عندما لا تدخل أساسات المسيحية في الصلاة وفي الترنيم، وتتحول الترانيم إلى ما يشبه “المساج” Massage لتحرك عضلات الانفعالات النفسية مثل الأشواق والفرح النفسي واسترداد السلام النفسي، عندئذٍ يصبح ما تقدِّمه هذه الترانيم لا يختلف بالمرة عن التواشيح – الأدعية – الأوراد التي تنشدها فرق التصوف في اليهودية والإسلام، ويكفي أن نذكِّر القارئ الذي يريد أن يفهم، أن نظرةً على أشعار الحلاج – رابعة العدوية – ابن الفارض، وهؤلاء من أقطاب التصوف الإسلامي، تؤكد لنا أن الإطار العام لهذه التواشيح هو حركات وخلجات القلب الساعي إلى الله، وهي سعيُ الإنسان نحو خالقه، وهو شعورٌ حقيقي وأصيل في النفس الإنسانية التي خُلِقت أصلاً على صورة الله ومثاله (تك 1: 26)، ولذلك فالإنسان دائم البحث عن خالقه – هذه نزعة إنسانية جيدة لا ضرر منها بالمرة، ولكنها تتعارض مع أبسط حقائق التعليم المسيحي، وهي أن الله هو الذي جاء إلينا، وهو الذي يبحث عنا كما عبَّرت عن ذلك أمثال الرب يسوع: الخروف الضال – الدرهم المفقود وغيرها، عن النور الإلهي المشرق في يسوع المسيح (يوحنا 1: 1-4). فالحركة الإنسانية تسير بقوة الطبيعة إن كانت تفتش عن الله خارج التعليم المسيحي، ولكن الحركة الإلهية المتجسدة هي التي تسير بقوة الألوهة في يسوع المسيح وبالروح القدس؛ لأن الله يريد الإنسان حراً من عبودية الموت والخطية، ويؤهِّل الانسان إلى ميراث الملكوت.

لو درسنا كلمات الترنيمة السابقة التي فيها كل براءة وأشواق الطبيعة الإنسانية، للاحظنا غياب حقائق أساسية مسيحية، ليست أرثوذكسية فقط، بل في التراث المسيحي الشرقي والغربي على حد سواء. ولكي يكون الكلام دقيقاً، لا عاماً يكفي أن نقرأ:

وبقربك يفارقني قلبي وما فيه

وفي بُعدي لا أصبر عنك يا سكني ومسيري

قارن هذه الكلمات بعبارة رسول المسيح بولس: “بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً أبَّا أيها الآب” (غلا 4: 4-6)، فالقلب، وهو في تراثنا المسيحي العالمي، ليس هو تلك العضلة التي تدفع الدم، بل هو الكيان الروحي كله: الفكر – الشعور – العواطف – الإرادة – الخيال، والأهم هو “الوعي” بحضور الروح القدس الذي يحمل إلينا المصلوب والحي القائم من بين الأموات. إذن، فالقلب لا يفارِق؛ ولكن ما فيه يحتاج إلى تجديد وتقديس بالروح القدس، و”الفناء” في الله الذي تكلم عنه أقطاب التصوف الإسلامي لا تقبله المسيحية؛ لأن الكيان الإنساني: الجسد والروح الإنسانية معاً هما وحدة واحدة يطلبها الثالوث لكي تكون مسكناً له كما قال الرب يسوع بفمه الإلهي: “إليه نأتي وعنده نصنع منزلاً (مسكناً) (يوحنا 14: 23)، ليس لأن الأشواق والرغبات ودقات الموسيقى هي التي تجيء بالثالوث، وإنما لأن التجسد ملأ الكون والإنسانية بحضور الكلمة الابن الوحيد على المستوى الإلهي المتجسد.

ما عاد منظرٌ فيها يحجبك عني

إذا ما أبصرت بك يا نوري وعيني

تعبِّر هذه الكلمات عما وصل إليه هذا الجيل من جفاف، ذلك الجفاف الروحي الذي لمحه الأب متى المسكين في مقدمة كتاب حياة الصلاة الأرثوذكسية. جفافٌ لم يعالَج جذرياً، فقد غاب عن هذا الجيل التعليم بسكنى الروح القدس في أعضاء الجسد، وهو ما نراه في رسائل أنطونيوس، وبالتالي تجلي الجسد لأنه هيكل الله.

وتأمل كيف غابت قداسة الجسد، تلك التي تُوهَب بالروح القدس بمسحة يسوع المسيح نفسه (1 يوحنا 2: 27)، وكيف صار الجسد مستعبداً لإفرازات الجسد، وحركات الطبيعة البيولوجية التي خلقها الله، وتفنن فقهاء العصر الوسيط (لا سيما في المصادر العربية) بكل ما يمكن نقله دون تمييز عن يهودية اللاويين والتثنية، بل وعن الإسلام الذي له وجهة نظر واعتقاد خاص به عن الإنسان (لا مجال له هنا)؛ لذلك صار التقديس الذي يؤخذ في سر الشكر تقديساً مؤقتاً، فَقَدَ الهبة واللمسة الأبدية، وأصبح الإنسان يحتاج إلى الوضوء أو الاستحمام، وهو ما انعكس على قراءة لقاء الرب يسوع مع المرأة نازفة الدم الذي قال الرب نفسه بلسانه: “من لمسني” (متى 9: 20)([1])، فبالرغم من أنه لم يكن لحادثة الشفاء هذه أية علاقة بالعشاء الرباني، إلَّا أنها في زمان الارتداد عن التعليم المسيحي، تصبح حادثةُ شفاءٍ لا علاقة لها بسر الشكر مثالاً لنجاسة المرأة الحائض، وبالتالي تبرر المنع من التناول.

إن ما حدث قبل كمال التدبير بالصلب والموت والقيامة والصعود وحلول الروح القدس لا يجب أن يُقتطع جزء منه لكي يبني عليه الفقهاء المتأسلمون ممارسةً تُنكر قداسة الانسان في يسوع المسيح، بل يجب علينا أن نرى العالم كله كمكان، تتجلى فيه رحمة وعظمة الله، وبالتالي لا يحجب القلب أو الفكر عن الله. هذه الثنائية الغنوصية الأصل، قد تجاوزها النسك المسيحي بالهذيذ أو الثاؤريا الأولى، وهي تأمل الكون الذي تغنَّى به سفر المزامير عن تسبيح الخليقة لله واهب كل العطايا (مزمور 147 على سبيل المثال لا الحصر). فقول الترنيمة: “ما عاد منظرٌ فيها يحجبك عني”، وإن كان يبدو بريئاً ويعبِّر عن شوق حقيقي، ولكن تحت هذه البراءة تختفي الثنائية القديمة، فكل منظر في الكون ناطقٍ بمجد الله لا يُبعد الانسان عن الله، ولا عن محبة الله: “السموات تُخبر بعمل يديه ..”، ولكن التحليل الدقيق لكلمات الترنيمة يؤكد لنا أن الانسان لا زال يعيش ثنائية الله والكون، أي أن الله غريبٌ عن الكون، وأن الإنسان يجب أن ينكر ويجحد الكون. وكلمات هذه الترنيمة، مثل كلمات ترنيمة أخرى، أقدم:

“فكل منظر ها هنا فيه الشقاء والعناء”،

في حين أن كل منظر هنا -مهما كان- يؤكد لنا الحضور الإلهي الدائم ليسوع المسيح.

المحبة الإلهية التي يسكبها الروح القدس (رو 5: 5).

عندما يقول رسول الرب: “إن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس الذي أُعطي لنا -وهي كلمات غابت في زمانٍ أنكر فيه البعض سكنى الروح القدس وحذفوا فيه عن جهل عبارة رسول الرب: “أنتم هياكل الله وروح الله ساكن فيكم” (1 كو 6: 16)- فقد تحوَّلت حركة السعي لمحبة الإنسان لله، إلى حركة إنسانية لم تنل قوة النعمة، ولم نعد نسمع عن آهات وشفاعة الروح القدس (رو 8: 26)، غاب هذا كله تحت وطأة الخلاص بالانهماك في التسبيح الذي يدخلنا في تقوى مزيفة؛ لأنها تبحث عن الله بينما الله هو الذي يبحث عنا.

إن أشواق الإنسان إلى المسيح بدون صلب الأهواء، وبدون هبة الحياة الأبدية، تقود إلى فراغٍ وعدم؛ لأن انكار الذات تحوَّلَ من لمسة النعمة فينا إلى Self – Negation بينما لا يمكن إنكار الذات إلَّا بالذات، فلابد من وجود الذات “أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ” (غلا 2: 20)، وهذه ليست Self – Negation بل هي إنكار الذات كوحدة Unite وكيان entity مستقل عن الرب، لا التقوى المزيَّفة التي دخلت مع التشديد على صوم الجسد وحده، دون صوم القلب، وإفراز أطعمة وساعات الانقطاع والتي تحولت إلى “أعمال الشريعة” التي لا تقدِّم الإنسان إلى الله؛ لأن الله هو الذي جاء إلينا (راجع غلاطية، الاصحاح الثاني كله)، وعندما يخرج الإنسان عن كيانه، فهو لا يصل إلى شيء، بل يقع في حفرة العدم.

والكلمات الآتية مثيرة؛ لأنها تدغدغ الشعور ولا تؤكد التجسد:

يا من تميتني عني وفيك تحييني

كل ما في الكون حلمٌ أنت اليقظة فيه

والشطر الأول يُبعد الوعي عن التجسد، فالمسيح لم يكن أمنية، ولكن الشطر الثاني صحيح؛ لأن المسيح أحيا الإنسان فيه، وكان من الضروري التشديد على الصلب والقيامة: “أقامنا معه – أجلسنا معه في السماويات”. يا ليتنا نرتل كلمات رسول الرب ونترك العموميات التي تقتل الوعي والإدراك بخصوصية الإيمان المسيحي ورسالته.

أما نهاية الترنيمة فهو غريب جداً.

هوَّنت لي هنا الغربة بوجهك الباقي

وهكذا سقط الاتحاد بالرب يسوع، أي بمن قال أنا هو القيامة

ثم

وإن تعثرت بها حرَّكت أشواقي

ولكن الشوق لا يعيد الإنسان إلى المسيح، بل المسيح هو الذي يعيد الإنسان إلى المسيح بالروح القدس.

أقول لمن يلصق بي تهمة التعصب أو الطائفية، إن المسيحية الأرثوذكسية ليست طائفة، بل هي الامتداد التاريخي لِما أسَّسه الربُّ والرسل وثبَّته الآباء. إنها كنيسة المسيح في ديار مصر، وتقواها ليست مزيَّفةً، بل تراها في التسابيح القبطية بالذات، تُعيد الإنسان إلى الثالوث، إلى الاتحاد الأقنومي، إلى الأسرار، إلى الكنيسة الجامعة (المجمع الكبير في صلاة نصف الليل)، وتغرسنا في تاريخٍ حي، وشهود وشهداء سلَّموا لنا الإيمان.

ولنا لقاء آخر مع التقوى المزيفة.

د. جورج حبيب بباوي


([1])لم تلمس تلك المرأة هُدبَ ثوبه كما ورد في الترجمات العربية، بل غطاء الرأس الشائع في زمن المسيح Prayer Shawl الذي يشبه إلى حد كبير كوفية طويلة تغطي الكتف حتى وسط الجسد نفسه، وتعرف بالاسم الآرامي Tallit لأن زحام البشر حول الرب، يجعل من المستحيل أن تنحني امرأة وتلمس هدب الثوب، ولذلك، الأصح، أنها لمست غطاء الرأس.

التعليقات

2 تعليقان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة