نحن والمسيح شركاء جسده الواحد، ولنا فيه حياةٌ واحدةٌ

على بوست نشره الأخ يسري عازر على الفيسبوك علَّق الأخ د. شنودة جرجس سعد على عبارة: “اتحاد اللاهوت بالإنسانية التي أخذها الرب من أم النور”، وهي عبارة أوردها الأخ يسري من مقال لنا منشور على موقع الدراسات القبطية والأرثوذكسية بمناسبة عيد الميلاد 2015، وحسب النص:

“حرية البنين لها أساس واحد وهو اتحاد اللاهوت بالإنسانية التي أخذها المخلِّص من أم النور القديسة مريم .. فتح لنا التجسد ينبوع الحياة الإلهية. فصرنا نأخذ منه في السرائر كل ما حدث في التدبير: الولادة من الروح القدس والماء (المعمودية) مسحة الروح القدس (الميرون) – إبادة الموت وعربون الحياة (الإفخارستيا) – شركة في ميراث الملكوت (الإفخارستيا)”.

وقد كتب الأخ د. شنودة تعليقاً على هذه العبارة فقال: “عندك خطأ لاهوتي كبير يا دكتور، وهو أن اللاهوت لم يتحد بالإنسانية، بل اللاهوت اتحد بطبيعة المسيح الناسوتية بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا استحالة وليس بالإنسانية.. هناك فرق كبير .. أيها الأخ العزيز”.

ونحن من جهتنا نتقدم بوافر الشكر للدكتور شنودة وأقول له: أولاً أشكرك على أنك تحذِّر من الخطأ الكبير، ثم تعود وتتكلم عن فرق كبير، دون أن تحدده. ولذلك، أريد منك أن أعرف ماذا تقصد بدقة؟ أنا لم أقل إن الرب اتحد بالإنسانية بشكلٍ عام، بل “بالإنسانية التي أخذها المخلص من أم النور القديسة مريم”، وهو ما درجنا على أن نقول عنه الناسوت. ولكن التمييز بين ناسوت الرب -وكلمة ناسوت كلمة سريانية الأصل تعني ما هو إنساني- وبين الطبيعة الإنسانية ينطوي على تعسف ليس له سبب واضح، وربما يكون لدى الدكتور شنودة سبب أو أسباب.

وطالما أنني اتُّهمت بخطأٍ كبير، فالاتهام هو خاصٌّ بالتعليم وليس بشخصي أنا. ورغم عدم تحديد الخطأ، وهو ما يُعد قصورٌ شديد الخطورة في مجال التعليم، حيث لا يجب أن يكتب إنسان عن إنسان آخر بأنه أخطأ دون أن يذكر ما نسبه إليه من خطأ. لكن لا بأس، فنحن نعيش عصر تفشِّي العموميات.

فهناك صديقٌ آخر كتب عن وجود تناقض صارخ، رغم أن التناقض هو أن تؤكد شيئاً، ثم تذكر عكسه. هذا أيضاً نتيجة أخذ الأمور بخفة.

لديَّ أسئلة هامة لك يا أخ شنودة، ولكل القراء والقارئات أيضاً:

أولاً: هل الكنيسة هي جسد المسيح الواحد، والرب هو رأس هذا الجسد؟

أليس هذا هو التعليم الرسولي المدوَّن في العهد الجديد (في 1كو 12 – 14 وأفسس 5)؟ أليس هذا اتحادٌ بالرب، أم ماذا؟ ألم يرد فعل الاتحاد في (رو 5: 5) في قول معلمنا الرسول بولس: “إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته”؟ وهنا يجب أن تنتبه إلى أن الفعل الخاص بالاتحاد هنا، خاصٌّ بالصلب والقيامة مع الرب بدليل ما ورد في نفس السياق (رو 5: 8): “فإن كنا قد متنا مع المسيح. نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه ..”، ثم “أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا” (رو 5: 11).

أليس هذا اتحادٌ بناسوت الرب، أو حسب تعبير الأخ الدكتور شنودة “طبيعة المسيح الناسوتية” فقط؟ أليس نحن جميعاً في آدم الذي فيه “ملك الموت” (رو 5: 17)، والذي فيه أيضاً “ملكت الخطية بالموت” (رو 5: 21): “في آدم يموت الجميع”، هذه حقيقة، ولكن جاءت حياة الابن، ولذلك يقول بولس في نفس السطر: “هكذا -كما مات الجميع- في المسيح سيُحيا الجميع” (1كو 15: 22).

هل هي مجرد استعارة أن يقول رسول الرب: “ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية. حاشا” (1كو 6: 15)؟ وبعد ذلك، ماذا يقول بولس؟ “أم لستم تعلمون أن كل من التصق بزانية هو جسد واحد .. وأما من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو 6: 16-17).

ولكن يجب أن نعلم أن المقارنة بين الزنى وإساءة استخدام أعضاء المسيح تنفي الاستعارة. لقد أباد تجسد الرب الابن الوحيد، الاستعارة والرموز وكل أباطيل حيل اللغات.

ثانياً: يا أخي الكريم. لقد عشنا في ظل عصر انفصال الإنسان عن الثالوث، وقدَّم الأنبا شنودة لنا نظرية الأجساد الثلاثة: جسد من القديسة مريم – وجسد الرب في الإفخارستيا – وجسد الرب الكنيسة([1]). هذه أعظم سقطات هذا العصر؛ لأن الرب واحد وجسده واحد. وجسده من العذراء هو الذي يحمله كل خادم للسر المجيد، ويقول في الاعتراف في القداس الذي أخذتُ منه بعض كلمات وتركت الباقي: “هذا هو الجسد المحيي … أخذه من سيدتنا كلنا والدة الاله … هذا هو بالحقيقة آمين”.

وأن يكون في وعينا أن جسد الرب من العذراء هو جسده في الإفخارستيا، فهذه أول خطوة، ولكن يجب أن تتبعها خطوة أخرى تذكرها كل القداسات الأرثوذكسية، وأساسها هو التعليم الرسولي:

– الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة جسد المسيح

– فإننا نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد؛ لأننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد (1كو 10: 15-17).

وبعد استدعاء الروح القدس، يقول الكاهن:

“اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا .. لكي نكون جسداً واحداً وروحاً واحداً ونجد نصيباً وميراثاً مع جميع القديسين”.

وهكذا تطلب الكنيسة أن تصير واحداً مع الرب، أي أن تكون جسده، وبالتالي لم يعد لدينا ثلاثة أجساد، بل جسدٌ واحد.

السؤال الحاسم: هل هذا الاتحاد هو اتحاد بيولوجي طبيعي، أي ضم أجساد إلى أجساد؟ أم أنه اتحادٌ إلهيٌّ حيث يوحِّدنا الرب الإله المتجسد بجسده؟

تاريخياً، وفي الغرب فقط، تجسد الرب؛ لأنه:

+ دفع ثمن خطايا البشر.

+ قدَّم ترضيةً لله الآب.

+ احتمل غضب الآب (وتمادى الأنبا شنودة الثالث، وكتب في كتابه أسبوع الآلام، 5 تأملات، أن الآب أشعل نار العدل الإلهي في الابن، وجعل الابن المتجسد مجرد رماد).

+ تحوَّل الجسد الذي أُخِذَ من العذراء إلى أداة أو وسيلة، لا ذِكر فيها لمحبة الابن للبشر، بينما “محب البشر” هو لقب الرب في كل قُدَّاسات الكنائس الأرثوذكسية.

التجسد هو استعلان الابن في الجسد، واستعلان الآب الذي أرسله، واستعلان الروح القدس الذي أرسله الآب عليه لكي يُرسل في يوم العنصرة.

ثالثاً: شرحاً لما ورد على لسان الرب يسوع: “أنا الكرمة وأنتم الأغصان”، يقول رسول الرب: “هو رأس الجسد الكنيسة؛ لأنه فيه (المسيح) سُرَّ أن يحل كل الملء” (كولوسي 1: 18). وعاد يكرر مؤكِّداً: “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كولوسي 2: 19). ثم، لماذا يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً، أي عندما تجسد؟ يجيب الرسول بولس في نفس الجملة: “وأنتم مملؤون فيه الذي هو رأس كل رياسة وسلطان”، وهذا هو ما ذكرته قبلاً من أن تجسد الرب فَتَحَ لنا “ينبوع الحياة الإلهية في السرائر”، وذكرتُ أسرار الانضمام إلى جسد الرب: المعمودية – الميرون – الإفخارستيا”. ويبقى السؤال: هل هذه السرائر هي اتحادٌ بناسوت الرب وحده؟ وما هو نوع الاتحاد إذا وُجِد؟ حتماً ليست هي اتحادٌ بناسوت الرب وحده؛ لأن الناسوت وحده حسب كلمات الرب: “لا يفيد شيئاً”. الأريوسية الجديدة هي التي جعلت من ربنا آلة وأنكرت أُلوهيته وهو مصلوب، وحوَّلته إلى رماد لإرضاء الآب، وقد جاءت بعدها النسطورية الجديدة لتقول أيضاً إننا نتناول جسد الرب ودمه فقط، وليس لنا شركة في أُلوهية الرب!!!

رابعاً: نحن هيكل الروح القدس (1كو 6: 19).

وحسب كلمات الرسول التي لا يمكن لأي مُراوغ أن يتملص منها، وأنا لا أتهمك بالمرة؛ لأن المراوغين يعرفون أنفسهم، ولكن عندما يقول الرسول: “جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي من الله وأنكم لستم لأنفسكم”، فهل يمكن لأي إنسان مستقيم الإيمان، أي أرثوذكسي أن يقول إن الذي فينا هو غير الروح القدس؟ ألم يقل الرب إنه سيأتي مع الآب ويقيم أو يصنع منزلاً (يوحنا 14: 23)، وأن الروح المعزِّي سيمكث معكم إلى الأبد .. أنتم تعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم” (يوحنا 14: 16-17)؟ فهل يجوز إلَّا لمكابر وجاحد للنعمة أن يقول إننا لم نأخذ الروح، بل مواهب الروح القدس فقط؟ هل صلاة المسيح في (يوحنا ص 17) هي كلامٌ في الهواء؟ أم أننا واحدٌ على مثال وحدة الثالوث (17: 20-21)؟ على أن هذه الوحدة ليست وحدة صناعية من إرادتنا، بل هي: “ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا” (17: 21). وأيضاً: “أنا فيهم وأنت فيَّ”، وهنا تصل النعمة إلى أقصى حدٍّ يمكن للإنسانية أن تناله: “ليكون فيهم الحب الذي احببتني به وأكون أنا فيهم” (17: 16).

خامساً: بولس مثالٌ حيٌّ للاتحاد.

رجاء المحبة المسيحية يا أخي، أن تدرس كتابنا: “الكنيسة جسد المسيح – المسيح والمسيحي وشركة الجسد الواحد – يناير 2014.

وأرجو أن تراجع عبارات هذا الرسول العظيم المتَّحد بالرب، الموجود في المسيح (فيلبي 3: 7-9)، ومحور التعليم الرسولي هو: “في المسيح”، و”مع المسيح”، و”واحد في المسيح”. نموت معه ونحيا معه (رو 6: 8)، مع (فيلبي 3: 10)؛ لأن الموت هو أن “تظهر حياة يسوع في جسدنا المائت” (2كو 4: 11)؛ لأن المسيح هو حياتنا (كولوسي 3: 4).

وبعد، ماذا يمكن أن نقول سوى أننا أمام اختيارين لا ثالث لهما:

الاختيار الأول أن نقبل هذا الاتحاد من الذي أعطانا الاتحاد؛ لأنه “أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له”، وبالذات، وحدته مع الآب، وجسده ودمه، والروح القدس العطية الأبدية.

الاختيار الثاني هو أن نقبل علاقة خارجية بلا شركة وبلا محبة؛ (لأن المحبة توحِّد)، وبلا حياة أبدية من الثالوث.

إين إذن، الخطأ الكبير؟ ليتك تُفصح عنه.

لقد أعطاني البطريرك أغناطيوس هزيم لقب “المعترف”، ولكنني قلت له إنني لستُ مثل مكسيموس المعترف، قطعوا لساني ويدي (بواسطة بطريرك القسطنطينية) ومات في المنفى – كما سأموت أنا أيضاً في المنفى، وعلى الرغم من ذلك، نجد أن البعض من الذين ماتت ضمائرهم يقول: “إنني مطرود من الكنيسة”، وكأن هذا حكم شرف، وكأن الراعي الصالح يطرد أولاده ولا يبذل نفسه، وكأن الطرد بلا جريمة وبلا محاكمة هو أمرٌ نفتخر به!!!

عندما يموت الحس الإنساني، فإن التعليم المسيحي يتحول إلى سرابٍ لا يراه ميِّتُ الحسِّ، وللعجب العجاب، يصبح من يقف عند نهر الحياة، هو الضال والمطرود!!!

– عجبي لزمانٍ يقول فيه الميِّت للحي: أنت ميِّتٌ، وكيف يجيب الحيُّ مَن مات، وأصبح لا يسمع ولا يفهم إلَّا نفسه فقط.

مرةً أخرى أنا لا أقصدك يا أخ د. شنودة.

مع محبتي.

د. جورج حبيب بباوي


([1]) راجع في ذلك بالتفصيل كتابنا: الكنيسة جسد المسيح، المسيح والمسيحي وشركة الجسد الواحد، القاهرة، الطبعة الأولى يناير 2014، ص 149 وما بعدها. والكتاب منشور على موقع الدراسات القبطية والأرثوذكسية.

التعليقات

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة