التسليم الكنسي – 5

خدمة الثالوث القدوس وخدمتنا مع القوات السماوية

“نحن نخدم الثالوث؛ لأن الثالوث يخدمنا”. هذا هو ملخص كل ما يمكن أن يقال عن “الخدمة الإلهية”، وهو الإسم القديم الذي حل محله اسم “القداس”.

“خدمة الثالوث لنا هي خدمة دائمة أبدية. في هذا الزمان: الإستنارة بالمعرفة الصحيحة بسبب الجهل الذي فينا – التقديس، وهو إعادتنا وتجديدنا بالروح القدس إلى صورة مجد المسيح.

ظَلَّت كلمات الخدمة الإلهية حيَّةً في قلبي تبحث عن معنى: “الذي ثبَّت قيام خورس الذين بلا جسد في البشر. الذي أعطى الذين على الأرض تسبيح السارافيم. اقبل منا نحن أيضاً أصواتنا مع غير المرئيين. احسبنا مع القوات السمائية .. يرسلون تسبحة الخلاص والغلبة الذي لنا بصوتٍ ممتلئ مجداً يسبحون .. قدوس. قدوس. قدوس”.

وكان علي أن أنتظر المناسبة، وهي لا تتأخر، بل تأتي في موعدها. عندما تغيَّبتُ عن عشية ونصف الليل وباكر والقداس، بسبب التهاب اللوزتين. وطبعاً سأل عني أبي، وأرسل لي أحد الأخوة يطلب حضوري إلى الكنيسة، وذهبت. وقال لي: “أنت عيان؟ خسارة ضاع عليك خدمتك للثالوث مع القوات السمائية”. ونظرت إليه في حيرة، وكأنه سمع ذلك الصوت الخفي: كيف؟ فردد عبارات القداس الغريغوري السابقة، وقال: “إن خورس الذين بلا جسد ليس النساك والآباء، بل القوات الملائكية التي تحرس المؤمنين، بل كما قال رسول رب المجد: “لكي يكون هو متقدِّماً في كل شيء، لأنه فيه سُرَّ أن يحل كل الملء، وأن يصالح به الكل لذاته صانعاً الصلح بدم صليبه وبواسطة الصليب كل الذين على الأرض، أو كل الذين في السموات”. ولم يكتفِ الرسول بهذا، بل أضاف من أجل تعزية أبدية لنا: “وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين (عن العهد مع ابراهيم) وأعداء في الفكر (الذي يلد الأعمال الشريرة) قد صالحكم أنتم الآن في جسد انسانيته بالموت ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه ..” (كو 1: 19-20).

“لقد تمَّت مصالحتنا مع السمائيين، ووحَّدنا الرب بهم، وفتح الرب لنا طريق الفردوس، إذ دخل معه اللص، وأعطانا شجرة الحياة، ولذلك نحن نقول بعد التناول: “نشكرك يا أبانا القدوس خالق الكل ورازق الجميع الذي أعطانا هذا الطعام المقدس غير المائت السري. الذي فَتَحَ لنا طريق الدخول إلى الحياة، الذي أرانا طريق الصعود إلى السموات .. لكي إذ نحيا بك .. نتغذى بك..”. وفي ترتيب وتسليم الكنيسة، نعود إلى هذا الترتيب يوم السبت الكبير؛ لأنه يوم ظهور شجرة الحياة: “أتيت يا سيدنا وأنقذتنا بمعرفة صليبك الحقيقية (هزيمة الجحيم) وأنعمت لنا بشجرة الحياة التي هي جسدك الإلهي ودمك الحقيقي (قسمة سبت الفرح)”.

“طعام الخلود والقيامة هو جسد الرب ودمه؛ لذلك كان أبي يأكل كل يوم من هذه الشجرة. وتوصَف باسم شجرة الحياة؛ لأن الشجرة دائماً تثمر، وقوتها في الصلب والقيامة، لأن الصلب والقيامة هما معاً قوة الحياة الواحدة للكلمة الله المتجسد”.

هكذا انفتح طريقٌ آخر قديم جداً، هو “الطريق”، اسم من أسماء الرب يسوع، وهو بدوره “موحِّد السماء والأرض” تحت سيادته، أو رأسه الواحد، أي ربنا يسوع المسيح (أفسس 1: 10). هكذا يجب أن نفهم: “السلام للكنيسة بيت الملائكة”، فهو ليس البيت الحجري فقط، بل نحن أيضاً” (عب 3: 6).

لقد جاء الرب “ونزل من السماء”؛ لكي يوحِّد السماء والأرض، وسبى الجحيم، وفي كل مرة نصلي قداساً ونرتِّل: “نزل إلى الجحيم من قِبل الصليب”، فإننا ندخل ليس المصالحة فقط، بل أيضاً وحدتنا مع السمائيين، ولذلك نرتل: “تسبحة الغلبة والخلاص”.

كان الشيوخ يعلموننا أن نرشم الصليب عندما نشعر بمشكلة، أو مضايقات، أو خوف، أو تردد، أو فزع، وهو التسليم الكنسي الذي دوَّنه أثناسيوس الرسولي في سيرة الأنبا أنطونيوس. وعندما حَرِصَ أبي على أن أقرأ سيرة أنبا أنطونيوس عدة مرات، لا لكي “أبحث عن فكر”، بل لكي “أتعلَّم الممارسة”، قال لي في حزمٍ وبإصرار: “نحن نرشم أنفسنا عند كلمات التقديس: قدوس. قدوس. قدوس؛ لأننا نخدم مع القوات السمائية الثالوث القدوس الذي خدم لنا الخلاص بتجسد الابن وموته المحيي وقيامته المجيدة”، وأشار إلى أحد شيوخ دير الأنبا صموئيل، لم أتقابل معه، ولم يذكر اسمه، كان يردد دائماً: إن رشم الصليب هو “الغطس في الرحمة والمحبة الإلهية”؛ لأننا سوف نقف على يمين العظمة الإلهية بقوة الروح القدس في اليوم الأخير، ونقف كلما رشمنا الصليب”.

وقال لي أبي: “أغطس بقوة الصليب لكي تخدم مع القوات السمائية بالصلاة والتسبيح”.

خدمتنا مع القوات السمائية كاستمرار للخدمة الإلهية:

قال لي: “والخدمة هي في الشهادة، أي في الحياة حسب المسيح، وهي في خدمة المحتاجين والمرضى، وكل من له حاجة؛ لأن الرب يسوع خَدَمَ هؤلاء لكي يأتي بهم إلى خدمة المصالحة مع الآب، ولكي ينالوا نعمة الملكوت، ولذلك نحن نخدم”.

وقال أيضاً: “وخدمة الثالوث هي تعزية وتشجيع الأخوة والأخوات؛ لأن من يزرع كلمة الرب في أي قلب، يحصد هو أيضاً ثمرة منها عندما يراها تعمل، فيزداد إيمانه ومحبته للرب”.

يخالجني شعورٌ غريب يا أخوة، هو شعوري بأن ما أتذكره وأسجله الآن، كأنه حدث منذ ساعات قليلة. حقاً كما قال هو: “إن الكلمة التي ننطق بها، إن كانت كلمة حياة، فإنها تبقى؛ لأنها تنال قوة الحياة من مصدرها الحقيقي الذي قال: أنا هو الحياة”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة