التسليم الكنسي – 6

منهج الصلاة حسب تسليم الإبصاليات

دينٌ في عنقي، التسليم الكنسي لحياة الصلاة. طبعاً، كنت ولا زلت مبتدئاً، ولذلك لم يلقِ بي أبي في نهر الأجبية السريع الجريان، بل طلب مني في حزمٍ، أن أحفظ أوقات الصلاة: الثالثة – السادسة – التاسعة – الغروب، كمناسبات ليتورجية، دون ترديد المزامير والاكتفاء بالقطع فقط. كان حفظ المزامير إجبارياً في الإكليريكية. ولكن أبي قال: لا يوجد ضرر بالمرة، بل توجد بركة خاصة للقلب الذي يحفظ صلوات المزامير، ولكن المبتدئ لا يبدأ بالمزامير، بل بالإبصاليات. وقال بكل وضوح: “حفظ وصلاة الإبصاليات تزرعُكَ في بحر محبة الابن الوحيد”. يجب أن تتحد بالرب يسوع له المجد، وبعد ذلك سوف ندرس كيف تصلي المزامير.

الهدف الأول من الإبصاليات هو الالتصاق القلبي باسم الرب يسوع. وعندما ظهرت مذكرات سائح روسي لأبيه الروحي، تعريب الأستاذ يسى حنا، والناشر مكتبة مدارس أحد الجيزة. وكان القمص مكاري السرياني قدَّم هدية من الكتب لأبونا مينا، ولي أنا ايضاً..

وقرأتُ الكتابَ بلهفةٍ، ولكن أبونا مينا قال: إن هذه الممارسة جيدة، ولكن الشيوخ علَّمونا أن لا نردد كلمات ثابتة، وأن الثابت فقط هو اسم الرب يسوع، وأن نضيف نحن ما نحتاج إليه من كلمات؛ حتى لا يسقط المبتدئ في حفرة ترديد ميكانيكي بدون وعي.

والهدف الثاني هو أن الابصاليات تضع أمام المصلي يسوع المسيح رب الكون، وفي تنسيق رائع متقَن يدخل تدبير الخلاص في هذا الإطار الكوني.

يبقى أن نلقي نظرة شاملة على محتويات الإبصاليات، ولكن بدايةً، يجب أن ننتبه إلى:

أولاً: يجب مراعاة الترتيب الكنسي نفسه؛ لأن يوم الأحد، أي يوم قيامة الرب هو بداية الأسبوع. ولعل المصلي يكون قد لاحظ أنه في يوم القيامة فقط توجد إبصالية آدام لوالدة الإله؛ لأنها إبصالية تمجِّد تجسُّد رب المجد.

“الساكن في النور الذي لا يُدنى منه.

أظهر آياته وأرضعته اللبن”.

ثانياً: حسب الترتيب الكنسي، الآدام، ليس مجرد ذكرى طرد آدم من الفردوس، بل هو بداية التدبير.

إبصالية يوم الأحد:

لعلنا نلاحظ الصلة الشخصية في أول الإبصالية.

“طلبتُكَ من عمق قلبي

……

حِل عني رباطات الخطية”.

وبعد ذلك: “ظَلِّل عليَّ بظلِّ جناحيك”، ثم التأكيد على أن الرب يسوع هو خالق الكون:

“في ستة أيام صنعت كل الخليقة”.

……..

“لك الربوبية والسلطان”.

ليدخل التدبير في طلب الخلاص وفي السجود وطلب المغفرة، بل وقوف المصلي عارياً تماماً أمام الرب:

“جميع آثامي يا الله أمحها

أنت تعرف أفكاري وتفحص كُليتي”.

وطبعاً صلاة يسوع هي: يا ربي يسوع أعني.

وطلب البقاء في شركة الروح القدس:

“روحك القدوس لا تنزعه مني”.

ثم، طلب طريق الحق أي (العدل)، وهو طريق الملكوت الأبدي:

“ملكوتك يا إلهي

ملكوت أبدي”.

وباقي الإبصالية هو السهل الممتنع

“حلوٌّ هو نيرك، وحملك خفيف”.

وقد وُصِفَ النير بأنه حلوٌّ، وليس “هيِّنٌ” فقط؛ لأن النير يحمله اثنان معاً في وقت واحد: المصلي والرب يسوع معه.

أما خاتمة الإبصالية، فهي شركة الجماعة

“إذا ما اجتمعنا للصلاة، فلنبارك اسم ربي يسوع

لكي نسبحك مع أبيك الصالح والروح القدس؛ لأنك أتيت وخلصتنا”.

إبصالية الاثنين:

تسبيح كل الخليقة للرب يسوع

“ألوف ألوف وربوات ربوات

والتسبيح قوة:

“كل مَن يقول يا ربي يسوع

كمن بيده سيف يصرع العدو”.

الرب يسوع هو ملك الكون والكائن في كل مكان:

“لأنك بالحقيقة قد تعاليت جداً

في السموات وعلى الأرض”.

وحضور الله هو الذي يجعل اسم الرب في أفواه القديسين، فالحضور ضروري لأن الصلاة ليست حركة ميكانيكية:

“الله الكائن أمامهم واسمه القدوس في أفواههم كل حين”.

ويجب أن ننتبه بشدة إلى أن الصلاة ليست اغتراباً عن الإفخارستيا، بل إن ملك الكون، والكائن في كل مكان، هو الله عمانوئيل، الطعام الحقيقي، شجرة الحياة العديمة الموت، وهو ما يدعو إلى “الانتباه الروحي”:

“تجمَّعي فيَّ يا كل حواسي؛ لأُسبِّح وأمجد ربي يسوع”.

والحواس حسب اليوناني القبطي هي لأن اللوغوس وضع في كيان كل كائن حي القوة العاقلة التي تقود الكائن وتعطي له الإدراك لحياة الشركة، ولذلك، الانتباه يعني:

“فليكن اسم الرب فينا

ليضيء علينا في إنساننا الداخلي”.

لا بُد من فهم هذه العبارة بالذات بعبارة الأوشية:

“اسمك القدوس هو الذي نقوله، فلتحيا نفوسنا بروحك القدوس”.

هكذا يأتي مع اسم الرب، الاستنارة التي تحوِّل الكيان الإنساني، ولذلك:

“انت هو الإله الحقيقي الصانع العجائب”.

و”إذا تحرَّك ألمٌّ وحزنٌ على الماضي” (عبارة أبونا مينا)، فإننا نصلي:

“أيها الحمل الحقيقي الذي لله الآب

اصنع معنا رحمة في ملكوتك”.

لأن الآب شهد له، والقوات السماوية لا تقدر أن تنظر إليه في هذه الشركة السماوية:

“نحن ننظرك كل يوم على المذبح

ونتناول من جسدك ودمك الكريمين”.

اسم الرب يسوع وتدبير الخلاص:

لا يمكن مقارنة عطية الآب لنا، أي ربنا يسوع المسيح ذاته، بالشريعة:

فكل “بركات الناموس (الشريعة)

ليس فيها شيء يشبهك”.

(يا ليت الذين يضعون الرب يسوع تحت الشريعة يخجلون).

ثم لا تنفرد الصلاة بالتلاوة، بل تعود إلى مَثَل الحجر الكثير الثمن الذي باع الرجل التاجر كل ما له واشتراه. وفي انسحاق قلب يطلب المصلي:

“اترك لنا (أعطنا )

أيضاً هذا الحجر ليضيء علينا إنساننا الداخلي”.

وتدخل الإبصالية في أعماق التكوين الإنساني، وهو صورة الإنسان التي كوَّنها لنفسه بدون الرب يسوع إلى صورة الإنسان الجديدة التي تتكون في المسيح:

“زينة نفوسنا (تكوين النفس وجمالها)

وفرح قلوبنا هو اسمك القدوس

يا ربي يسوع” (بدون إضافات حسب الأصل).

ما هو المعنى الحقيقي، أو بالحري ما هو الهدف؟ لقد تزيَّن الكيان الإنساني بالمسحة، أي مسحة الميرون – مسحة الروح القدس، وصار اسم يسوع المسيح هو فرح القلب؛ لأننا مُسحنا في الرب، فصار كلُّ مَن مُسِحَ هو “مسيحي”، هو الصورة الجديدة غير الصورة الآدمية القديمة؛ لأنها “مأخوذة من الأزلي يسوع المسيح ونعمته الوافرة الغنية”، ولذلك لاحظ عزيزي القارئ دقة التعبير:

“تغيب الشمس والقمر في زمانهما

وأنت هو أنت وسنوك لن تفنى”.

لكن ذلك الأزلي:

“طأطأتَ السموات، ونزلتَ أيضاً”.

فصار بذلك:

“مثل طبيب حقيقي ومُشِفِ

داويت جميع أمراضنا”.

ويبقى أن نتطلع إلى الملكوت، وهو غنى ورحمة وعطية الله لنا:

“أبتهل إليك يا ربي يسوع

أن ترحمني في ملكوتك”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة