قراءة هادئة في أوراق الأزمة (الحلقة الأولى)

أعرف صديقاً من الخدام الروحيين يكاد أن يفقد عقله هذه الأيام، والسبب هو أنه لم يتمكن من استيعاب ما حدث وما يحدث داخل الجو الكنسي، معارك حقيقية لا غش فيها ولا ادعاء، وروح الكراهية والبغضة يرفرف على الكنيسة، وشيطان الانتقام يجول سعيداً مبتهجاً ويبدو وكأنه السائد، وصديقي الحزين يزداد حزناً يوماً بعد يوم، ولسان حاله لا يعرف سوى السؤال عما يحدث؟ وكيف حدث؟ ولماذا يحدث؟؟

وقد انتقلت المعركة بين داخل الكنيسة إلى خارجها، ووجدت في وسائل الإعلام ميداناً رحباً، وبدلاً من أن تكون وسائل الإعلام طريقاً للتنوير والتثقيف، وجدها الكثيرون من الأقباط موقعاً للشعور بالعار والخجل، وبات الكثيرون من الأقباط المستنيرين لا يصدقون أن ما يقرأونه في الصحف وما يرونه في البرامج التليفزيونية هي أمور تحدث في الكنيسة القبطية فعلاً، بل إن متابعة أصداء ما يحدث أصبح من الأمور الصعبة.

وفى وسط هذه الضوضاء لم يعد أحد يتذكر تتابع الأحداث أو يدرك المنطق من وراءها، فالعقول مشوشة من كثرة الأقاويل والادعاءات، والقلوب مضطربة بسبب الحزن، والأنفس لاهثة وراء الأخبار، لذا تعرضت القراءة السليمة لأوراق الأزمة إلى الضياع، ولكي لا نفقد الرؤية لا نحتاج سوى إلى الهدوء العقلي والسكون القلبي حتى نفهم ما حدث ونتعلم منه.

المقدمات والأسباب

لا أتفق مع الكثيرين من الأصدقاء الذين يرون أن المشكلة مجرد خلاف أو حتى صراع بين شخصين هما البابا شنودة الثالث والدكتور جورج حبيب بباوى،وأن الموضوع مجرد تصفية حسابات قديمة نتجت عن تصادم الشخصيتين خلال فترات سابقة. ولن أتفق معهما حتى لو عادا بالمشكلة خلفاً إلى بداية توتر العلاقة التاريخية بين الأب الروحي الأب متى المسكين وبين تلميذه الروحي – في ذلك الوقت – الراهب أنطونيوس، الذي صار فيما بعد أسقفاً للتعليم ثم تبوأ الكرسي المرقصى كخليفة للبابا الأنبا كيرلس السادس، وسأزداد تمسكاً برأيي ولن أتفق أيضاً معهم لو أدخلوا في تحليلاتهم الدور المشبوه الذي احترف الأنبا بيشوى الأسقف الدمياطي لعبه في مثل هذه الأزمات والمشاكل.

فالقضية بالنسبة لي أقدم من تاريخ رهبنة وكفاح الأب متى المسكين، وأعمق من المحتوى العلمي للتعليم اللاهوتي للبابا شنودة الثالث، ولن تحددها كتابات العالم المعروف الدكتور جورج حبيب بباوى مهما كانت جادة وجريئة فكاشفة، وأخيراً لم يكن لهذه الضوضاء أن تجد مجالاً بهذا الحجم بسبب حيل ومخططات الأسقف الدمياطي فقط.
نعم العوامل الأربعة السابقة صحيحة تماماً، ولكنها بالنسبة لي مجرد مجموعة عوامل تجمعت بالصدفة التاريخية، فى لحظة نادرة الحدوث، فكشفت عن حقيقة الأزمة التي كانت مستترة لا أكثر، وكان يمكن أن تظل موجودة ومستترة دون أن يشعر بها أحد، وسيساعدنا هذا المقال عن إدراك العلاقة بين جميع هذه الأمور.

نعم المشكلة في ظاهرها يمكن أن تتلخص في الصورة التالية: آراء وكتابات ومقالات يكتبها الأب متى المسكين ومعه مجموعة من النخبة الكنسية واللاهوتية، تحمل هذه التعاليم في طياتها رؤى وأفكار مختلفة عما تعودنا سماعه وقراءته من سنوات طويلة، ينسبها هو والفريق الذي يقف معه، بحسب مصادره الموثقة إلى الآباء الأولين، وبالتالي فهي كما يرونها الترجمة الحقيقية للتعاليم الأرثوذكسية النقية، بينما يراها فريق آخر يقف على رأسه البابا شنودة الثالث أنها إما مجرد أخطاء في إجتهادات فردية، وبالتالي بدع يجب إجتثاثها، أو أنها انحرافات نتجت عن تأثيرات عن قراءة كتب أجنبية، أو منقولات عن لاهوت غربي هرطوقى تنتمي غالباً إلى مدرسة النقد الكتابي الهدام، وتتدخل بعض العوامل الشخصية في الصراع بين الفريقين، وتنتهي بالأزمة الحالية التي نعايشها الآن، من بقيام الفريق الثاني الذي أتاحت له أحداث التاريخ أن يستولى على الكنيسة المؤسسة إلى توقيع أقصى صور العقوبات الكنسية ضد رموز الفريق الأول.

عودة للتاريخ:

ولكن الصورة الحقيقية تختلف عن هذا، ولها جذورها، وأولاً يجب أن نتأكد أن الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة غنية بتعاليمها، ولاهوتها الروحي متفرد ومتميز، يشبع الإنسان الفرد ويسدد احتياجاته، ويحمى الكنيسة الجماعة من أي خطر أو تهديد خارجي، وهو لاهوت لو وجد بنقائه لاختفت الانشقاقات وانتفت التحزبات، وقد عاشت كنيستنا القبطية منذ تأسيسها الأول ولمدة قرون عديدة على هذا اللاهوت، ومنه انطلقت إلى العالم أجمع، بل وقادت العالم المسيحي في لحظات كثيرة من التاريخ، وهو واقع يصعب على ذهننا الحالي أن نتخيله، لاتساع الفجوة بين واقعنا المتردي حالياً وبين تاريخنا القديم.

وعلى مر السنوات والعصور غابت غالبية التعاليم الأرثوذكسية الأصيلة والكنوز الآبائية الروحية عن مجتمعنا الكنسي، وكان السبب الرئيسي وراء ذلك هو دخول الإسلام مصر، وفتح عمرو بن العاص لبلادنا، ومن يومها شعرت الكنيسة بالخوف من الاندثار والذوبان في الحضارة والديانة القادمة مع الفاتح العربي، وبالتالي تقلصت جميع المشروعات الروحية والتعليمية وتبلورت في قضية واحدة هي الإبقاء على الإيمان موجوداً في أرض مصر، وهكذا عانى الخطاب الشفاهى المنقول من الانفصال الواقعي عن روح الآباء وتعاليمهم.

ومع اختفاء اللغتين القبطية واليونانية، ومع سيادة اللغة العربية، غابت الكتابات الأساسية التي تحمل التراث الأرثوذكسي عن الشعب وبعدها عن القادة على السواء، وهكذا اختلف الخطاب المكتوب والمسجل على الورق عن الأصول اللاهوتية العميقة التي صارت غريبة في أرضها، ومجهولة بن أبنائها.

والأخطر أن الخطاب الكنسي واللاهوتي خلال هذه الفترة الطويلة تاريخياً قد تأثر جداً بعاملين أساسيين: الأول هو التراث الفقهي الإسلامي الذي ساد بسبب التغيرات والظروف السياسية المحيطة، أما العامل الثاني فهو نمو لاهوت نسكى قوى وتقليد رهباني مؤثر، تعدى في نموه أسوار الدير، وامتزج بالحياة الكنسية العلمانية.

ومع النهضة الحديثة للكنيسة القبطية مع مطلع القرن التاسع عشر، كان لا بد لقادة هذه النهضة من توفير منظومة تعاليم تشبع الفرد وتغنى الكنيسة، ولم يكن لهؤلاء الرياديين العظماء إلا أن يضطروا إلى الاستعانة بمدارس ومنظومات لاهوتية تعليمية دخيلة مستوردة من الغرب غالباً، حيث لم تتح لهم الفرصة للتعرف على الميراث الضائع (أو المختفي)، وكانت ضالتهم في اللاهوت المدرسي، وهكذا تكون التعليم القبطي خلال هذا العصر من روافد ثلاثة: المدرسة الغربية اللاهوتية في التفكير والتعليم، والفقه الإسلامي بمحدداته اللغوية، والتراث النسكى الرهبانى، وبالرغم من أهمية الإشادة بهذا الجيل الأول الذي نقل الكنيسة بالكامل من ظلمات العصور الوسطي إلى أنوار العصر الحديث، إلا أننا لا نعترف أنه تمكن بالفعل من تفعيل دور الكنيسة القبطية لتعود إلى مواقعها القديمة المفقودة وسط كنائس العالم.

وبالتالي فإننا لا نعترف أن الوضع الذي أوصلنا إليه قادة الكنيسة في القرن التاسع عشر والنصف الثاني من القرن العشرين إليه هو الأفضل والمثالي، وربما أفضل تعبير يمكن أن نستخدمه هنا هو أن نقول أن ما أوصلنا إليه قادة الكنيسة الذين ظهروا في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين هي مجرد مرحلة انتقالية كان لا بد من عبورها، ولكن الوقوف عندها خطراً مثله مثل الردة عنها إلى الوراء. فقد كان لا بد من تجاوزها إلى الوصول لمرحلة النضج الآبائى الأصيل.

المشكلة الحالية:

ليس من التفكير الموضوعي إذاً أن نختصر المشكلة القائمة في تعليم البابا شنودة الثالث، وليس من العدل في الحكم أن نعتبر البابا شنودة هو وحده من انفصل تعليمياً ولاهوتياً عن فكر الآباء وعن اللاهوت الأرثوذكسي الأصيل، ولا بد أن نعترف أن التعليم عن التأله يختفي (Theoses ) ليس فقط من كتابات البابا شنودة الثالث، ولكن الكلمة والفكرة اللاهوتية التي تعبر عنها لا توجد بشكل عام في كتابات وتعاليم الغالبية العظمى من وعاظ الكنيسة ومعلميها وكتابها منذ قرون طويلة، ويمكن القول أن هذا التعليم الخاص بالتأله لم يكن معروفاً لهم، وبالتالي فاختفاءه لم يكن عن تجاهل مقصود أو رفض علمي (على إعتبار أنه خطأ وهرطقة أو بدعة) بل عن جهل تام، قد يصل هذا الجهل عند البعض أن يعتقدوا أن هذه المفاهيم والأفكار من البدع الغريبة عن حقيقة الإيمان.

ومن الأمور الأخرى والهامة هو أن نعرف أن الأزمة الحالية لا تدور فقط حول قضية التأله، وأن تعليم التأله لم يتفرد بهذا الوضع الغريب في الفكر واللاهوت القبطي الأرثوذكسي المعاصر، بل مثله في ذلك مثل الكثير من عناصر التعليم الروحي الأرثوذكسي واللاهوت الآبائى الأصيل، فمنذ الفتح العربي لمصر (منذ منتصف القرن السابع) غابت الكثير من التعاليم النقية، وحلت محلها عناصر بديلة، أما أنها مستقاة من الفقه الإسلامي أو من اللاهوت النسكى الرهبانى، فعلى سبيل المثال من يسمع عن السوبرونست، ومن يعلم عن التبني للآب، ومن يطرح في كتاباته التعليم عن الثيؤريا (Theoria) أو البراكسيا (Praxis)، الإجابة هي لا أحد.

ونحن نتكلم عن الغالبية من الوعاظ والمعلمين والكتاب وليس الجميع بلا استثناء، حيث أنه ظهرت محاولات وإن تكن فردية، ولكنها محاولات اتسمت بالنجاح والريادة في تقديم لاهوت الآباء للكنيسة المعاصرة، لا يمكننا أن ننكر أن الأب متى المسكين كان على رأس هذه القافلة من المعلمين والكتاب، وأنه قد فتح الطريق متسعاً وبالشكل الذي شجع الكثيرين غيره في الدخول إلى نفس الطريق الجديد، وجاء معه العالم اللاهوتى الدكتور جورج حبيب بباوى، ومن الأجيال التالية كانت هناك محاولات عديد قدمها الأب تادرس يعقوب ملطى، والقمص زكريا بطرس، وحتى تعاليم بعض الوعاظ والكتاب الذين اتهمتهم الكنيسة بالانحياز للفكر البروتستانتي مثل الكتابات الأولى للأب الراهب دانيال البراموسى، ومن يعيد مراجعة كتابات هؤلاء الوعاظ والكتاب سيجد أن غالبية الأفكار الواردة بها تعود إلى أصول آبائية قديمة موثقة المصدر والمرجع.

ومن الملاحظ أن جميع من حاولوا كشف الغبار عن التعاليم النقية إنما جاءوا منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ولنا أن تذكر أيضاً أن هناك خيط واحد يربط كل من حاول الكشف عن التعاليم الأرثوذكسية الأصيلة، فأنهم جميعاً قد رجعوا إلى أقوال الآباء الأولين بشكل علمي لم يكتفي بدراسة السير ولا بحفظ أقوال مأثورة ولكن بدراسة منهجية لمجموعة الكتابات، وأنهم جميعاً قد كرسوا وقتا وجهداً كي يتعرفوا على تراث متسع من التعاليم والكتابات الغير متوافرة باللغة العربية، وبعضهم رجع إلى الكتابات في اللغات الأصلية (غالباً اليونانية)، وبالطبع فجميعهم قد اصطدموا بشكل أو بآخر مع الكنيسة ومدرستها الحديثة في التعليم.

وعلى الجانب الآخر يجب أن نلاحظ أن جميع من عارضوا وهاجموا هذه المحاولات الرائعة للرجوع إلى فكر الكنيسة الأصلي وتعاليم آبائها النقي، أقول جميع المقاومين والمعارضين قاموا بجهدهم في هذا الشأن عن إخلاص وإيمان بأن ما يفعلونه هو الصواب بعينه، فالحقيقة أنهم في معاركهم قد دافعوا بإخلاص وصدق عما استلموه من تعاليم وتقاليد من الأجيال التي سبقتهم، ولأن الهوة بين هذه الأجيال الممتدة وبين عالم الآباء الأصيل كانت متسعة (نحن نتحدث عن فجوة وصلت إلى حوالي أربعة عشر قرناً من الزمان!!!)، فقد تأصل مع الزمن التعليم غير النقي، وتأكدت غربة الأصول، وتبدل التعليم بآخر بديل من حيث المحتوى والمصطلح على السواء، وإن كان زائفاً إلا أنه قد تمكن من التحلي بشعار التقليد في كنيسة تأسست على قوة التمسك بالتقليد!!

وما ساعد على تزايد المشكلة اشتعالا أننا نعيش حالياً في جو فكرى غريب يربط بين الفرد والفكر، ويمكن القول أننا نعيش فترة من تاريخ الكنيسة يتحول فيها “فكر الفرد” إلى “فرض الفكر”، وهى ظاهرة تحمل في جنباتها ملامح أزمة أخرى هي التوحد الحادث بين الفرد القائد (البابا غالباً) وبين المؤسسة والشعب (الكنيسة دائماً).

وقد ساعد هذا الوضع على اشتعال الكثير والكثير من الأزمات الفكرية واللاهوتية التي عاصرتها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خلال العقود الثلاث أو الأربعة الماضية، بل يمكننا ملاحظة أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ربما تكون هي الكنيسة المسيحية الوحيدة التي تعانى (كما يقول الخطاب الرسمي لها) من بدع وهرطقات معاصرة، بينما جميع الكنائس الأخرى تحيا في سلام، وتهتم بإعادة إحياء شعوبها بما يتناسب مع العصر الذي نعيش فيها

ومن العجيب أن عدد الهرطقات التي أعلنت عنها الكنيسة القبطية خلال الأربعين سنة الماضية يزيد عن عدد الهرطقات التي مرت بالكنيسة منذ تأسيسها، أي منذ ما يزيد عن ألفى عام، كما نلاحظ أن الغالبية العظمى من هذه الهرطقات التي أعلنت عنها الكنيسة القبطية، وحولتها إلى معارك شعبية هي هرطقات نابعة من داخل الكنيسة ذاتها، وأن الكنيسة لم تتنبه إلى أي هرطقة ظهرت في كنيسة أخرى، ربما الاستثناء الوحيد هو محاولة الكنيسة منذ سنوات قليلة أن تشغل شعبها بما عرف ببدعة رسامة الشواذ جنسياً.
وما تشير إليه هذه الملاحظة أن عمليات الإعلان عن البدع والهرطقات كانت غالباً معارك داخلية ذات أهمية خاصة للكنيسة كقيادة ومؤسسة حتى تشغل شعبها بقضايا خلافية يمكن لقيادة الكنسية أن تحولها إلى وسيلة فعالة تدعم التفاف الشعب حول أشخاص القيادات، ربما كمقابل للصراع السياسي العام الذي تمر به الكنيسة مع الدولة والإسلام السياسي.

هذه هي جذور الأزمة كما أراها، وسوف نستكمل الحديث في الحلقة التالية بمشيئة الله عن كيفية اشتعال الأزمة، وطرق الخروج منها

نقلاً عن موقع كنيسة العذراء بالزيتون

التعليقات

13 تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة