الأرشيف
أكتوبر 2017
د ن ث ع خ ج س
« سبتمبر    
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  
المدونة القديمة (رابط مؤقت)

حوارٌ موجز عن الثالوث – 6

د. جورج حبيب بباوي

(4 صوت، المتوسط: 5.00 من 5)

سامي: لا زلت أشعر بالحيرة كلما فكرت في أن الواحد هو أيضاً ثلاثة.

جورج: هل تعرف السبب؟

أنت لا تشعر بالحيرة لأن لك أعضاء كثيرة في جسدك وشعورك بأنك حي لا يجعل تعدد الأعضاء يفقدك الشعور بأنك واحد.

سامي: هذا صحيح، ولكنك أنت تصف الكائن الحي الواحد المتعدد الأعضاء، ولكن عندما أجد نفسي في مواجهة مع الله المثلث، أجد حيرة لأنني مع مَن من الثلاثة أتكلم؟

جورج: عندما تشرب، فأنت تشرب ولا تفكر إلَّا في الارتواء. وعندما تسير فأنت تسير إلَّا إذا تعبت، عند ذلك تفكر في رجليك. أعني أن العمل والفعل الواحد الذي تقوم به أعضاء الجسد المتنوعة لا يجعلك تفكر بأن فمك هو الذي يشرب، أو أن رجليك هي التي تسير. هكذا عندما نشترك في حياة الثالوث، فهي حياة واحدة. أيٌّ من الأقانيم حالٌّ فيه حلولاً كاملاً الأقنومين الآخرين. هكذا سلَّمنا الرب يسوع نفسه هذه الحقيقة. الثالوث هو حلول كل أقنوم في الآخر، ولذلك عندما تصلي، أو تطلب سكنى الروح القدس حسب صلاة الكنيسة: “أيها الملك السمائي المعزي روح الحق الحاضر في كل مكان .. هلم تفضل وحل فينا”، فإن حلول الروح القدس هو حلولٌ للآب والابن؛ لأن الثالوث لا ينفصل ولا ينقسم.

سامي: أين تعلمت هذا؟

جورج: من حياة الرب يسوع المسيح نفسه، ومن صلاته للآب في (يوحنا 17) وغيرها، لكن الدرس الحقيقي المستعلن في يسوع هو المحبة الثالوثية التي لا تنقسم. فحيثما يعمل الابن يعمل الآب في الابن، وحيثما يعمل الروح يعمل الابن والآب أيضاً.

مررت أنا نفسي في بداية الإيمان بنفس الحيرة، ولكن عندما أدركت أن للثالوث حياة واحدة توقَّفت هذه الحيرة وزاد اهتمامي بالحلول الأبدي الذي عبَّر عنه إنجيل يوحنا بأن الابن “الذي في حضن الآب” جاء وأعلن لنا الآب.

سامي: إذن أنت تقول إنه إذا كنت أصلي للآب، فأنا أصلي للابن، أو أصلي للابن أصلي للروح والآب أيضاً؟

جورج: نعم بكل يقين. هذه ليست فقط مسألة إيمانية بالواحد المثلث الأقانيم، بل هي من واقع استعلان التدبير الخاص بالخلاص. الآب أرسل الابن (يوحنا 3 : 16). وهو بذلك لم ينفصل عن الآب. فِعل “أرسل” يدل على الإرادة، وهي إرادة المحبة: “هكذا أحب الله العالم”، والابن طلب من الآب أن يرسل الروح القدس باسمه، اي في أو بواسطة شخصه، وسبق للابن أن مُسِحَ بالروح القدس عندما تجسد، ونال المعمودية، ومُسح لأجلنا لكي ننال نفس الروح الذي مُسح به يسوع. وإرسال الروح معناه تخصيص الإرادة الإلهية لعطية المحبة الإلهية (رو 5 : 5)، إذن نحن أمام حركة محبة الله نحونا، وهي حركة واحدة لحياة واحدة.

سامي: أنا لم أسمع من قبل عن “حركة”، فكيف يتحرك الله وهو الأبدي غير المتحرك؟

جورج: إنها ليست حركة انتقال من مكان لآخر؛ لأن هذا خاص بالأجساد وبالمخلوقات، ولكنها حركة حياة مثل دقات القلب في جسم الإنسان، أو مثل الدورة الدموية في جسم الإنسان. هي حركة داخلية.

سامي: إذن نزل من السماء هي …؟

جورج: هي حركة تنازل من المستوى السمائي إلى المستوى الإنساني.

سامي: كيف كانت هذه حركة داخلية -كما ذكرت أنت- وصارت معلَنة؟

جورج: هي عطاء الآب لنا في محبته، إذ أعطانا حياة ابنه، هذه هي حركة المحبة الإلهية، وصارت معلَنة لنا بالتجسد. الله متحرك دائماً حركة داخلية.

سامي: إذن، ما هي أهم حركات المحبة الثالوثية؟

جورج: هي العطاء الغير المشروط، وهي مستعلَنة في تنازل الابن وتجسده وصلبه وموته وقيامته، ثم تنازل الروح القدس لكي يسكن في قلوب البشر إلى الأبد.

سامي: هذا بدوره جديد بالنسبة لي، ولكن ما هو تنازل الآب؟

جورج: الآب في محبته غير المشروطة الباذلة أعطانا حياة ابنه، وهو كما يسميه الرسول بولس “ابن محبته”، فقد قدَّم لنا حياة الابن تقدمة غير مشروطة.

سامي: إذن الآب لم يضحِّي؟

جورج: التضحية خاصة بالثلاثة: عندما قدَّم الآبُ الابنَ، فقد قدَّم أيضاً ذاته في الابن، وفي الابن بالذات لكي ننال نحن أعظم عطية، وهي التبني؛ لأن المحبة الإلهية محبة هادفة وليست عمياء. عندما يعطي الآب الابن لنا، فهو لا يعطي آخر منفصلاً عنه، بل الذي “في حضنه”، وفي صلاة القسمة في كنيستنا نقول: “الذي في حضنه الأبوي كل حين” هذه هي تقوى الأرثوذكسية.

سامي: إذن ملخص لأهم ما قيل: الثالوث ضروري لفهم محبة الله.

جورج: جيد جداً.

سامي: الثالوث هو أساس فهمنا لحياة الشركة ولنوال الخلاص.

جورج: ممتاز.

سامي: الثالوث هو أقانيم، أي كل أقنوم هو “تعيين” في الذات الإلهية، وكل أقنوم يعطي لنا عطية خاصة من كيانه.

جورج: يجب أن أضيف هنا يعطي لنا عطية خاصة تميِّزه كاقنوم مثل البنوة من الابن، والتقديس من الروح القدس.

سامي: لم تذكر التقديس من الروح القدس. ما هو؟

جورج: هذه الكلمة نالت أسوأ تفسير لأنها ليست الحياة بلا “خطية”، بل هي الحياة الفريدة الخاصة المتمايزة. الروح يعيد لنا الخصوصية التي فقدناها بالخطية، والله قدوس يعني أنه فريد لا مثيل له، وقدوس يعني لا يستمد خصوصيته من آخر. وعندما نتقدس، نأخذ خصوصيتنا الجديدة المفتداة من الله بالروح القدس لنكون قديسين.

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

ملحوظة:
إذا أردت صورة رمزية تصاحب جميع تعليقاتك، عليك التسجيل في موقع Gravatar

تعليق واحد على ” حوارٌ موجز عن الثالوث – 6 “

  • 1
    Theophilis says:

    كلام جميل و عميق، مفعم بتعليم الانجيل و فكر الآباء، و لا يقل في عمقه عن حوار حول الثالوث للقديس كيرلس الكبير. دمتَ يا أستاذنا الفاضل د.جورج مصباحا منيرا في سماء الارثوذكسية .

اترك تعليقاً

twitterfacebookrss feed

ما هو الأمر الذي يجب أن يحتل الأولوية من وجهة نظرك في إهتمامات البابا ال118

شاهد النتائج

Loading ... Loading ...


المسيحية الأرثوذكسية

Orthodoxwiki