الأسباب العشرة للقيامة المجيدة

resurrectionعندما أعلن الله الوصايا العشرة، ورسم الرسول بولس الحدود العشرة للمحبة (1كو 13: 1 – 7)، جعل الروحُ القدس معالم الحياة الجديدة الناهضة من أوجاع الموت (أع 2: 24) عشرةً، مُعلناً لنا أن ختم هذه الحياة هو في يسوع المسيح الرب الحي الواهب الحياة والقيامة.

أولاً: التجسُّد حقيقةٌ أبديةٌ

وُلِدَ كلمةُ الله الابن الوحيد بالجسد.
ألَّم وصُلِبَ بالجسد.
مات ودفن بالجسد.
قام جسده حياً إلى الأبد لا يسود عليه الموت (رو 6: 9).
بل غَلَبَ الموتَ.
صار تجسُّدُه أبدياً.

ثانياً: شركةٌ بلا انفصال

لأنه اتحد بالناسوت وحوَّله في كيانه الإلهي إلى جسدٍ حي، وجسدٍ محيي (صلاة الاعتراف). صار اتحاد اللاهوت بالناسوت اتحاداً أبدياً لكي يفتح بالقيامة باب الحياة؛ لأنه غلب الموت وداسه، فصار باكورة الراقدين مُعلناً إتحادنا الأبدي بالثالوث القدوس؛ لأن باب الحياة قد فتحه الرب. ليس حياةُ انفصال وعزلة، بل حياة شركة أبدية كانت عند الآب (1يوحنا 1: 2). وأُعلنت لنا كشركة أبدية بالقيامة.

ثالثاً: الزمان الجديد

كانت عبادة العهد القديم عبادةُ أعيادٍ ومواسم، وانتظار مواعيد الصلاة والتطهيرات. كان الزمان فاصلاً بين الله والإنسان؛ لأن دورة الأيام حددتها الشريعة القديمة التي كانت – حسب وصف الرسول بولس – “خدمة الموت” (2 كور 3: 7)، لكن جاءت “خدمة الحياة”، الحياة التي لا تموت، والتي لا زمان فيها؛ لأن “ملء اللاهوت يحل جسدياً” (راجع كولوسي 2: 9) لكي نمتلئ من الله (كولوسي 2: 10)، فأغلق التجسُّدُ باب الزمان والمواسم، ورَسَمَ تجسُّدُ رب المجد نهاية الزمان. ولذلك يقول الرسول: “لما جاء ملء الزمان” (غلا 4: 4)، أي عندما توقَّف الزمانُ عن أن يكون له دورٌ في استعلان النعمة؛ لأن “الحياةَ أُعلنت” (راجع 1يوحنا 1: 2)، الحياة التي لا تستطيع الأيام أن تقيِّدها. أغلق التجسد باب الزمان؛ لأن زمان الإتحاد أي الزمان الجديد قد بدأ باتحاد اللاهوت بالناسوت، لاهوت رب المجد بالإنسانية لكي يبدأ زمان الحياة، وهو الزمان الجديد حيث يقول يسوع الحي: “ها أنا معكم كل الأيام والى انقضاء الزمان القديم أي الدهر” (متى 28: 20). هو معنا لأنه حيٌ، ولأن الحياةَ المعلنة فيه لم تعد تُعلن حسب مواسم وأوقات بل حسب المحبة الفادية.

رابعاً: الكنيسة جسد المسيح الحي

نحن ننضم إلى جسدٍ واحدٍ، هو جسد المسيح المحيي (1كو 12: 13)، وهو انضمامٌ لا يأتي منَّا نحن، بل بالمعمودية المقدسة السِّر الأول الذي به نجتمع مثل اجتماع أعضاء الجسد الإنساني (1كو 12: 12) التي لا انفصال فيها، ولا يوجد بينها انشقاق. نحن ننضم إلى الجسد الواحد، يسوع المسيح الذي بسبب قيامته أعطى الكنيسة أن تكون جسده الحي، الذي ينال فيه وبه وبالروح القدس الحياة التي لا تموت، الحياة غالبة الموت أي قيامته المجيدة؛ لأن الموت يفصل ويبدِّد، والقيامة توحِّد وتجدِّد. الموتُ انحلالٌ زمانيٌ وفسادٌ، والقيامة حياةٌ ومجدٌ. الموتُ ظلمةٌ وسيادة الخطية، أمَّا القيامة فهي نور وحرية مجد أولاد الله (رو 8: 21)، لذلك لا تجمعنا بالرب الواحد قوة جسدانية زمانية محدودة، بل قوة الحياة التي تأتي من ملء اللاهوت الحال دائماً وأبدياً في جسده غالب الموت. وهو اجتماع الاتحاد، لا اجتماع عابر يغلبه الموت، ولذلك وصف الرسول الأموات حسب الجسد بأنهم “الراقدون بيسوع” (1 تسالونيكي 4: 14)؛ لأنه اجتماع الحياة الذي يوحِّد الفرقاء، حيث تسري قوة القيامة من الرب المحيي، روح يسوع الذي أقام يسوع من الموت، وهو ذات الروح المحيي الذي يقيم الأموات بالخطية (كولوسي 2: 12) لكي يسكن فيهم أحياءً بيسوع إلى الأبد. ولذلك، الكنيسةُ هي جسد المسيح الحي، ولكنها ليست جسد المسيح المحيي؛ لأن قوة الحياة هي في جسد يسوع الحي بالآب والذي له حياة في ذاته” (يوحنا 5: 26).

واجتماع أعضاء الجسد هو تعبير استخدمه الآباء من قبل، لا سيما القديس كيرلس السكندري؛ لأن التعبير “اجتماع” جاء من هبة الله الآب لنا، وهي اجتماع اللاهوت بالناسوت، اجتماع الاتحاد؛ لأن الكلمة “اجتماع” تؤكد اختلاف الطبيعة الإلهية عن الطبيعة الإنسانية وتؤكِّد أيضاً تنازُل وتواضع الابن الوحيد لكي “يسكن بيننا” (يوحنا 1: 14)، ولكي – بهذا الاجتماع – يصبح هو الرأس الذي “يجمع الذين في السماء والذين على الأرض” (أفسس 1: 22) مؤهِّلاً إيانا نحن البشر أن يكون لنا اجتماع أبدي في شركة الحياة الأبدية. كل هذا ثبُت بالقيامة؛ لأننا لا نتَّحد بجسدٍ ميِّتٍ، بل بمَن هو الحياة والقيامة. ونحن نتَّحدُ للحياة؛ لأن الحياة التي فينا من يسوع المسيح ربنا لا تموت (يوحنا 11: 26).

خامساً: المعمودية سر الانضمام للحي

لأننا ذكرنا المعمودية المقدسة “سر الحميم الجديد” والاغتسال الروحي الذي فيه تغتسل النفس والجسد معاً للحياة الجديدة، فقد أعطت القيامة للمعمودية المقدسة ثلاث قوى جديدة، كل قوة منهم لم تكن لدينا نحن البشر من قبل:

القوة الأولى:
الثبات في حياة خالدة لا موت فيها مستمدة من اتحادنا بالمسيح الذي قام لكي تعطي قيامته الثبات في حياة الخلود.

القوة الثانية:
تجلِّي الطبيعة الإنسانية بنور حياة الدهر الآتي، أي المجد الإلهي الذي في المسيح لكي نعاين الله الثالوث على النحو الذي ذكره الرب يسوع في (رؤ 3: 21)، أي أننا سوف نجلس على عرش الآب نفسه كما جلس هو نفسه على عرش أبيه، معلناً بذلك طبيعة وراثة ملكوت السموات؛ لأن المُلك الأبدي ليس لطبيعةٍ مهددةٍ بالموت، بل لطبيعةٍ خالدةٍ نالت خلود المسيح.

القوة الثالثة:
سلطان التبني (يوحنا 1: 12)، وهو سلطانٌ أبديٌ من سلطان الابن غالب الموت؛ لأن هذا السلطان كان مستحيلاً لمن هو بالطبيعة مخلوق، لكي يمنح كل مؤمن به بنوة لا مجال فيها لعبودية الطبيعة؛ لأن عبودية الكائن الحر (أي الإنسان) للخطية هي التي هدمت حريته، لكن الآن، أعاد المسيحُ إلينا – بالقيامة – حرية الحياة غير المقيدة بقيود، وإنما الحياة الحية بالمحبة. فالمحبة بلا قيامة ليست محبة كما أن القيامة بلا محبة ليست قيامة.

“نحن الآن أولاد الله”، هكذا قدَّم الإنجيلي عطية الحياة الجديدة، ولكن القيامة جاءت لكي تعلن لنا “ولم يظهر بعد ماذا سنكون، ولكن متى أُظهِر المسيح الرب سنكون مثله لأننا سوف نعاينه كما هو” (1يوحنا 3: 2).

سادساً: المسيح الكاهن والشفيع

يقول الرسول إن المسيحَ حيٌ، ولذلك فهو في كل حين يشفع فينا (عب 7: 25). ولماذا ربط الرسولُ شفاعة الرب بالقيامة؟
أولاً، لأن بالقيامة صار للرب كهنوتٌ لا يزول بالموت؛ لأن الموت أزال كهنوت العهد القديم (عب 7: 23 – 24)، لكن الآن صار يسوع هو “أمس واليوم وإلى الأبد” (عب 13: 8 )  حياً قام كراعٍ للخراف بدم العهد الأبدي (عب 13: 20).
وإذا أعدنا كلمة دم إلى معناها في العهد القديم، أي “الحياة”، يمكننا صياغة كلمات الرسول كالآتي: “بالحياة الأبدية كعهد”، أو “بحياةٍ هي العهد الأبدي”. هذه محاولة لترجمة أقوال الله بواسطة أقوال الله، فما هو كهنوت المسيح؟ وما هي شفاعته؟ ولماذا يستمد الكهنوت والشفاعة مكانتهما عند الآب من القيامة؟ الجواب هو في العودة إلى اكتشاف حقيقة وأبعاد عمل المسيح. فقد فعل هو كل شيء نحن نعجز عنه، فعل كل شيء بمحبة ونحن لم نكن نفكر أو نطلب هذه المحبة، بل هو أعلنها لنا.

كهنوت المسيح ليس فقط في الشفاعة أي الوساطة بين الله والبشر، بل هو أيضاً في خدمة الأسرار الكنسية التي هو كاهنها الوحيد، الذي يعطي هذه الأسرار بواسطة الخدام الذين يأخذون هذه الخدمة منه لا لكي يكونوا وسطاء، بل خداماً. وقد حفظت لنا الليتورجيات الأرثوذكسية مفردات “الخدمة” و”الخادم” مؤكِّدةً أن المسيح الحي هو الخادم الحقيقي للأسرار؛ لأن الأسرار هي حياة المسيح نفسه، وهي شركة في ملء نعمته (يوحنا 1: 16)، أي التحول العظيم والأخير للجنس البشري الذي نُقل من الموت للحياة الأبدية بالشركة في المسيح يسوع نفسه.

سابعاً: الاسم المحيي

في طقسنا القبطي وعلى مدار الأسبوع نجد تسبحةً لاسم ربنا يسوع تحت الاسم القبطي القديم “إبصالية”. هذه القطع السبعة هي خُلاصة الخبرة اللاهوتية النسكية حيث تؤكِّد لنا مصادر الرهبنة القبطية أن “صلاة يسوع” نشأت في الإسقيط، أو برية القديس مكاريوس. ما هي علاقة القيامة بالاسم؟ السؤال ضروري لأنه يكشف عمق الإيمان بالقيامة، والحضور الدائم للرأس في الكنيسة، جسده:

“ظلل عليِّ بظل جناحيك يا ربي يسوع أعنِّي.
……..
أنت تعرف أفكاري وتفحص كُليتي.
يا ربي يسوع أعنِّي” (إبصالية الأحد الثانية).

هذه عبارات مختارة من كثير يعبِّر عن الالتصاق الشخصي بيسوع الحي:

“حلوٌ هو نيرك وحِملُك خفيف، يا ربي يسوع أعني”.

هذه طلبة التلميذ الذي يتبع معلمه.

ثم يأتي دور الكاهن والشفيع حيث تجتمع الكنيسة لتبارك اسم الرب يسوع وتقول:

“لكي نسبحك مع أبيك الصالح والروح القدس؛ لأنك أتيت وخلصتنا”.

وفي إبصالية الاثنين نجد الله كائنٌ أمام الصديقين

“والله كائن أمامهم،
واسمه القدوس في أفواههم كل حين” (إبصالية الاثنين).

إنها الرؤية الروحية (الثاؤريا) التي تجعل الاسم يعبِّر عن خبرة الاتحاد، ومن ثمَّ تأتي الإفخارستيا:

“الله هو عمانوئيل،
الطعام الحقيقي،
شجرة الحياة العديمة الموت.

ولذلك السبب نفسه:

“تجمعي فيَّ يا كل حواسي
لأُسبِّح وأُمجِّد ربي يسوع
يسوع هو ربي.
يسوع هو إلهي
يسوع هو رجاء المسيحيين” (إبصالية الاثنين).

ونعمة الاستنارة التي تعطى في المعمودية تشرق فينا:

“فليكن اسم الرب فينا
ليضيء علينا في إنساننا الداخلي” (إبصالية الاثنين).

ومجد المسيح معلن في الليتورجيا

“يقوم حولك الشاروبيم والسارافيم
ولا يستطيعون أن ينظروك.
ونحن ننظرك كل يوم على المذبح
ونتناول من جسدك ودمك الكريمين” (المرجع السابق).

وهل توجد تعبيرات أقوى من هذه الكلمات الرقيقة:

“تغيب الشمس والقمر في زمانهما
وأنت هو أنت وسنوك لن تفنى” (إبصالية الاثنين).

لا يتسع المجال لعرض التعليم اللاهوتي في كل الإبصاليات، لكن نكتفي بالفقرة التالية من إبصالية الثلاثاء:

“تعال إلينا اليوم يا سيدنا المسيح
أضئ علينا بلاهوتك الفائق (العالي)”.

لأن الامتلاء من اللاهوت، هو الامتلاء من الحياة الجديدة عديمة الموت.

“أرسل لنا هذه النعمة العظيمة
التي لروحك القدوس المعزِّي”.

وعندما نرى كلمة الباركليت، أو المعزِّي، فالكلام هنا هو عن أقنوم الروح القدس، وهو ما يثبت أن الجدل الذي أثير عندنا منذ ما يزيد على ربع قرن كان نتيجة إهمال دراسة صلوات الكنيسة.

في بداية رحلتي الطويلة توقفت عند هذه الفقرة:

“اسمك القدوس يا ربي يسوع ..
هو يكون لهم طعامَ حياةٍ
تقتات به نفوسهم وأجسادهم” (إبصالية الثلاثاء).

ولأننا نجد أن الخبرة خاصة بالنُسَّاك والمتوحِّدين، وكان أب اعترافي هو القمص مينا المتوحد، فقد سألته إذا كان يرى أنه من الضروري أن أفهم هذه الكلمات. فقال بالحرف الواحد:

“إن فكر الجوع، والشعور بالجوع يأتي من الاهتمام الزائد بالجسد”. وشدَّد على تعبير “فكر الجوع”. وقال: “إن الإنسان الذي يمتلئ بالروح القدس ويعاين مجد المسيح، ينسى نفسه وجسده، وقد تمر عليه ساعات، وربما أيام وهو لا يدري، حتى تعيده رحمة الله ونعمته إلى حياته الأرضية، حتى يتعلم كيف يسلك بخشية وتواضع”.

ثم سألته عن معنى العبارة:

“هو يكون لهم ينبوع ماء حياة حلواً
في حناجرهم أكثر من العسل”.

فقال: “إن نعمة القيامة وتذوُّق حياة الدهر الآتي تُعطى لنا في الرب، أو في اسم الرب؛ لأن اسمه حي، أمَّا اسمُ أي خاطئ، فهو ميت (رؤ 3: 1). لذلك أُطلب هذا الاسم حتى ترتوي نفسك ولا تعطش لماءٍ يأتي من الأرض”.

هكذا نصلي للاسم الحي، للاسم الحي الذي هو نهر ماء الحياة:

“مجرى الماء هو مخلصنا ربنا يسوع المسيح
والملازمون له تحيا نفوسهم” (إبصالية الأربعاء)
………
لأن “المحبة التي تكلم من أجلها الرسول القديس

هي اسم الخلاص الذي لربنا يسوع المسيح”.

فالمحبة التي جعلت الجسد يقوم حياً معلناً لنا الحياة الأبدية.

ثامناً: الجسد المحيي والدم الكريم

القيامة والإفخارستيا حقيقة واحدة لا يمكن فصلها. وإن كان الفصل بينهما قد تم في لاهوت العصر الوسيط لأسباب فلسفية وحضارية، إلاَّ أننا نلاحظ أن الأداء اللاهوتي السكندري يبلغ أقصى قوته في القدَّاسات القبطية، لا سيما قداس القديس غريغوريوس، أو قداس الابن. فمنذ أول عبارة تقال حتى النهاية ترتفع الصلوات إلى مَن هو “كائنٌ في حضن الآب“، والذي عندما صَعِدَ “ملأت الكُلَ بلاهوتك“، والذي يوزِّع بنفسه الجسد والدم؛ لأن الخدمة هي “بصحبة وشركة مسيحك“، ولأن الصلاة – سواء كانت في قدَّاسات للآب، أو للابن – ما هي إلاَّ التماس للحياة غير المائتة التي “أشرقت للضالين“، ولنور القيامة الذي أشرق في أرض الأموات، ولذلك لا زال التقليد الكنسي القديم ظاهراً في إنجيل باكر، وهو دائماً إنجيل القيامة، أي بشارة الرب لنا بالحياة.

إذن، بدون القيامة لا توجد لدينا ذبيحة، ولذلك يسمي القديس غريغوريوس النـزينـزي الإفخارستيا بـ “ذبيحة القيامة”؛ لأنها عطية الحياة التي تفيض من ينبوع الحياة.

تاسعاً: الأعياد والتذكارات الحية

لو سألنا أنفسنا لماذا يقام القداس الإلهي في كل الأعياد السيدية وغيرها؟ لكان الجواب كالآتي:

إن المسيحَ، رأسُ الكنيسة يجمع تحت رأسه الواحد الذين في السماء والذين على الأرض (أفسس 1: 10)، وهو قد وزَّع حياته لكي يجمع الكل فيه أعضاءً حيةً، ليس فقط القديسين، بل والقوات السمائية أيضاً التي تشترك معنا في الصلاة، وإن كانت لا تشترك معنا في التناول من الذبيحة؛ لأنها هبة الآب لنا في ابنه يسوع المسيح.

إن اجتماع الرأس بالأعضاء هو “اجتماع إفخارستي”، وهو الحياة التي تسري في الكل. وعليما أن نلاحظ أن البخور يُقدَّم للرب، ولوالدة الإله القديسة مريم، ثم يوحنا المعمدان، ثم الآباء الرسل، والملائكة، والشعب، وهذه هي صورة أو أيقونة وليمة الحياة، حيث يجلس الملك والملكة عن اليمين، ثم باقي المدعوين. لذلك، فبسبب وليمة الحياة، أي جسد الرب القائم بقوة، والذي نقض أوجاع الموت (راجع أع 2: 24)، نحن ننضم إلى القديسين انطونيوس وأثناسيوس وباخوم وذهبي الفم ورئيس الملائكة ميخائيل وكل القوات السمائية، لكي نصير معاً تحت رأس واحد هو يسوع المسيح الذي يجمع كل في وليمة الحياة الإفخارستيا التي يوزع فيها الرب جسده ودمه على الكل.

عاشراً: وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي

لم نسمع ولم نقرأ إلاَّ القليل جداً عن الموت الروحي، رغم أهمية ذلك القصوى. وذلك لأننا لا نزال ندور في حلقة مفرغة، وهي حلقة الموت البيولوجي الذي نشترك فيه مع كل الكائنات الحية.

لكننا نموت مع المسيح في المعمودية، وندخل أسبوع الآلام إنطلاقاً من صلوات الجنَّاز العام الذي يقام في نهاية قداس أحد الشعانين، وهو الأمر يجعل قرار منع صلاة الجنَّاز عن البعض قراراً بلا قيمة بالمرة؛ لأننا نشهد “جنَّازنا” كل سنة، وبالتالي يصبح قرار منع الجنَّاز ليس إلاَّ حملة تشهير لها حساب عند الله.

ونحن ننتظر قيامة الأموات؛ لأننا قمنا “مع الرب، وفيه، وبه”.
“معه”؛ لأنه يعطي لنا هذه الشركة.
“وفيه”؛ لأن الطبيعة الإنسانية قامت فيه حسب كلمات التقوى الأرثوذكسية في صلاة القسمة:

“ونحن الجلوسُ في الظلمةِ زماناً، أنعم علينا بنور قيامته من قبل (بواسطة) تجسده الطاهر. فليضيء علينا نور معرفتك الحقيقية لنضئ بشكلك المحيي”.

“وبه”؛ لأنه هو حسب كلمات أوشية الإنجيل: “وأنت هو قيامتنا كلنا“.

ونحن نتلامس مع هذا الاستعلان العظيم في ثلاثة أشكال متنوعة:

أولاً: في الثبات في الإيمان رغم الضيقات والتجارب والمعاناة التي نمر بها. لأننا ننال ثباتاً في المسيح الحي لا يعود إلينا، بل إلى قوة الحياة التي تعمل فينا رغم الظروف التي تحيط بنا.

ثانياً: في الإيمان بانتصار المحبة المصلوبة التي يقاومها المجتمع ويحاربها بكل ما يملك من أسلحة تدمير وأسلحة إغراءات .. ومع ذلك يبقى الإنسان قادراً على محبة الأعداء والصفح.

ثالثاً: في الرجاء الذي لا يُغلب؛ لأن الإيمان يرى أبعد من كل أفاق الظلم والظلمة والقهر والاعتداء. آفاق الإيمان أرحب، وهي التي تعبِّر عنها الكنيسة في تحليل الآباء الكهنة: “أحكم للمظلومين“.

والله دائماً يتمهل، ولكنه له حساب غير حسابنا .. والانتظار أعظم؛ لأن حسب كلمات الرسول “الرجاء لا يُخزى” (رو 5: 5).

كل عام وأنتم بخير

د. جورج حبيب بباوي
عيد القيامة – إبريل 2007م

التعليقات

8 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة