كيرلس شهيد الوطن

من المنفى (المهجر) أُتابع أخبار الوطن بقلبٍ موجوع على الجيل الصاعد الممزق، وعلى رئيس الجمهورية الذي يأسرك صدقه وإخلاصه في كل ما يقول. لكن يبدو أن تمزيق مصر من داخل مصر، وبأيدٍ مصرية، محاولة لن تقف عند حدود اغتيال رجال الشرطة والقوات المسلحة، وإشعال النار في المرافق العامة مثل القطارات، وتهديد الحياة بالقنابل، وسلسلة جرائم لا تقف عند حد.

قُتل رجال القوات المسلحة في سيناء وفي الفرافرة، كما قُتل رجال الشرطة أيضاً، ولم يكن غريباً أن تظهر أسماء مصريين مسيحيين ضمن الذين امتدت إليهم يد الغدر والعدوان. وهنا انطلقت ألسنة شياطين تمزيق الوطن تقول إن المسيحيين ليسوا بشهداء. ولم أتعجب، فللشيطان مفرداته وأدلته. على أن ما يجب أن ننتبه إليه جميعاً، أن الإسلام أو المسيحية، لم يكن أحدهما هو سبب الغدر برجال القوات المسلحة أو الشرطة. فالذي اغتال محمد مبروك هو الذي اغتال كيرلس. صحيح أن الدين كان ستاراً، ولكن الدافع السياسي من القتل ليس هو الإسلام، ولا هي المسيحية، بل إقامة نظام حكم ظن الغادرون أنه النظام الإلهي، وهم ضحايا الوهم والأحقاد، بل تدفعهم المصلحة الشخصية التي لها الولاء الأول قبل أي شيء آخر.

والذين يجهلون تاريخ المسيحية المصرية لا يعرفون أن عدداً من شهداء مصر كانوا في جيش الإمبراطورية الرومانية. خدموا الإمبراطورية بكل أمانة مثل موريس وأبسخيرون ومرقوريوس؛ لأن الولاء للوطن لم يكن يوماً معضلةً عند مسيحيي مصر لا منذ القدم، ولا عندما خرج إلى المنفى ستة مسيحيين ضمن عشرة مصريين مع سعد زغلول في العصر الحديث.

والذين حرروا سيناء، ودفعوا حياتهم من أجل مصر في حرب 1973 سواء كانوا مسيحيين مثل اللواء شفيق متري سدراك، أم مسلمين مثل اللواء إبراهيم الرفاعي، لم يكن لهم ولاءٌ مزدوج، يلعب عليه الشيطان، شيطان تمزيق مصر.

وبالتالي ليس هناك من هدف وراء هذا التمزيق الشرير إلَّا إبعاد المسيحيين المصريين عن المساهمة الفعالة في النضال من أجل مصر عن طريق احتقار تضحية هؤلاء.

لذلك، أضم صوتي إلى صوت الرئيس عبد الفتاح السيسي، رغم أن صوتي قد لا يصل بذات القوة، في المناداة بأن الإعلام يحتاج إلى المزيد من جرعات الوطنية؛ لأن ردود الذين تحدثوا -دون حصر للأسماء- رداً على دعوة تقسيم شهداء مصر كانت ردوداً دينيةً محضة.

لا مانع -بالطبع- من ذكر كل نصوص القرآن وآياته التي تعلن التسامح وقبول الآخر غير المسلم، ولكن المسألة الأعمق هي أن الإعلام يرقص أحياناً على طبول النغمات الدينية، فالرد الديني هو دخولٌ إلى ذات الفخ الذي نصبه الشيطان؛ لأن التراث الديني له أسبابه التاريخية التي لأجلها جاءت الآيات والسور، لكن التاريخ ممتد، ولا يقف عند حقبةٍ معينةٍ، وما قيل وكُتِبَ عن رفض دعوة الإسلام في ظروف تاريخية معينة منذ 1400 سنة، ليس هو الواقع الآن؛ لأن مدرعات الأمن والقوات المسلحة ليست مدرعات أبي جهل، ولا هي مدرعات القبائل التي تحارب رسول الإسلام، بل هي مدرعات مصر التي تحمي مصر، ومن هنا جاء شهداء مصر الذين استشهدوا لكي نحيا نحن في عزةٍ وكرامة دون تهديدٍ أو قمعٍ، أو تسلط.

قلبي وجلٌ على الجيل الصاعد الذي انقسم إلى شقين، شِقٍ منه تمرد على التراث الديني المسلم والمسيحي، وأصبح يرى فيه عائقاً للتقدم. والشق الآخر فقد اتصاله بالواقع فانصرف إلى أوهام الحقد ووجد في مغادرة العصر رجوعاً إلى الخلف، ضالته التي يعبِّر فيها عن الإحباط بالعنف، وعن العداء بالقتل، وعن الجهل بقيمة الحرية بالإرهاب.

لذا أتوجه إلى سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة خلق جبهة وطنية مصرية تجتمع فيها القوى السياسية المصرية من كافة الأحزاب التي تطرح برنامجاً واحداً وطنياً يعبِّر عن خارطة طريق وطنية تخوض من خلالها الانتخابات البرلمانية القادمة، لكي يستطيع المصريون من خلالها هزيمة قوى الظلام، وتقف معك –كما تقول أنت- على قلب رجلٍ واحد من أجل مصر.

هذا نداءٌ أرجو أن يصل مع كل نداءٍ آخر إلى قلبكم الكبير.

دكتور
جورج حبيب بباوي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة