هل يخلص “غير المسيحي”؟

المطران جورج خضر – جريدة النهار 22/يونيو – حزيران /2002

يقضي تواضع المعرفة ألاَّ يُنصِّب أحدٌ نفسه دياناً، فالله وحده يدين القلوب. غير أن الكثيرين يحسبون أنهم وكلاء على هذا السر العظيم، بدل أن يهتموا بخلاص أنفسهم هم. شرائح كثيرة تدَّعي أنها تعرف الفرقة الناجية والفرقة الهالكة. وهذا أخذ حيزاً من الفكر في غير ديانة. ولعل الضلالة الكبرى في الأوساط المسيحية مصدرها هذا القديس العظيم أوغسطينوس الذي قال: “خارج الكنيسة ليس مِن خلاص”. ولكن ما يشفع له أنه وضع هذه المقولة ضد هراطقةٍ ظهروا في إفريقيا في عصره، وكان حلمه أن يردهم إلى الإيمان القويم. والأصح من كلمته السلبية هذه أن نأتي بالتأكيد الإيجابي: “الخلاص هو في الكنيسة”، بمعنى أنه عطاء المسيح.
ما يشوِّش هذا البحث أن معظم المسيحيين الذين يطرحون هذا السؤال، يطرحونه على هذه الصورة: هل يصعد غير المسيحي إلى السماء؟ والسؤال الذي يرد عليهم هو ما السماء؟ في التصور الشعبي إن السماء هي فوق الفضاء، وتظهر بعد فناء العالم. ولكن ليس في كتبنا ما يؤكد أن هذا العالم يفنى، وأننا تالياً سنسكن حيزاً فوق الفضاء، إذ ليس بعده إلاَّ الفضاء. ليس الله واقعاً في المدى، وإذا صرت أنت معه فلا يحدك مدى. والله ليس فوق، ولا تحت، أي ليس في مكان. والقضية كلها نوعية وجود، وأن يكون وجهك القائم من بين الأموات أمام وجه الله الذي ليس له وجه مادي.

إلى هذا فالإسلام لا يستعمل كلمة سماء للتحدث عن حالة البشر بعد بعثهم، ولكنه يستخدم كلمة جنة، ومفهومها آخر، وهي حسية إلاَّ عند نفر قليل من المفسرين ولا سيما المتصوفة. وعلى المقلب الآخر، الهنود والصينيون لا يؤمنون بالسماء، واليهود ما آمنوا بها إلاَّ من بعد التلمود أي بعد المسيح بقرون. مبحث السماء إذن بات مبحثاً مسيحياً صرفاً. فالسؤال يصير إذاً: هل في سماء المسيحيين غير المسيحيين؟ جوابي الفوري إن إنجيل الدينونة لا يتكلم على المسيحيين، إذ يقول السيد: “كنت جائعاً فأطعمتموني … رثوا الملك المعد لكم قبل إنشاء العالم”. ولا يدور إطلاقاً فيه حديث عن المؤمنين أو غير المؤمنين. ولكنه يدور حول العمل الصالح.

غير أن ثمة في العهد الجديد حديثاً آخر عن الدينونة. والقول الفصل هنا هو هذا: “مَن أخطأ بدون الناموس (أي شريعة موسى) فبدون الناموس يهلك. وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان”. الأمم (أي الوثنيون) الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموسٌ لأنفسهم الذين يظهرون عمل الناموس مكتوباً في قلوبهم (رومية 2: 13 - 15). ومن المنطق أن ينقل هذا إلى الذين جاؤوا بعد المسيح، فيقال إن الذين تبعوه يدانون بإنجيله ومن لم يتبعوه يدانون حسب ضمائرهم.

يبقى طبعاً الكلام الشديد الوارد في مرقس: “مَن آمن واعتمد خلُص، ومن لم يؤمن يُدَن” (مر 16: 16). غير أن هذا الكلام على إطلاقه يجب أن يُفهم في إطار الجدل الذي قام بين السيد ويهود عصره الذين كان يُفترض فيهم أن يؤمنوا بالسيد انطلاقاً من كتبهم، وأبوا التسليم للحق الظاهر في يسوع الناصري. إلى ذلك يؤكد الكتاب أن “الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله” (رو 11: 17)، أو “كيف يؤمنون إن لم يُبَشَّروا”. فما من إيمان لم تسبقه بشارة. وما من مسئولية نكرانٍ لمسيحٍ بلا إخبارٍ عنه. والواقع في الماضي أن الكثيرين لم يبلغهم الإنجيل، وأن أربعة مليارات من الناس اليوم لم يسمع معظمهم بالمسيح. وغير صحيح أن هذه المليارات اقتنعت به ورفضته عمداً. ثم ما قوة المبشر وقدرته على الإقناع؟ وإذا كان اليقين من نعمة ربك ولم تنـزل – وهذا في سر الله وحده – فكيف تدان هذه الجحافل من البشر؟

إلى هذا مَن يقنعني أن ألوفاً مؤلفة من المدعوين مسيحيين هم أطهر من السيدة رابعة العدوية والحلاج أو المهاتما غاندي الذين دانوا بما دانوا به، وأن هؤلاء الأبرار الذين كانوا من خارج الكنيسة المنظورة معذَّبون في النار بما لم يخطئوا به؟ فالسؤال الأعمق هو مَن هو الإنسان العضو في الكنيسة؟ هل الكنيسة هي مجموعة المعمَّدين حصراً أم هي جسد المسيح، بمعنى امتداد جسد المسيح إلى حيث يريد أن يمتد؟ لقد قال القديس البيزنطي نيقولاوس كاباسيلاس: “مَن لم تعمده الكنيسة (بالماء) يعمده عريس الكنيسة (بلا ماء)”. التنظيم الكنسي يربط المسيحيين، ولكنه لا يقيد المسيح نفسه الذي يعمل بلا وسيلة محسوسةٍ.

إن اللغط الدائر حول موضوع الخلاص اعتقاد العامة أنه نيل السماء، والحقيقة أن الخلاص يكتسبه المرء نهائياً في الملكوت، ولكنه يبدأ هنا بمعرفة المسيح المخلِّص. إنه رؤية وحب ومراس. فإذا قلنا إن الخلاص بالمسيح لا نفكر أولاً بالذهاب إلى السماء، ولكن نفكر بالحياة في المسيح هنا. كل تأكيدات الكتاب أن يسوع يخلِّص البشر من خطاياهم، وأن هذا يتم بمعرفتهم الإنجيل. “لا أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي” (يو 14: 6). كذلك: “إن الله لم يجعلنا للغضب بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح” (1 تسالونيكي 5: 9).

المسيحيون يعتقدون بوضوح أن الكمال الروحي يقتنى بالمسيح، وأن ما أعلنه الله به هو إعلان نهائي عن الله، أي أنهم لا يرون المسيحية كشفاً مرحلياً عن الألوهة أو كشفاً قابلاً للنسخ أو الزيادة أو النقصان أو التنقيح. وفي هذا المنطق يذهبون إلى أن الكلمة الإلهية قائمة بين سفر التكوين وسفر الرؤيا بحيث أنهم يقيسون حقيقة كل كلام آخر على الكتاب الذي بين أيديهم. وهذا ورد عندهم صراحةً في مطلع الرسالة إلى العبرانيين: “الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواعٍ وطرقٍ كثيرةٍ كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عب 1: 1).

لذلك لا يرون أنفسهم مضطرين إلى أن يصدروا حكماً في ما يقال خارجاً عنهم. هذه هي المسيحية كما يراها أصحابها. غير أن هذا لا يحول دون تعظيمهم لكل حق وخير وجلال يقرأونه في الفكر الديني أو الفلسفي. وأما أن يقال إن الرسالة المسيحية نسبية وأن الأديان متساوية في العمق وفي الجوهر، فما من شك في أن هذا يناقض التراث المسيحي المعروف.

يبقى السؤال: هل يصعد أحد إلى السماء، هل يخلص نهائياً دون أن يمر بالمسيح؟ الجواب الأكيد في المنظور المسيحي أنه لا بد أن تمر به بطريقة ما. لقد قال المسيح: “أنا الطريق والحق والحياة”. هذا يوجب البشارة، فإنها أمر إلهي في العهد الجديد. ولكنا رأينا أن المسيح له أن ينقذ من يشاء بمعمودية وبغير معمودية. بتعبير آخر عمل المسيح يتم بالكنيسة لمن رآها وانضم إليها، وقد يتم بانعطاف المسيح على من يشاء. وفي هذا ليس يسوع في حاجة إلى الكنيسة – المؤسسة لينقذ من يشاء. أي أن هناك إمكاناً عنده أن يبث روحه ورؤيته ومحبته على الكائنات البشرية أكانت منتظمة في دين أم غير منتظمة.

في هذه القراءة قد تكون أنت للمسيح بعلمٍ منه، لا بعلمٍ منك وتكون، إذ ذاك، قد أتيت به إلى الآب. وهذا لا يعرفه إلاَّ الآب. ولكن لا تخلُص نفسك في اليوم الأخير ما لم ترَ الرؤية التي يكون المسيح قد سكبها في نفسك. وبتعبير أبسط تكون مسيحياً في السماء وغير مسيحي في الأرض.

هذا يلتقي ورأي القديس غريعوريوس النيصي إن الشر لا يمكن أن يثبُت أمام الله إلى الأبد، وإن الله سيزيل الجحيم. وهذا يلتقي والفكر الصريح عند القديس اسحق السرياني الذي صلَّى لخلاص الشيطان. إن الكنيسة لم تكفِّر هذين القديسين ولم ترفض رأيهما. هذا ليس عند المسيحيين عقيدةً، ولكنه موضوع رجاء. المسيحية لا تناقش الأديان الأخرى. تبحث في الأشخاص وتتمنى خلاصهم بالطريقة التي يعرفها الله وحده

34 Responses to “هل يخلص “غير المسيحي”؟”

  1. saji :

    ان قراءة هذا المقال مهم لخلاص المسيحيين انفسهم

  2. خادم الرب :

    أن السيد المسيح له المجد عندما دعانا لشركة الطبيعة الإلهية والحياة الأبدية أصبحنا ننظر لا إلى المسيح ونحمدة ونمجدة على عظيم الصنيع معنا بل أصبحنا ننظر إلى جيراننا بالملكوت، وهذا يذكرني بالفعلة أصحاب الساعة الحادية عشر الذين أخذوا نفس أجرة العمال الأولون الذين قضوا النهار في الحقل.
    أن الفعلة الأولين يشبهون الأخ الأكبر في مثل الأبن الضال، الذي تذمر على مساواته بأخيه الذي أخطأ وبدد أموال أبيه بينما هو ظل يخدم أبيه طول أيام حياته.
    بنعمة السيد المسيح نحن مدعويين للملكون فعلينا أن نشكره ولا ننظر لمن سيقاسمنا الملكوت لأنه هو صاحب الملكوت وليس لنا الحق في التذمر عليه أو أن نحرم فلان من دخول الملكوت أو أن نقر أن فئة معينة “مجتمعة” كلها خارج الملكوت لأنهم ليسوا أرثوذكس أو أنهم خمسينيين أو أنجيليين أو أو …إلخ
    يجب علينا أن نبقى في موقع البنوة ممتنين على عظيم نعمته علينا إذ نلنا التبني، فلا يجب أن ننصب أنفسنا مكان الديان كما يفعل بعض الأكليروس الآن إذ حددوا من الآن من يدخل أو يخرج من الملكوت.

    المقال رائع وغني وجميل وكما قال الأخ ساجي، مهم لخلاص المسيحيين أنفسهم.

  3. Bazianos :

    تعقيباً على ما جاء بمقال نيافة المطران المبجل جورج خضر:

    [ولعل الضلالة الكبرى في الأوساط المسيحية مصدرها هذا القديس العظيم أوغسطينوس الذي قال: “خارج الكنيسة ليس مِن خلاص”. ولكن ما يشفع له أنه وضع هذه المقولة ضد هراطقةٍ ظهروا في إفريقيا في عصره، وكان حلمه أن يردهم إلى الإيمان القويم. والأصح من كلمته السلبية هذه أن نأتي بالتأكيد الإيجابي: “الخلاص هو في الكنيسة”، بمعنى أنه عطاء المسيح.]

    لا أدري على أي أساس يبني صاحب النيافة نقده لمقولة القديس أوغسطين “خارج الكنيسة ليس من خلاص” معتبراً إياها الضلالة الكبرى في الأوساط المسيحية؟!! مؤكداً على سلبية عبارة أوغسطين مصححاً لها بأخرى أكثر إيجابية حسب رؤيته الخاصة: “الخلاص هو في الكنيسة”!!
    فالقديس أوغسطين لم يُخطئ التعبير في هذه المقولة ولم يكن تعبيره سلبياً بل اقتباساً لقول الرسول في سفر الأعمال: “وليس بأحد غيره الخلاص.لان ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص” (أع4: 12). فإن كانت الكنيسة هي جسد المسيح وأعضاءه لكنه يبقى دائماً هو الرأس؟ فهل من خلاص خارج الكنيسة؟ وبدون الخوض في تفاصيل التوبة والميلاد الثاني والشركة الفعلية في جسد المسيح ودمه كيف يتمكن أي إنسان من الحصول على وسائط النعمة وممارستها خارج إطار الكنيسة؟ فإن كان الخلاص هو في الكنيسة (أي داخلها وبها) كما تفضل نيافته وقال فلا خلاص إذن خارجها أو بدونها.

    [ما يشوِّش هذا البحث أن معظم المسيحيين الذين يطرحون هذا السؤال، يطرحونه على هذه الصورة: هل يصعد غير المسيحي إلى السماء؟ والسؤال الذي يرد عليهم هو ما السماء؟ في التصور الشعبي إن السماء هي فوق الفضاء، وتظهر بعد فناء العالم. ولكن ليس في كتبنا ما يؤكد أن هذا العالم يفنى]

    لا ينبغي أن يُلام المسيحي لاستخدامه تعبير السماء كمكان تواجد الله وسكناه الدائم فقد استخدمه المسيح في العديد من المواضع: “وليس احد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء” (يو3: 13). وقد علمنا المسيح أن نصلي قائلين: أبانا الذي في السموات … والرسول يؤكد على أن الله أقامنا وأجلسنا معه في السماويات: “وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع” (أف2: 6). وهناك العديد من الشواهد التي لا يتسع المجال لسردها تؤكد جميعها على أن الحياة الأخرى ستكون في السماء, وحتى وإن كانت عبارة السماء مجازية لكنها تعني بلا شك التواجد في حضرة الله والشركة معه, وكلنا يعلم أن الله غير محدود وهو موجود في كل مكان بالكون حتى الجحيم لا يخلو من وجوده.

    أما عن قول نيافته:

    [ولكن ليس في كتبنا ما يؤكد أن هذا العالم يفنى]

    إذن كيف نفهم قول الكتاب:
    “يوم الرب الذي فيه تزول السموات بضجيج وتنحل العناصر محترقة وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها” (2بط3: 10). فمعني “انحلال العناصر واحتراق الأرض والمصنوعات التي فيها” يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الأرض وما عليها بالتأكيد سيفنى ويزول وليس بالضرورة أن تنفجر الكرة الأرضية متناثرة هباء في الفضاء ولكن يعني بالتأكيد زوال وفناء كل مظاهر حياتنا وحضارتنا الحالية ويؤيد هذا النص الكتابي الصريح ما أورده الرائي يوحنا في سفر الرؤيا:

    “ثم رأيت سماء جديدة وأرضا جديدة لان السماء الأولى والأرض الأولى مضتا والبحر لا يوجد فيما بعد.”رؤ21: 1).

    ولما كان ليس كل كلام الكتاب يفسر حرفياً وإن اختلفت التفسيرات في معنى السماء الجديدة والأرض الجديدة, فإن هذا لا يعني بالضرورة خلق أرض جديدة أو سماء جديدة, فما الداعي لهما في ظل حياة غير مادية؟ فلن نحتاج وقتها إلى ماء وزرع أو مساكن مادية لأننا عندما نقوم سنلبس الجسد الممجد الذي قام به إلهنا من الأموات “وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضا صورة السماوي” (1كو15: 49).
    وهنا قد يكون الأمر رمزياً بمعني أن انتهاء العبادة الأرضية الحالية ودور الكنيسة الأرضية بكل ما فيها من طقس وممارسات لعدم الحاجة إليها بعد أن تحقق الهدف ولأن العبادة والتسبحة ستختلف فبلا شك ستكون هناك ترنيمة جديدة (تسبحة جديدة) تتلائم والكنيسة المنتصرة كما يخبرنا سفر الرؤيا: “وهم يترنمون ترنيمة جديدة” (رؤ5: 9).
    والكتاب يؤكد أن مدينتا العتيدة لن يكون فيها شمس ولا قمر ليضيئاها لأن المسيح نفسه سيكون سراجها: “والمدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها لان مجد الله قد أنارها والخروف سراجها” (رؤ21: 23).
    فلمن يبقى هذا العالم الحالي ولماذا؟؟

    [فالسؤال يصير إذاً: هل في سماء المسيحيين غير المسيحيين؟ جوابي الفوري إن إنجيل الدينونة لا يتكلم على المسيحيين، إذ يقول السيد: “كنت جائعاً فأطعمتموني … رثوا الملك المعد لكم قبل إنشاء العالم”. ولا يدور إطلاقاً فيه حديث عن المؤمنين أو غير المؤمنين. ولكنه يدور حول العمل الصالح.]

    غريب هذا التعليم الذي ينادي به نيافة المطران… كأنها دعوة صريحة لأن نتخلى عن إيماننا وننكر لاهوت المسيح ونجتهد في الأعمال الصالحة لنتبرر بواسطتها والملكوت جاهز ومعد لاستقبالنا لأن العمل الصالح فقط كاف لتبريرنا ومؤهل لنا للملكوت الأبدي…!!!
    فهل العمل الصالح دون الإيمان بالمسيح يؤهل لحياة أبدية وشركة دائمة في الطبيعة الإلهية؟ إن مثل هذا التعليم يهدم العقيدة المسيحية بل وينسفها من أساسها, نعم الإيمان بدون أعمال ميت ولكن الأعمال بدون إيمان لا يمكن أن تبرر أحداً:

    “الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله” (يو3: 36).
    “آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك” (أع16: 31).

    ” إن كان احد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله” (يو3: 3).

    “من آمن واعتمد خلص.ومن لم يؤمن يدن” (مر16: 16).

    ما معنى هذه الآية؟ وما معنى من لم يؤمن يدن؟ كيف يدان ويتبرر في نفس الوقت كما يقول نيافته؟!!! وكيف الذي لم يؤمن ويعتمد يخلص ويرث الحياة الأبدية؟

    وغيرها العشرات من الشواهد التي لا تقبل التأويل والتي تؤكد أن من لا يؤمن بالرب يسوع المسيح لن يرى حياة أبدية ولا نصيب له مع المسيح ولا وجود له في ملكوته.
    فكيف يكون لغير المؤمن مهما صلحت أعماله لكنه لا يؤمن بقلبه بالرب يسوع ولا يعترف بفمه أن المسيح هو ابن الله, أن تكون له شركة في الله وحياة أبدية فيه؟ وما الذي يؤهله لمعاينة الله … هل العمل الصالح فقط؟

    [إلى هذا مَن يقنعني أن ألوفاً مؤلفة من المدعوين مسيحيين هم أطهر من السيدة رابعة العدوية والحلاج أو المهاتما غاندي الذين دانوا بما دانوا به، وأن هؤلاء الأبرار الذين كانوا من خارج الكنيسة المنظورة معذَّبون في النار بما لم يخطئوا به؟]

    النماذج التي تفضلت نيافته بذكرها يوجد الكثير منها في كل العصور وهم الذين عاشوا حياة نقية ربما أفضل من غالبية المسيحيين (بأعمالهم الحسنة) وبالطبع لن يظلمهم الله بل سيكافئهم حسب أعمالهم فالله ليس بظالم ولا بد أنه قد أعدَّ لهم ما يستحقونه, “في بيت أبي منازل كثيرة” (يو14: 2).. لكن الكتاب واضح وصريح ولا يحتمل التأويل:

    “فأين الافتخار.قد انتفى.بأي ناموس.أبناموس الأعمال.كلا.بل بناموس الإيمان” (رو3: 27)”.

    فواضح وجلي هنا شرط الإيمان الذي يسبق شرط الأعمال. نعم قد تكون هناك مكافأة من جهة العمل لكنها لن ترقى أبداً لمستوى قبول غير المؤمن بالمسيح كابن الله في شركة الطبيعة الإلهية والحياة الأبدية, فهل يعقل أن شخصا ما مهما بلغ صلاح عمله لكنه في نفس الوقت ينكر إلوهية المسيح ويأبى أن يعترف إلا بطبيعته البشرية فقط وأنه مجرد إنسان عادي ورسول من الله, هل يمكن لمثل هذا أن يقبله المسيح ليكون واحداً فيه ويدخله إلى الآب علماً بأن المسيح نفسه هو القائل: “ليس احد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو14: 6).؟ وأكدَّها بقوله: “من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام آبي الذي في السموات” (مت10: 33),

    [غير أن ثمة في العهد الجديد حديثاً آخر عن الدينونة. والقول الفصل هنا هو هذا: “مَن أخطأ بدون الناموس (أي شريعة موسى) فبدون الناموس يهلك. وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان”. الأمم (أي الوثنيون) الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموسٌ لأنفسهم الذين يظهرون عمل الناموس مكتوباً في قلوبهم (رومية 2: 13 - 15). ومن المنطق أن ينقل هذا إلى الذين جاؤوا بعد المسيح، فيقال إن الذين تبعوه يدانون بإنجيله ومن لم يتبعوه يدانون حسب ضمائرهم.]

    ينطبق هذا الكلام على عهد الناموس فقط لأنه حتى الذين كان عندهم الناموس لم يطالوا عهد النعمة لكنهم آمنوا بالمواعيد ورقدوا على الرجاء أي كان لديهم رجاء في المسيا الذي سيأتي في ملء الزمان (وقد قام من الأموات وهبط إليهم في الججيم وانتزعهم من بين براثن العدو وصعد بهم الفردوس) فإيمانهم قد حُسب لهم براً, أما الذين رقدوا على غير رجاء بعد ذلك فماذا ينتظرون؟

    أما بخصوص الذين جاؤوا بعد المسيح حتى وإن كانوا من المؤمنين به فإيمانهم وحده دون أن يعملوا أعماله لن يبررهم: “لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات إلى نور ومن سلطان الشيطان إلى الله حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيبا مع المقدسين” (أع26: 18).
    وواضح من نص هذه الآية أن الذين يرى الله أعمالهم الحسنة (من غير المسيحيين) قد يفتح أعينهم إلى الإيمان بالمسيح حتى يتبرروا مجاناً بنعمته, والأمثلة على ذلك كثيرة في الذين يعترفون بالمسيح ويقبلوه كل يوم من غير المسيحيين. فكيف يتبرر أولئك بناموسهم الخاص وينالوا كمال الحياة الأبدية بدون الإيمان بالمسيح إن كان الكتاب يقول: “إذاً قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان” (غل3: 24).
    فهل نيافته يدعو صراحة إلى التبرر بالأعمال فقط دون الإيمان بالمسيح؟

    ليتني أكون مخطئاً في فهمي وضعيفاً في استيعابي لما كتبه صاحب النيافة وليت تساؤلاتي تصله ليفسر لي مقاصده بصورة أوضح.

  4. الاب موسي :

    الاشكالية يمكن ان تعرض كالآتى :
    اذا كان يمكن ان يخلص غير المسيحيين بأعمالهم الحسنة او بأى طريق آخر ، فسنجد سؤالاً يطرح نفسه : فما هى قيمة الايمان بالمسيح ؟ ولماذا نبشر ؟ ولماذا مات الرسل شهداء الكلمة ؟… إلخ
    واذا كان لا يمكن ان يخلصوا ، فما هو ذنب من لم يسمع عن المسيح ؟ وما هو ذنب من اعثر فى المسيح بواسطة مسيحيين اساؤا للمسيح بافعالهم ؟ واين هو عدل الله ؟ …الخ
    واذا قلنا اننا لن ننصب انفسنا مكان الله فى الحكم على خلاص الآخريين ويكفينا ان نعرف الحق ونتبعه ولا نسأل انفسنا هذا السؤال كما قال صاحب المقال (الكثيرين يحسبون أنهم وكلاء على هذا السر العظيم، بدل أن يهتموا بخلاص أنفسهم هم)، فلن نجد فى هذا الحل اى راحه ..! لان خلاصنا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بما نعتقد به عن الله ، وان الله محبه ، وانه تجسد من اجل خلاصنا وطالبنا بان نغفر من قلوبنا بلا حدود ، وان نحب الجميع حتى الذين يكرهوننا ويسيئون الينا ، وبالتالى حول المسيح اعيننا لكى ننظر للآخرين ونسعى نحو خلاصهم بل وجعل خلاصنا مرتبطاً بالشركة فى الجسد الواحد ، وربما كان هذا واحد من اهم صور الخلاص الذى تمتع به الانسان فى المسيح يسوع ، ألا وهو الخلاص من الانانية والتفكير فى (الأنا وكفى) ،
    الخطأ هنا هو اننا دائما ما نبحث فى الروحيات بفكرنا البشري الذى دائما ما يبحث عن اجابة للاسئلة بنعم أو لا ، ولكن تاريخ تعامل الله مع البشر يؤكد لنا بان الله لديه اجابة ثالثة لا هى بنعم ولا هى بلا ، واليكم الدليل المنطقى :
    لو تخيلت نفسك من مؤمنى العهد القديم وتعيش فى عصر ما قبل المسيح وتتنتظر مجئ المسيا ليخلص اليهود خاصته الاتقياء ، ثم انك شردت بذهنك فى نفس السؤال موضوع بحثنا : هل من خلاص لغير اليهود الذين وحدهم يعبدون الله الحقيقى ؟ اذا فكرت بنعم فأنت ضد كل وعود الله فى التوراه لأن الله لا يمكن ان يوجد مع عبادة الاوثان النجسة الذى غرق فيها العالم آن ذاك واذا قلت بلا فأين عدل الله و…الخ
    هل يمكن ان تصل بذهنك وفكرك فى تلك الأونة الى خلاص الله المعلن لكل العالم عن طريق تجسد الابن الوحيد ؟
    والآن ان كان الامر كذلك فعلينا ان نقارن الروحيات بالروحيات ولا نفكر بحصر الامر فى اجابة من اثنين ولكن اريكم طريقاً افضل :
    لدينا تأكيدات نحيا بها وهى
    1- الخلاص هو بالمسيح وحده
    2-يجب ان نبشر بالمسيح للجميع
    3- الله عادل اكثر بكثير مما يستطيع عقلنا ان يتصور (راجع قصة سدوم)
    4-الله يريد ان جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يقبلون
    5-الغير مستطاع عند الناس مستطاع عند الله ( نلاحظ ان هذه العبارة قالها السيد المسيح كإجابة على السؤال ذاته : من يستطيع ان يخلص؟ - ولكن من زاوية مختلفة )
    ليتنا نفرح بالله مخلصنا ونصلى من أجل خلاص العالم كله ونسلم حياتنا فى يد المسيح لانه وحده قادر ان يفعل بنا عجباً ولنقف جميعنا باتضاع ورهبة لكى ننظر خلاص الرب

  5. فطيمو :

    أنا مسيحي قبطي الأصل، لكنني على مستوى العقيدة أكثر ميلا للا-أدرية. كلمات المطران خضر أيقظت داخلي أفضل و أروع ما في التراث المسيحي الأرثوذوكسي. و كيف يكون غريبا على الإله الذي عرف نفسه بإسم المحبة و أوصانا بمحبة الخصم و العدو أن يغفر هو أيضا لمن وجد صعوبة عقلية أو نصية في تقبل رسالة المسيح. … بل كيف يقول الذين يقولون بالجحيم الأبدي لغير المسيحيين، و لأسباب دوجماتية بحتة، في أن المسيح نفسه على الصليب قد طلب من الآب المغفرة لصالبيه؟ هل رد الآب صلاة الإبن و منع المغفرة عنهم؟ … كلمات المطران خضر، و قبله كلمات القديسين مار إسحاق و سواه بهذا الشأن، بركة تظهر أقوى و أقدس ما في رسالة المسيح. كلمات يمكن لها في رأيي للمسيحية المعاصرة قوتها الحقيقية في قدرتها على تخطي الحرف الذي يقتل و الحديث بالروح القدس، روح المحبة نفسها. مع الشكر

  6. Bazianos :

    المسألة أيها الأخوة ليست كما تنظرون إليها بهكذا بساطة, فجميع من علق على الموضوع أبدى اعجابه وحماسه لنظرية إمكانية خلاص غير المؤمن ومشاركته المؤمن الملكوت حسب أعماله لا إيمانه, دون أن يتنبه لخطورة هذا التعليم ومدى صحته وتوافقه مع تعاليم السيد المسيح.

    الأخ خادم الرب…

    مع عميق احترامي وتقديري لوجهة نظرك إلا أنني لم افهم بالضبط ماذا تقصد بتعبير “جيراننا في الملكوت”؟ فإن كنت تقصد تلك الفئة التي عناها نيافة المطران (أي غير المؤمنين) واسمح لي باستخدام هذا الوصف لأنني أراه أصح وأدق تعبيراً عن (غير المسيحيين) فليس كل مسيحي سيدخل الملكوت, فلماذا إذن ميَّزتهم وفصلتهم عن المؤمنين المتأهلين للملكوت واصفاً إياهم بالجيران وليس بالشركاء أو ورثة الملكوت؟

    ومثل الفعلة الذين أتوا عند الساعة الحادية عشر لا ينطبق على من يموت غير مؤمن بل على المؤمن غير التائب (المسيحي بالاسم) إن استدرك وتاب ولو في الساعة الأخيرة من حياته على الأرض وكذلك على غير المؤمن إن آمن بالمسيح. وهو ما أراد الرب أن يعلمنا منه ومن مثل الابن الضال, ألا نحقد أو نحتج على اخوتنا الذين عاشوا في الخطية جل أيام حياتهم ثم تابوا وتأهلوا للملكوت في الساعات الأخيرة, بل نفرح لتوبتهم كفرح السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسع وتسعين باراً لا يحتاجون إلى التوبة وأنه يتوجب علينا أن نصلي لأجل توبتهم ونفرح بهم لا أن نرفضهم.

    القضية موضوع النقاش مختلفة تماماً والأمر مختلف بالنسبة لغير المؤمن, وعندما أقول مختلف فأنا لا أحاول فرض وجهة نظر شخصية أو قناعة خاصة ولا أنصِّبُ من نفسي دياناً لغيري لأنني ادرك جيداً خطورة دينونة الغير وأنني ينبغي أن أدين نفسي وأحكم عليها أولاً قبل أن يدينني الدَّيان العادل حسب ما علمنا الكتاب.

    الذي دفعني إلى التعليق والاعتراض على مقالة نيافة المطران ليس تحذيره من دينونة الغير أو إدانته للبر الذاتي لدى الكثير من المسيحيين, فهو على حق فيما قال, لكن اعتراضي ينصَّبُ على تعليمه الغريب الذي ينادي به وهو امكانية خلاص وتبرر غير المؤمن اعتماداً على عمله الصالح (صلاحه) وبره الذاتي دون الإيمان بالمسيح الذي هو أساس الخلاص …!!!

    أنا لا أنكر دور الأعمال فهي أساس الحساب والدينونة:

    “حينئذ يُجازي كل واحد حسب عمله” (مت 16: 27).

    “فإنَّ كل واحد سيُعطي عن نفسه حساباً لله” (رو 14: 12).

    والسؤال المطروح هو: هل يمكن أن يخلص الإنسان (عموماً) بالعمل الصالح فقط بلا إيمان؟

    إن مثل هذا التعليم ينسف العقيدة المسيحية من أساسها ولن اتعرض هنا للمزيد من الشواهد الكتابية التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإيمان بالمسيح هو اساس الخلاص فجميعكم يعرفها لكنني سأكتفي بثلاثة شواهد كتابية تتعلق بموضوعنا الأساسي وهو استحالة خلاص غير المؤمن استناداً إلى بره الشخصي وناموسه الذاتي دون الإيمان بالمسيح:

    1- “وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي. (مت12: 32).

    ولا يخفى عليكم أيها الأحبة معنى التجديف على الروح القدس والذي اجمع شارحو الكتاب أنه الرفض الدائم لعمل الروح القدس وإنكاره بالإصرار على عدم التوبة (وينطبق هذا بالطبع على المسيحي أولاً ناهيك عن غيره) فهل يجرؤ احداً على الادعاء بأن غير المسيحي الذي لا يؤمن بالثالوث عموماً ويظل يرفض عمل الروح القدس بعناد طوال حياته إلى أن يموت لأنه بنظره شرك وكفر, هل مثل هذا يمكن أن يخلص مهما بلغ صلاح اعماله الأرضية؟ مع ملاحظة أن عدم الغفران لن يكون في هذا العالم بل في العالم الآتي ايضاً.
    إن كانت الإجابة بنعم فيكون الله غير صادق “حاشا.بل ليكن الله صادقا وكل انسان كاذبا” (رو3: 4).

    2- “أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي الى الآب إلا بي” (يو14: 6).

    فكيف سيأتي غير المؤمن إلى الآب دون أن يؤمن بالمسيح ويصير عضواً في جسده؟ نحن لا نؤمن بفردوس مادي وأبدية حسيَّة بل بملكوت روحي وشركة في طبيعة الله والتي يستحيل الوصول إليها بدون المسيح لأنه لا طريق آخر غيره يوصل الإنسان إلى يمين الآب.
    أما أن يدعي أحد أن هناك وسيلة أخري يأتي بها غير المؤمن إلى الآب مستثنيا ًالمسيح, فهو يجعل المسيح كاذباً وحاشا للرب.

    3- “من هو الكذاب إلا الذي ينكر ان يسوع هو المسيح” (1يو2: 22).

    الذي يرفض ويصر على رفض وإنكار أن يسوع هو المسيح ابن الله, هو كذاب بشهادة الكتاب وسيظل كذاباً مهما عمل الصلاح في حياته, فهل صلاحه سيبرره ويغفر له انكاره لإلوهية المسيح؟ اتفق مع نيافة المطران بأن السيدة رابعة العدوية والمهاتما غاندي والعديد العديد غيرهم كانوا افضل واطهر سلوكاً وحياة من مليارات المسيحيين على مر العصور ولكن هل أقرت السيدة رابعة أو المهاتما بأن يسوع هو المسيح؟ أم عبد كلا منهما إلهاً غيره وعاشا وماتا من المنكرين للاهوته؟ وهنا مربط الفرس!!

    الأب موسي …

    نحن لسنا في معرض تنصيب أنفسنا مكان الله فى الحكم على خلاص الآخرين, لكننا نتأمل في كلمة الله المعلنة لنا في إنجيله عن كيفية الخلاص وهل يكون هذا الخلاص بالأعمال فقط دون الإيمان بالمسيح.

    والحق قلت في بداية عرضك الجيد للإشكالية (اذا كان يمكن ان يخلص غير المسيحيين بأعمالهم الحسنة او بأى طريق آخر ، فسنجد سؤالاً يطرح نفسه : فما هى قيمة الايمان بالمسيح ؟ ولماذا نبشر ؟ ولماذا مات الرسل شهداء الكلمة ؟… إلخ).

    لكنني لا اتفق معك فيما ذهبت إليه بقولك: (ولكن تاريخ تعامل الله مع البشر يؤكد لنا بان الله لديه اجابة ثالثة لا هى بنعم ولا هى بلا). فالله لا يكيل بأكثر من مكيال بل مكياله واحد دائماً وهو ذات المكيال الذي أعلن لنا فيه فكره وإرادته الصالحة أي كتابه المقدس. فمن غير المقبول أن يعلن لنا أن ليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلا به, فنؤمن بما قال ونتمسك به إلى حد الاعتراف والشهادة كما فعل العديد من القديسين والشهداء على مر الدهور مثل ما تفضلت وذكرت في مستهل تعليقك بينما يأتي آخرون إلى الآب بطريق آخر غير الطريق الوحيد المُعلن لنا في الكلمة المقدسة وإلا لكان الله يكيل بأكثر من مكيال وحاشا لله القدوس!!!

    ومن غير المقبول كذلك أن يقول الله لنا: “والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله” بينما من خلف الكواليس يمنح الحياة الأبدية لمن لم يؤمن بالابن منكراً لاهوته ليل نهار لأنه كفر في نظره ومع ذلك يستحق الملكوت لأن أعماله صالحة !!!

    ألا تتفق معي ايها الأب موسي أن الإله الذي نعرفه ونؤمن به ليس فيه ظل دوران ولا تغيير؟ وأنه كما علمنا أن يكون كلامنا بنعم نعم ولا لا, يستحيل أن يكون لديه إجابة ثالثة غيرهما اخفاها عنا ولم يعلنها لنا في الإنجيل؟

    من هذا المنبر أدعو جميع من قرأ مقال نيافة المطران إلى إعادة قراءته بترو وموضوعية مع استبعاد فرضية تنصيب ذواتنا مكان الله للحكم على خلاص الآخرين, فدراسة كلمة الله والتعمق فيها لا علاقة لها بالحكم على الآخرين بل هي محاولة متواضعة للفهم من خلال ما اعلنه لنا الله في كتابه المقدس ولا ننسى أن الله نفسه هو الذي يحثنا على دراسة اسفاره المقدسة لفهمها “فتشوا في سفر الرب واقرءوا” (إش34: 16).

    وقبل أن اختم تعليقي المتواضع هذا اقتبس فقرتين لعالمين جليلين اعتقد أن معظمنا يثق في أراءهم ويقرأ لهم وتتعلقان مباشرة بهذا الموضوع:

    يقول الدكتور جورج حبيب بباوي في شرحه للقداس الباسيلي: “الذي يكسر عنكم وعن كثيرين” ليس عنكم أنتم فقط، بل عن كثيرين، فهو يعطى لمغفرة الخطايا وللحياة الأبدية، ولكنه يعطى للمؤمنين فقط لسببين لأنه يغفر الخطايا، وهذا لا يتم إلا لمن يؤمن.
    وثانيًا: لأنه يعطي الحياة الأبدية والملكوت السماوي، كما قال هو في موضع آخر “كل من يأكل جسدي يحيا إلى الأبد” (يوحنا 6: 5, 58).
    [الشرح الثاني - شرح سر القربان لموسى باركيفا - 22- التقديس للثالوث صفحة 151]

    http://www.coptology.com/Liturgy/Downloads/Basili_Mass.pdf

    كذلك الدكتور جميل نجيب سليمان في دراسة له بعنوان “الإيمان والأعمال في رسائل القديس بولس” والمنشور بمجلة مرقس عدد يناير 2009 واقتطف منه هذا الجزء اليسير حيث يقول:

    [ولأن الأعمال هي “أعمال الإيمان”، أي ثماره الطبيعية التي لا تنفصل عنه وهي صداه الشاهد على صدقه وحيويته وقامته؛ فتقييم الأعمال من أجل المجازاة هو في حقيقته تقييم للإيمان والمجازاة بحسبه. ذلك لأن الأعمال التي ستُقيَّم هي وحدها “أعمال الإيمان”، والأعمال التي ليست من الإيمان بيسوع (رو 14: 23) لن تأتي إلى الملكوت ولن يتمجَّد أصحابها. إنها أعمال ميتة (عب 6: 1؛ 9: 14)، لأنها لا تنتسب للرب وليست لحسابه ومجده(2).
    فالإيمان هو الأصل والأعمال هي الفرع، والإيمان هو الروح والأعمال هي مظاهر الحياة والوسيلة الظاهرة للحُكْم على الإيمان القوة المُحرِّكة لها، ولأنها بادية للكل فبها تتحقَّق الشهادة بعدل الله ويستد كل فم يشتكي على الله الذي “يدين المسكونة بالعدل” (أع 17: 31).ٍٍٍ]

    http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm010910.htm

    لكم مني كل التقدير والاحترام وكونوا جميعاً معافين في الرب.

  7. مجدي :

    أحبائي في المسيح
    أخي في الرب Bazianos انا مسيحي ارثوذوكسي ولكن اسمح لي
    تقول “عضواً في جسده؟” تعني جسد الرب!! هل يمكنك أن تشرح لي هذه العبارة من فضلك؟
    أنني أعتبر هذه العبارة تفسر الغاية من الوجود!! ألا وهي تأسيس جسد الرب.
    أنظر.. أو بمعنى أدق.. تواجد بل وأكثر من ذلك تقمص شخصية المسيح في ليلة العشاء الاخير انها أكثر لياليه الماً ودموية، أنه يعاني ويتألم انه يقدم نفسه ذبيحة ليأكل كل الموجودين كل الذين اختارهم حتى الذي خانه أكل من فصحة الحقيقي! لماذا هذه الوليمة الالهية الغير مدركة؟ ولماذا بالام والموت يجب أن يخلص بل ويحيا الذين يتناولون منه؟ لكي يوحّد كل من أكل الفصح معه وبمعنى أعمق صار هو وكل من أكل وشرب معه جسدا واحدا! صاروا بالحقيقة داخل جسده المذبوح بالقلب، وعند الصليب ومجانا صُلبوا معه ونالوا ليس خلاصا وهميا بل حياة جديدة بالقيامة من الاموات معه. وتأملوا سمعان القيرواني ايضا كيف أعطاه الرب أن يشارك معه في آلام الصليب. ومن القيرواني هذا هل كان يعرف المسيح؟
    وبالتأكيد ومن سرد الكتاب المقدس نعرف أن يهوذا بعدما أكل من الصحفة يدا بيد مع الرب لم ينتظر حتى يقوم الرب فيقيمه ولكنه تعجل بالانتحار فمات دونما اي رجاء فهل احد يعرف أين هذا الرجل الذي أكل مع فصح المسيح الحقيقي؟ فكلمة اين لا يوجد لها مكان في هذا النقاش أنما السؤال هو: هل هذا التلميذ يشارك الآن في جسد الرب القائم الآن بيننا وبنا نحن الذين نعمل ارادة الآب بالمحبة الخاصة التي لأبنه الوحيد الذي وحدّنا بالحقيقة فيه ووحّد كل البشرية.. والكل يشارك فيها سواء كان لا يعرف المسيح كيهوذا وسمعان او يعرفه كالتلاميذ الاطهار.. أن إنعامات الآب لا ينطق بها وارادته قد أعلنها في المسيح، وإرادة الآب التي أطاعها الميسح على الصليب هي المحبة، لقد أحبنا حتى أنه دفع الثمن.. ثمن حبه لنا.. وهو الصليب والعار والخطية الأولى وشكوى ابليس علينا - وأشياء كثيرة لم ادركها بعد - والموت الابدي الذي لم يكن سلطان عليه لطبيعته الالهية الأزلية فأباد الموت وهزمه.. ولهذا أعطانا جسده ودمه لا لنأكله ونشربه فحسب بل لنحيا به وفيه.
    وفي النهاية يا عالم يا هوووو هل أدركتم حدود المحبة الالهية؟ وهذا السؤال لمن يقول نعم ولمن يقول لا..
    ” فاننا ننظر الآن في مرآة في لغز لكن حينئذ وجها لوجه. الآن اعرف بعض المعرفة لكن حينئذ ساعرف كما عرفت. اما الآن فيثبت الايمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكن اعظمهن المحبة” المحبة المحبة المحبة……….. الى ما لانهاية لأن “الله محبة” تعالوا نبحث عن المحبة في داخلنا وندرك هناك ملكوت الله.
    وأخيرا نحن الذين في يدهم الكتاب المقدس في كنائسنا نسمع البشارة ونتشارك بوعي في المحبة الالهية يجب أن نكون انعكاسا للنور الحقيقي “ولا يوقدون سراجا ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت” وان وضعناه تحت المكيال نكون نحن من اخفى عنهم النور الحقيقي وهنا نسأل ما مدى مسئوليتهم في رفضهم للنور؟ نحن فقط لا نحب هؤلاء في عالمنا الشرقي المسلم بل يصل أحيانا الى حد الكره لأنهم يكرهوننا!! لذلك نتساءل أين يذهبون؟ ونجيب في سرائرنا ليس للملكوت!! غير عابئين بالمحبة.
    آسف على تطاولي.. فهذا ليس ما للمحبة.

  8. Bazianos :

    أخي في المسيح مجدي

    نعمة لك وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح.

    أرى أنك جنحت بنا إلى موعظة عن المحبة متجاهلاً الإجابة على السؤال الأصلي لكن لا باس …

    لا أظنك تختلف معي في أن القديس يوحنا الملقب بالحبيب وهو من أكثر التلاميذ الذين كتبوا وتحدثوا عن المحبة ومن ألقابه العديدة “رسول المحبة” ولا أظن أنك تستطيع اتهامه بعدم المحبة لأنه كتب في إنجيله واصفاً “يهوذا الإسخريوطي” في حادثة ساكبة الطيب بالسارق: “لأنه كان سارقاً” (يو12: 6), أي أن يوحنا كان يدرك جيداً مصير يهوذا!!!
    فهل كان يوحنا وبقية الإنجيليين حسب وصف كل منهم ليهوذا يفتقرون للمحبة ويتشفُّون في يهوذا لأنه خسر أبديته؟ هل القديس بطرس كان عديم المحبة عندما وقف أمام المجتمعين بالعلَّية مذكراً الإخوة بفعلة يهوذا البشعة وأنها كانت لا بد أن تتم حسب المكتوب (أعمال 1: 16-20). ألم يقل يوحنا وبطرس وبقية البشيرين الحقيقة بناء على وقائع ثابتة واستناداً لكلمة الله الحيَّة والفعالة؟ أم كان يلزم أن يخفوا الحقيقة ويبثوا عبارات المحبة والأمنيات الطيبة غير مصدقين كلام الله الواضح بالكتاب آملين أن يلحق بهم يهوذا في السماء؟

    يا عزيزي لقد صعقني بالفعل سؤالك الغريب (فهل احد يعرف أين هذا الرجل الذي أكل مع فصح المسيح الحقيقي؟) أحقاً أيها العزيز لا تعلم ما هو مصير يهوذا الإسخريوطي؟ وأين هو؟

    إن كنت لا تعلم حقاً فافتح الكتاب المقدس واقرأ ماذا قال السيد المسيح عن مصير يهوذا الإسخريوطي: “ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك” (يو17: 12). وطبعاً لا يخفى عليك معنى ابن الهلاك و أين يكون الهالك عادة وليرحمنا الرب جميعاً من هكذا مصير.

    يا عزيزي لا أحد يتشفي في أحد ولست سعيداً بوضع غير المؤمنين عموماً بغض النظر عن أي معتقد ولا أريد أن أكرر ما قلته في مداخلاتي السابقة فوجهة نظري فيها واضحة جداً والمسألة سألخصها في السطرين التاليين حتى لا نخرج عن حدود الموضوع الأصلي:

    تعليقي الأول كان اعتراضاً على فكرة كاتب المقال (موضوع الجدل الدائر) وهى إمكانية خلاص غير المؤمن بالمسيح بواسطة العمل الصالح وقد فندت الفكرة ببعض الشواهد الكتابية التي تنفي نفياً قاطعاً إمكانية الخلاص بدون الإيمان.

    فإن كنت ترغب أيها الحبيب في نقاش موضوعي أرجو أن تجيبني على السؤال التالي بالبرهان والدليل الدامغ:

    هل يمكن أن يخلص الإنسان (عموماً) بالعمل الصالح فقط بلا إيمان؟ أي دون أن يؤمن بالمسيح رباً وإلهاً؟

    لك وللجميع كل الحب والتقدير.

  9. m-david :

    في ضوء اللاهوت الشعبى السائد تبدو عبارة ( لاخلاص خارج الكنيسة ) ، مقولة حق يراد بها باطل . المسألة الرئيسة هى فى تعريف مصطلح ( الكنيسة). والان أسوق اليكم أيها الأحباء هذا التعريف، الذى أعتقد بشدة بأنه صادم جدا لميراث عنصريتنا ، ولكننى على استعداد ، بنعمة الرب ، ان راق لكم ذلك، أن أجتاز معكم رحلة طويلة من التوثيق الكتابى لهذا المفهوم. الكنيسة ليست بنيانا بسيطا ، من نسيج واحد( كما نتخيل ) ، ولكنها بناء مركب تصنعه وتحققه ثلاثة روافد مختلفة .أحد هذه الروافد هو رافدنا نحن ؛ أي رافد الكرازة الرسولية ، رافد الذين قبلوا الانجيل، رافد الوعى الذاتى بالكنيسة ، رافد الذين يؤمنون بأنهم كنيسة وبأنهم فى المسيح . ولكن الحقيقة الغائبة عن أذهاننا ( وهذا أمر منطقى) هى أن هناك رافدين اخرين يمثلان ثلثي الكنيسة : رافد القدماء الذين رأوا المواعيد من بعيد وامنوا بها ،وهؤلاء هم الذين أحضرهم الله بيسوع أيضا معه ( حسب تعبير بولس الرسول ) ، هم قاطنى الجحيم الذين حررهم الكلمة المتجسد اتيا بهم ليكونوا أول رافد -من روافد الكنيسة - يتم تموقعه فى جسد المسيح . أما الرافد الثانى - الذى يغيب عن وعينا فهو رافد الجهالة ، وهذا هو مايعنيه المفهوم المطلق امصطلح ( الأمم) ، هؤلاء لم يسمعوا بالانجيل ولم يقبلوه على مستوى الوعى فى هذه الحياة ، ولكن منهم يقيم الرب فى اليوم الأخير رافدا يغيظ به كثيرين كانوا قد ظنوا أنهم قد احتكروا المسيح . دمتم فى المسيح .

  10. m-david :

    اسمحوا لى الان أن أبدأ رحلة التوثيق الكتابى للمفهوم الشامل والواسع للكنيسة ، ذللك المفهوم الذى يتخطى أى نظرة عنصرية ؛ مفترضا أن للكنيسة بعدا كونيا انسانيا فحواه أن المسيح هو محور الكون ومنتجه الوحيد وهو الذى يصبغ الجميع بصبغته ،غير محتاج لأى فئة أن تحتكره ، بل هو - وفى مسار رحلة الكون - يخترق كل شئ من أجل أن يحقق كنيسته التى هى جسده المستوعب للجميع . وأبدأ هذه الرحلة باعتراف واجب ، وهوأنه لايوجد فى الكتاب دليل وحيد دامغ فى هذا السياق ، وهذا الاعتراف سوف يتم تفهمه وتقبله تدريجيا مع مسار البحث ، ولكن نستطيع - لكى تطمئن قلوبنا - ان نستعير لغة الفقه القانونى فنقول بأن تراكم القرائن يصنع دليلا دامغا .
    المقالة الأولى: فريقا المؤمنين بالمسيح
    —————————————–
    —- الاقتباس الأول: الاصحاح العاشر من انجيل يوحنا ، وتحديدا : ( ولي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة ، ينبغى أن اتى بتلك أيضا فتسمع صوتى ، وتكون رعية واحدة وراع واحد . / يو 10: 16 ).
    - التعليق : المقصود من تعبير ( هذه الحظيرة ) هو” اسرائيل الجديد” أى كنيسة العهد الجديد التى قبلت المسيح عن وعى. حتى أن سياق حديث يسوع لايمكن بأى حال أن يكون متضمنا الاشارة الى ” اسرائيل التاريخى” ؛ فالحديث كله موجه للفريسيين فى مناخ غاضب وعاصف؛ يدينهم فيه يسوع ويصفهم بالعميان وذلك عقب معجزة شفاء المولود أعمى ويتطور الموقف الى حد أنهم قد هموا برجمه وينتهى الاصحاح برغبتهم بالامساك به أما هو فقد واجههم بالحقيقة : ( لستم تؤمنون لانكم لستم من خرافى ./ يو10 : 26 ).
    - الحظيرة هى مأوى الخراف ومكان مبيتها ، وكنيسة العهد الجديد - التى قبات بشارة الانجيل - هى المشار اليها فى ( هذه الحظيرة) ؛ فهى التى قبلت المسيح هنا فى” ليل العالم”. أما ، خارجا ، فهناك كثير من الخراف الضالة ، التى بلا مأوى وليست لها ( حظيرة ) ، هى مشتتة ، تائهة فى الزمان والمكان والمعتقدات وينبغى للراعى الصالح أن يخترق كل هذه العوائق ليأتى بها فتكون رعية واحدة وراع واحد .
    - انتماء الخراف الحقيقى هو- فى النهاية - الى الراعى الصالح وليس الى الحظيرة . وهنا لنا ملحوظة هامة جدا ؛ فقد وردت عبارة ( رعية واحدة وراع واحد ) - فى الأصل اليونانى - بدون أداة عطف ، وهكذا ، نستطيع أن نؤمن بأن الراعى الصالح ( المسيح) يتجاوز- بصلاحه - التقوقع داخل ( هذه الحظيرة ) ؛ ذلك لأنه فى النهاية سيكون الجميع رعية واحدة يرعاها فى داخل ذاته ، وليس فقط فى داخل ( هذه الحظيرة ).
    – الاقتباس الثانى : الاصحاح السابع عشر من انجيل يوحنا :
    يصلى يسوع طالبا من أجل فريقين من المؤمنين به . الفريق الأول:” لأن الكلام ( ta remata) الذى أعطيتنى قد أعطيتهم ، وهم قبلوا وعلموا يقينا أنى خرجت من عندك، وامنوا أنك أنت أرسلتني. من أجلهم أنا أسأ ل “. ( يو 17 :8 و 9 )
    الفريق الثانى : ” ولست أسأ ل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضا من أجل الذين يؤمنون بي بواسطة كلمتهم (dia tou logou autwn). يو17 : 20 .”
    - التعليق : 1- فى لاهوت انجيل يوحنا يتجلى شخص الكلمة بطريقة متفردة عن سائر الكتاب ، وتأتى لفظة ” الكلمة “- فى صيغتها المفردة المعرفة - لتعلن غاية بشارة الانجيل ألا وهى الشركة فى شخص الكلمة ، الابن الذاتى. وللأسف الشديد لم تلتزم الترجمة العربية بالدقة فى ترجمة هذه اللفظة وعوضا عن صيغة المفرد- الواردة عليها فى الأصل اليونانى - تمت ترجمتها فى صيغة الجمع ، فضاع المعنى العميق للنص ، وخير دليل على ذلك هوترجمة العبارة الثانية من الاقتباس الذى نحن بصدده الان . وأرى أنه من الأفضل الرجوع لبعض الأمثلة الأخرى للتأكد من هذه القضية ، واليكم بعض الشواهد : (2 : 22 ) ،( 5 : 24 ) ، ( 5 : 38 ) ، (8 : 31 ،37 ،51 ، 52 ) ، ( 12 : 48) ، ( 14 : 23 ، 24 ) ، ( 15 : 3 ، 20 ) ، ( 17 : 6 ، 14 ، 17 ) .
    2- هناك مفردتان - فى يونانية العهد الجديد- تترجمان الى معنى ” الكلمة ” وهما : ( ” reema” = الريما ) ، و ( logos” ” = اللوغوس ). وعندما يريد الكتاب أن يعبر عن “كلمة “الانجيل- ( كلام الله الذى كتبه أناس الله مسوقين من الروح القدس ) -فانه يستخدم مفردة “الريما “، وأما عندما يريد التعبير عن شخص الكلمة (الابن الوحيد ) ، فانه يستخدم لفظة “اللوغوس ” فى صيغتها المفردة المعرفة .
    3- رافد الكنيسة - الذى قبل الانجيل وامن عن طريق كرازة الرسل - هو الذى قبل ” الريما ” ، ولكنه مدعو لأن يتكمل ايمانه بالشركة فى ” اللوغوس “،تلك الشركة الأبدية التى لاتنحل ، فى المسيح . كما فى ( مولودين ثانية ، لا من زرع يفنى ، بل مما لايفنى ، بكلمة (لوغوس) الله الحية الباقية الى الأبد . لأن : “كل جسد كعشب ، وكل مجد انسان كزهر عشب. العشب يبس وزهره سقط وأما كلمة (الريما) الرب فتثبت الى الأبد “. وهذه هى الكلمة (الريما) التى بشرتم بها . / 1 بط 1 : 23 - 25 ) . وأيضا كما فى ” الكلمة ( الريما) قريبة منك ، فى فمك وفى قلبك ” أى كلمة (الريما) الايمان التى نكرز بها 0(رو 10 : 8 ). وأيضا فى ( اذا الأيمان بالخبر ، والخبر بكلمة ( ريما ) الله ….الى جميع الارض خرج صوتهم، والى أقاصى المسكونة أقوالهم ( ta remata ) / رو 10 : 17 و 18 ).
    4- شخص الكلمة حال فى كل الكون وهو حامل لكل الخليقة .و حضور الكلمة فى الخليقة يتباين كميا ويبلغ ذلك الحضور قمته فى الانسان - أى انسان - مقارنة بباقى المخلوقات ، ولكن فى الرب يسوع ( التاريخى) قد بلغ حضور الكامة (اللوغوس ) فى الانسان قمة من المستحيل تخطيها ؛ اذ فيه ( فى يسوع ) قد حل ملء اللاهوت . وعليه فاننا فى ضوء هذه الرؤية البانورامية - لمفهوم حضور الكلمة (اللوغوس) - فى الخليقة ، نستطيع أن ندرك ماتعنيه عبارة ( الذين يؤمنون بى بواسطة كلمتهم ( اللوغوس الذى لهم ) . نستطيع أن ندرك أن هؤلاء لم تصلهم كلمة الله ( الريما ) ، لم يصلهم المد الحى الذى للكرازة الرسولية ، ولكنهم بفضل الكلمة الحاضر فيهم - الذى هيأهم لذلك بتدبير غير متاح لنا الان أن ندركه - تجاوزوا دعوة (الريما) ليشتركوا فى شخص اللوغوس دون وعى منهم ( كوعينا نحن ) . ويجب هنا أن نؤكد على حقيقة محورية مفادها أن هذا الفريق لم ينطلق فى رحلته الايمانية - الخاصة به - الا من لحظة التجسد ، حيث نبع النعمة الذى ترتوى منه كل روافد الكنيسة .
    —- الخلاصة :المؤمنون بالمسيح فريقان : فريق قبل ” الكلمة المكتوبة” وانطلق من ايمانه بها مستهدفا الشركة فى ” الكلمة الشخص ” ، وفريق اخر اشترك فى “الكلمة الشخص ” متجاوزا “الكلمة المكتوبة ” بفضل الكلمة الحاضر فيه .
    ————–

  11. m-david :

    ——– المقالة الثانية : الانتماء الى المسيح .
    —————————————
    — أولا : مقدمة هامة :
    1- مفهوم الانتماء ، الى المسيح :
    للانتماء - الى المسيح - مفهوم ومضمون مختلف ، لايعرفه البشر ، مقارنة بذلك المفهوم الذى لديهم . فالانتماء الى المسيح ليس انتماء ” من الخارج “؛ بمعنى أنه ليس كأى انتماء “الى فكرة معينة “- يتم الاقتناع بها - أو ” الى شخص “تاريخى تلتصق به الأذهان والأفئدة ( من الخارج ) ، ولكنه انتماء الى الداخل ، أى ” انتماء الى داخل الشخص ذاته” . والحقيفة أن العالم لم يعرف مثل هذا النوع من الانتماء ؛ فلم يعرف العالم فكرة معينة قد تم التماهى والتوحد معها الى درجة الدخول فيها كجزء منها . ولم يعرف العالم شخصا تاريخيا انتمى اليه نفر لدرجة أنهم صاروا مستوعبين داخله ،كأجزاء منه ، ولكن المسيح هو هكذا . المسيح ليس مجرد شخص تاريخى - تنتمى اليه الكنيسة فكريا أوعقائديا ، بل انه شخص يحتوى الكنيسة ؛ فهى جسده الخاص ، وبدون هذا الانتماء يبقى المسيح مجرد رأس لكيان فارغ !!!. وهكذا يتكمل ويمتلئ المسيح بانتماء الكنيسة اليه ، ويذكرنا ذلك ، بالالحاح - والتأكيد المستمر والمستميت للرسول بولس - على مصطلح ( فى المسيح ) كتعبير عن كيان الكنيسة ، التى بدورها ليس لها وجود ، خارجا عن هذا الاسم .
    الاسم (المسيح ) هو الشخص، والانتماء الى الاسم هو انتماء الى الشخص ، بالدخول والتموقع فيه . وفى احتفالية الشعانين تتعالى صيحات الخلاص التى تعلن مجيئ مملكة داود(الكنيسة) ، كمحتوى ومضمون للاسم (اسم الرب) : مبارك الاتى فى اسم الرب ( بحسب النص اليونانى ) ، مباركة مملكة أبينا داود الاتية.( مر 11 : 9 و 10 ).
    2- الية الانتماء ، الى المسيح.
    فعل الانتماء المسيحى وديناميكيته ليس فعلا بشريا ؛ فالحق الالهى يعلمنا أن الكلمة صار جسدا ، أى أن الكلمة هو الذى انتمى الى البشر ، حتى أنه صار ” ابن الانسان ” . فاتجاه حركة الانتماء هو اتجاه نازل وليس اتجاها صاعدا . هو الذى انتمى الينا أولا فصرنا منتمين اليه ، فيه . انتماء الكلمة الى الانسان هو “الفعل ” بينما انتماء الانسان الى الكلمة هو ” رد الفعل “. وبالتأكيد ، ان للمفهوم طبيعة مزدوجة ؛ فالكلمة حينما صار جسدا ، تأله البشر فيه ، صائرين شركاء فى الحياة الأبدية -التى له - وهذا هو مفهوم “النعمة ” ، ولكن تبقى الحقيقة المؤكدة ، أن حدث الانتماء - بفعله ومساره - هو فى الاتجاه “النازل ” ، بتجسد الكلمة ؛ فشخص” الابن ” هو المعطى (بضم الميم ) الى العالم - هذا هو الانتماء ( كفعل ) - وفيه قد صعد البشر الى الاب ، منتمين اليه ، وهذا هو الانتماء ( كرد فعل ).
    اذن ، حدث الانتماء هو الاختراق الذى صنعه الكلمة بتجسده ، مهيئا لنفسه جسدا من البشر ، جاعلا اياه رأسا لكيان وجودهم الجديد ، ومن هذه الرأس ( الرب يسوع المسيح ) ينطلق مسار حركة الانتماء - بقدرته الذاتية وارادته التى تخترق الكل - لجذب كل الأعضاء ، حتى مايكتمل كيان المسيح ، الممتلئ بكنيسته ، وحتى مايكتمل مجيئ “ابن الانسان ” .
    3-سؤال “الانتماء ” .
    بناء على هذا المفهوم ، هل يجوز لنا أن نعتقد بأن الانتماء الى المسيح ، من الممكن أن يحتكره نمط معين من “رد الفعل “( كقبول رافد معين - من الكنيسة - بالحقيقة الانجيلية وتصديقها) بينما يبقى الذين هم خارج هذه المنظومة ، فى اقصاء وابعاد عن هذا الانتماء ؟ . وبمعنى اخر : اذا كان حدث الانتماء ( الى المسيح ) هو فعل خارج عن قدرة البشر ولايحدث - للذين صارت اليهم بشارة الانجيل - الا فى اطار مسار النعمة - المنطلقة من الكلمة المتجسد - فهل يعنى ، ذلك “عجز الكلمة” على أن يحقق هذا الانتماء فى الاخرين الذين لم يتح لهم القيام برد الفعل ، هذا ؟ ! . وبمعنى ثالث : هل يحتكر ( بضم الياء ) ” الفعل” بواسطة ” رد الفعل ” ؟ .
    نحن من المستحيل أن نختزل “رد الفعل ” الممكن ، فى مجرد رد فعلنا نحن “أبناء الكرازة الرسولية ” ؛ فهذا يصبغ الكلمة المتجسد بالعجز ويجعله حكرا لتصوراتنا ، بينما أنه من المفترض أن الكلمة المتجسد قادر على أن يحقق انتماءه - الى البشر - بطرق شتى ، من ضمنها طريقنا ، نحن ، الذين قبلنا كلمة الانجيل ودعينا للشركة فى الكلمة (الشخص) .
    ———————————–
    اذن : الانتماء الى المسيح هو حركة النعمة المنطلقة من الكلمة المتجسد نحو تحقيق وجود الكنيسة . والرب يسوع المسيح - وفى مسار هذه الحركة - يتخطى ويتجاوز مستوى “وعى” الكنيسة بذاتها (ككنيسة) ؛ وذلك لأن الكنيسة - أثناء رحلتها فى هذا العالم ، نحو الانتماء الى المسيح - انما ، فعليا تنتمى الى ” ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر ” . لذلك فالكنيسة لايمكن أن تعى وتدرك ذاتها - كاملا - فى هذا العالم . وان كان قد أتيح لرافد من روافد الكنيسة أن يتمتع بقليل من ” الوعى ” بذاته ( ككنيسة) ، فالرب يسوع المسيح - القادر على تجاوز “القليل” - فى ذلك الرافد - نحو الكل ، ” فيه”، هو قادر ،أيضا عى تجاوز ” العدم ” - فى خارج ذلك الرافد - نحو الكل ” فيه ” أيضا .
    — ثانيا : نص كتابى ، عجيب : الاصحاح العاشر من رسالة بولس الرسول الى أهل رومية .
    – التعليق :
    1- اسرائيل ” الجديد” :
    كمنطلق أساسى ، نقول : ان لكل الكتاب - بكلماته وبشخوصه وبأحداثه التاريخية - بنية رمزية ، لاتستهدف الا شخص “المسيح ” المستوعب للكنيسة ، وعليه نقول : ان اسرائيل “القديم ” لم يكن الا رمزا للكنيسة ، واذ كان- قديما - قد اختير هذا الشعب ليستعلن له الله ذاته، من خلال الناموس والوصايا ، فكنيسة العهد الجديد هى الشعب المختار ليستعلن له الله ذاته ، فى ” ناموس المسيح ” ، وذلك حينما يقبلون دعوة كرازة الانجيل ، فينطلقون نحو تحقيق كيان وجودهم داخل ” جسد المسيح ” . لذلك فانه - فقط - فى المسيح تتجلى الصورة الحقيقية للوصية ، وفيه -فقط ” تتجلى الرؤية الحقيقية للناموس . لذلك فان الرسول بولس - فى هذا الاصحاح يقدم ” اسرائيل ” فى مفهومه الحقيقى ، أى ا” كنيسة العهد الجديد “، الكائنة فى المسيح ، الكنيسة التى لها ناموس ، مضمونه هو المسيح : ” لأن غاية الناموس هى : المسيح للبر لكل من يؤمن “. ( رو : 10 : 4 ) .
    - اسرائيل الجديد ( كنيسة العهد الجديد ) هو المنوط بتأويل واستعلان الخطاب القديم - الوارد فى ( تث : 30 : 11 - 14 ) ، وفى ذلك ، يقوم الرسول بولس بتقديم الخطاب ، فى بؤرة تجليه فيقول : “وأما البر الذى بالايمان فيقول هكذا : ” لا تقل فى قلبك : من يصعد الى السماء ؟ ” اى ليحدر المسيح ، ” أو : من يهبط الى الهاوية ؟ ” أى ليصعد المسيح من الأموات لكن ماذا يقول ؟ ” الكلمة قريبة منك ، فى فمك وفى قلبك ” أى كلمة الايمان التى نكرز بها : لأنك ان اعترفت بفمك بالرب يسوع ، وامنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات ، خلصت .”( رو 10 : 6 - 9 ) .
    وهكذا يقدم الرسول بولس ، ” اسرائيل الجديد ” ، كمستهدف من الكرازة ، بكلمة الانجيل : الكلمة ( الريما ) قريبة منك ، كلمة (الريما ) الايمان التى نكرز بها .
    - اسرائيل الجديد ، هو المنوط بالعلم والوعى بحقيقة ذاته ، وهو ذلك الرافد ( من الكنيسة ) الذى وصلت اليه الكرازة فى كل الأرض ( لكننى أقول : ألعلهم لم يسمعوا ؟ بلى ! ” الى جميع الأرض خرج صوتهم ، والى أقاصى المسكونة أقوالهم ” . لكننى أقول : ألعل اسرائيل لم يعلم ؟ أولا موسى يقول : ” أنا أغيركم بما ليس أمة . بأمة غبية أغيظكم ” . ثم يتجاسر اشعياء ويقول : ” وجدت من الذين لم يطلبوننى ، وصرت ظاهرا للذين لم يسألوا عنى “. أما من جهة اسرائيل فيقول : ” طول النهار بسطت يدى الى شعب معاند ومقاوم ” . ( رو 10 : 18 - 21 ) .
    ونستطيع أن نقول: ان هناك رافدا ، من روافد الكنيسة ( جسد المسيح ) ، هو ذلك الذى يضم الذين استثمرت فيهم دعوة الكرازة ، بالنعمة ، وتحقق فيهم الانجيل فصاروا شركاء فى الكلمة المتجسد ، وأما أولئك الذين لم تستثمر فيهم دعوة الكرازة - ورفضوا أن يحيوا الانجيل بحق ، فهم ” الشعب المعاند والمقاوم” . والان يحق لنا السؤال : ماهو الموقع الجديد لمصطلح ” الأمم “،من خلال هذا المنظور ؟ . من هم ، أولئك الذين يشير اليهم الرسول ، بأنهم ليسوا أمة ، وبأنهم أمة غبية ، سيغيظ بها الذين رفضوا دعوة الانجيل ، وبأنهم لم يطلبوه ولم يسألوا عنه وبالرغم من ذلك كان لهم نصيب فى الكنيسة ؟ !.
    2- القضية المحورية ، أمام “اسرائيل الجديد ” ، هى تحقق وجود شخص المسيح، الممتلئ بكنيسته ، وأما اسرائيل الجديد فمدعو الى أن يصير أحد روافد هذه الكنيسة ، وذلك بقبوله وباعترافه بكلمة الانجيل ، ثم بأن يحياها فى قلبه فتثمر لحساب المسيح (ارجع الى رو 10 : 6 - 9 ) .
    3- القاعدة الكتابية ، الحاكمة : ” كل من يدعو باسم الرب يخلص ” ( رو 10 : 13 ) .
    اسمحوا لى أولا بهذه المداخلة اللغوية : الفعل المترجم - بطريق خاطئة - الى “يدعو ” ، هو الفعل اليونانى :” epikalew ” ، ومعناه اعطاء اسم أو اعطاء لقب ، كما فى : ” الاسم الحسن الذى دعى به عليكم ( يع 2 : 7 ) .” ، ولا يحمل هذا الفعل أى معنى يفيد توجيه الدعوة (invitation ) ؛ فالفعل اليونانى الذى يفيد ذلك ، هو : ” kalew”، وهناك اختلاف كبير بين الفعلين ، لمجرد وجود حرف الجر ” “epi.
    اذن ، الترجمة الصحيحة للعبارة هى : ” كل من يدعى ( بضم الياء وتسكين الدال ) باسم الرب يخلص ” . أى كل من ينتمى الى ” داخل ” اسم الرب يخلص . ها قد عدنا ثانية الى لاهوت ” الاسم” ، ( ان جاز التعبير) .
    4- الاشكالية ، والمعضلة الكبرى التى يعالجهاالرسول هى : ليس جميع من ينتمون الى اسم الرب ( الكنيسة ) ، قد انتموا - فى هذا العالم الى الانجيل ( لكن ليس الجميع قد أطاعوا الانجيل . رو 10 : 16 ) . ولابد أن نلاحظ ، أن مضمون كلمة ” الجميع ” هنا هو نفس المضمون فى العبارات السابقة ، فى نفس السياق ، حيث يقول : ” لأنه لا فرق بين اليهودى واليونانى ، لأن ربا واحدا ” للجميع ” مغنيا “لجميع” الذين يدعون ( بضم الياء وتسكين الدال ) به . لأن كل من يدعى باسم الرب يخلص ( رو 10 : 12 و 13 ) .
    وهنا يأخذنا الرسول بولس ، فى سؤال عجيب ومدهش - يكشف قصور قدرتنا على تصور “خلاص ” الاخر- غير المؤمن(مثلنا ) - وعلى تصور وجوده معنا، فى الرب : ” فكيف يدعون ( بضم الياء وتسكين الدال ) بمن لم يؤمنوا به ؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز ؟ وكيف يكرزون ان لم يرسلوا؟ ( رو 10 :14 و 15 ) .اذن، هناك رافد فى الكنيسة ، يتم تحقق وجوده خارج نطاق الكرازة وخارج نطاق دعوة الانجيل ، تماما . وهاهو . الرسول بولس قد سجل - الى الأبد - دهشتنا من ذلك الأمر فى سؤاله المتسلسل العجيب !.
    5- اطاعة الانجيل .
    الطاعة ، الواردة فى : ” ليس الجميع قد أطاعوا الانجيل ” ، هى طاعة الخضوع ، والفعل اليونانى المستخدم هنا ،قد استخدم ، مثلا للتعبير عن : طاعة الريح ليسوع (مت 8 : 27 ) ، طاعة الأرواح النجسة ليسوع ( مر 1 : 27 ) ، طاعة العبيد لسادتهم (أف 6 : 5 ) . ولا يحمل الفعل ، هنا أى معنى للاقتناع أو القبول ، وبالتالى فالرسول يتحدث عن شريحة ، فى الكنيسة لم تنضوى تحت لواء الانجيل - فى هذا العالم - وهى لم ترفضه ، لأنه لم يعرض عليها من الأصل . بينما الفعل الاخر الذى يعنى ” عدم القبول ، هو ماستخدمه الرسول فى التعبير عن الشعب ” المعاند “.
    —————————–
    الخلاصة .
    ————-
    الانتماء الى المسيح هو الكينونة فى المسيح ، هكذا يتحقق وجود الكنيسة . المؤمنون بواسطة الكرازة الرسولية ( اسرائيل الجديد) مدعوون لأن يصيروا أحد روافد الكنيسة ، ولكن ، خارجا عن اطار الكرازة ، يوجد “الأمم ” ( بالمفهوم المطلق ، غير التاريخى ) ، أولئك الذين لم تصلهم الكرازة ، (واقعيا ) لغربتهم فى ملابسات لايمكن تخطيها . من هؤلاء ،يستطيع الرب يسوع المسيح أن يهيئ رافدا من روافد الكنيسة ، دون حاجة الى رسول أو كارز . فقط ، استحاق الكلمة المتجسد ، يستطيع أن يأتى برافد “جاهل بقضية ذاته ” ، ليغيظ به المعاندين من أبناء اسرائيل الجديد ( أبناء الكرازة الرسولية ).

  12. m-david :

    ——– المقالة الثالثة : الحكم على الاخر .
    ——————————————
    —- أولا : مقدمة هامة .
    1- مفهوم الدينونة :
    الدينونة ، أو الحكم بالادانة هى حالة ” الكشف ” و ” التعرية ” لاختراق قانونى ، يستوجب الوقوع تحت طائلة القانون .
    - ما نحن بصدده هو قانون الحياة والوجود ، المستعلن فى ناموس ( قانون ) المسيح ، كقول الرسول بولس : ” تمموا ناموس المسيح .” ( غل 6 : 2 ) .
    - الحياة الأبدية - المعطاة للبشر فى شخص الكلمة المتجسد - هى فحوى ومضمون ” القانون ، وعدم الايمان بالمسيح، ورفضه سوف يفتضح ، باستمرار حالة الموت ، وعدم الخلاص منها . ” الذى يؤمن بالابن له حياة أبدية ، والذى لايؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله ” .( يو 3 : 36 ) .اذن ، الدينونة هى حالة سلبية ، تعنى تحصيلا حاصلا لعدم قبول الدخول - ايجابيا - الى مظلة ” قانون” الحياة ، أى ” شخص المسيح “. وبالتالى فان التمايز “الصارخ ” - بين الحياة والموت ، بين هؤلاء الذين فى المسيح ، وأولئك الذين خارجه - هو فى حد ذاته ، حدث النطق بحكم الدينونة على الذين ليسوا فى المسيح . ” لأنه لم يرسل الله ابنه الى العالم ليدين العالم ، بل ليخلص به العالم . الذى يؤمن به لايدان ، والذى لايؤمن قد دين ( بالفعل )، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. ( عودة الى لاهوت ” الاسم” ) وهذه هى الدينونة : ان النور قد جاء الى العالم ، وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة . لأن كل من يعمل السيات يبغض النور ، ولا يأتى الى النور لئلا توبخ أعماله . وأما من يفعل الحق فيقبل الى النور ، لكى تظهر أعماله بالله معمولة ” . ( يو 3 : 17 - 21 ) .
    2- القانون الذى يحتكم اليه ، بالدينونة :
    المرجعية القانونية ، التى نحن بصددها ، ليست هى الناموس ( القانون ) - بمفهومه العتيق - بل هى شخص المسيح ، الذى هو ، غاية الناموس . الخروج عن “القانون ” هو الخروج عن” شخص المسيح ” . وليس لدينا أوضح من القاعدة الكتابية ، التى يسجلها الرسول بولس : ” لاشئ من الدينونة الان عى الذين هم فى المسيح يسوع ” .( رو 8 : 1 ) .
    3- أهلية الحكم ، بالدينونة :
    لكى يكون القاضى ، قاضيا حقيقيا ، لابد أن يكون مدركا لحدود وأطر القانون، أى لابد له أن يكون مدركا لشروحات وفحوى تفاصيل القانون . هذا الادراك يؤهله للحكم بالخروج عن القانون - اذا كان هناك خروج عن القانون فى القضية المعروضة عليه - وبالتالى يستطيع ، وهو مرتاح الضمير ، ان يحكم بالادانة . وأما عن القضية - التى نحن بصددها - فالقانون ليس مجرد ” نص ” ، يحتكم اليه ، بل هو شخص يتجاوز الزمان والمكان ( شخص المسيح ). حقا ، اننا- نحن المسيحيين - نمتلك تصوراتنا عن القانون (شخص المسيح ) ، ولكننا ، بالفعل لن نتجاسر على القول بأننا نتماهى مع القانون ولا نتجاسرعلى القول بأننا نمتلك حدود القانون وأطره ، وبالتالى لانتجاسر على القول ، بأننا نستطيع أن نحكم - على أحد بالخروج عن القانون . اننا الان - فى هذا العالم - لانتجاسرعلى القول بأننا قضاة ! . نحن المسيحيون مدعوون لأن نصير” قضاة “، ولكن ليس فى هذا العالم ، بل حينما نتكمل ، (فى المسيح) . فقط ،حينما نخرج من هذا العالم - ونصير أعضاء فيه - نستطيع أن ندين العالم ، لأن” القديسين سيدينون العالم” ( 1 كو 6 : 2 ) .
    - ان تصوراتنا عن القانون ليست هى القانون ، مالم نكن نمتلك نص القانون وفحواه وحدوده . وفى قضيتنا ، هذه ، نحن لانحتكم الى نص قانونى ، بل الى شخص يستوعبنا . بالتأكيد نحن لدينا ” نص الهى ” مكتوب ، ولكن ليس القانون هو مجرد ” تصوراتنا ” عن فحوى هذا النص ، بل هو الشخص الذى يستعلنه هذا النص ، وستظل علاقتنا بهذا النص مجرد خبرات خاصة بنا ، تتنامى بالنعمة الى الحد الذى يترجم فيه - النص - الى حياة أبدية ، فى شخص المسيح ، وحينئذ فقط نستطيع القول بأننا قد استوعبنا فحوى ” النص الالهى” ، حينئذ فقط نستطيع القول بأننا استوعبنا ” القانون ” ، حينئذ فقط نستطيع القول بأننا مؤهلون للحكم بدينونة الاخر ، غير المنتمى الينا ( فى المسيح ) .
    —- ثانيا : نص كتابى .
    1- من الانجيل ، بحسب ” متى ” : ” لاتدينوا لكى لاتدانوا ، لأنكم بالدينونة التى بها تدينون تدانون ، وبالكيل الذى به تكيلون يكال لكم . ولماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك ، واما الخشبة التى فى عينك فلا تفطن لها ؟ أم كيف تقول لأخيك : دعنى أخرج القذى من عينك ، وها الخشبة فى عينك ؟ يامرائى أخرج أولا الخشبة من عينك ، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك ! لاتعطوا القدس للكلاب ، ولاتطرحوا درركم قدام الخنازير، لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم . ” ( مت 7 : 1 - 6 ).
    2- من الانجيل ، بحسب ” لوقا ” : “ولا تدينوا فلا تدانوا . لا تقضوا على أحد فلا يقضى عليكم . اغفروا يغفر لكم . اعطوا تعطوا ، كيلا ملبدا مهزوزا فائضا يعطون فى أحضانكم . لأنه بنفس الكيل الذى به تكيلون يكال لكم ” .
    وضرب لهم مثلا : ” هل يقدر أعمى ان يقود أعمى ؟ أما يسقط الاثنان فى حفرة ؟ ليس التلميذ أفضل من معلمه، بل كل من صار كاملا يكون مثل معلمه . لماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك ، وأما الخشبة التى فى عينك فلا تفطن لها ؟ أو كيف تقدر أن تقول لأخيك : ياأخى ، دعنى أخرج القذى الذى عينك ، وأنت لاتنظر الخشبة التى عينك ؟ يامرائى ! أخرج أولا الخشبة من عينك ، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى الذى فى عين أخيك . ” ( لو 6 : 37 - 42 ) .
    —– التعليق :
    1 - لاتدينوا :
    يااسرائيل ” الجديد ” ، ليس لك أن تدين ” الاخر ” ، كما كان يفعل اسرائيل ” القديم ” . ليس لك أن تحكم عليه بالموت؛ ففى وسط هذه المساحة المجهولة - التى هى خارج حظيرتك - يوجد اخوة لك ( فى المسيح ) ، أنت تجهلهم ، وتستنكر عليهم أنهم ينتمون الى الكنيسة ، وهم ، أيضا يجهلون حقيقة أنفسهم ككنيسة .
    2- الخشبة والقذى :
    يااسرائيل “الجديد ” ، قد يكون لك بعض الوعى بذاتك ( ككنيسة ) ، بفضل قبولك لبشارة الانجيل ، ولكن هذا القدر النسبى من الوعى لايعطيك تمايزا ، على الاخر- ” المجهول لك ولنفسه ” . انك تظن أنك مبصر وترى حقيقة المسيح جيدا ، بخلاف الاخر ، الأعمى ( من وجهة نظرك ) ، ولكن حقيقة الأمر هى أن كليكما أعميان ! ، ” ولا يقدر أعمى أن يقود أعمى ” . ان كان هناك تمايز نسبى ، فهو تمايز الاخر عنك ! ؛ فالاخر - المختار لينتمى الى المسيح - بمجرد مفارقته لهذا العالم سوف تنفتح عينه ، فى المسيح ، ويتحقق له كامل وعيه بذاته ( ككنيسة ) ، وأما أنت يااسرائيل ” الجديد ” ، فسوف تمضى فترة وجودك على الأرض ، فى جهاد يحدده مسار النعمة . تقضى فترة وجودك هذه فى مسار تراكمى للنعمة . يتنامى وعيك ” القليل ” . تنفتح عينك تدريجيا .
    - فى عينك ، يااسرائيل ” الجديد ” ، ” خشبة ” ، يتم تفتيتها ، تدريجيا ، وأما فى عين “ذاك ” ، فيوجد ، مجرد ” قذى ” ، ينتزع ، فى المسيح .
    - يا اسرائيل ” الجديد ” ، انت لاتستطيع ، الان ، وأنت فى العالم أن تدرك وجود اخوتك ، هؤلاء . لاتستطيع أن تراهم ، فى المسيح ، ولكن حينما تصير كاملا ( فى المسيح ) ، تستطيع حينئذ أن تدرك وجودهم . حينئذ يصير ” التلميذ مثل معلمه ” ، اما الان فلست أفضل من معلمك ، حتى ماتنكر وجودهم فيه . انتظر يااسرائيل الى أن تتكمل حتى ماتصير لك ، رؤية وبصيرة معلمك .
    3 - لا تعطوا القدس للكلاب :
    يا اسرائيل ” الجديد ” ، اعط ” المسيح ” للاخر. انت لاتحتكر المسيح . انت مجرد ” رافد” ، من الروافد التى تملأ ” جسد المسيح ” . و المسيح ، ” الممتلئ” يتجاوزك . المسيح الممتلئ هو ” الكيل الملبد المهزوز ” ، هذا هو المعيار . امن ، يااسرائيل بالمسيح ( الذى يشترك معك اخر، فى ملئه ). أعط ” المسيح ” ، للاخر، تعطاه ؛ لأنه ، اذا كان “الاخر” يكمل كيان المسيح ، فهذا يعنى أنه يكمل كيانا - أنت ذاتك - تنتمى اليه ولا تتكمل الا فيه وبه
    - لاتظن يااسرائيل ” الجديد ” ، أن اعطاءك المسيح ، للاخر ، هو” اعطاء القدس للكلاب أو القاء الدرر للخنازير” . لاتظن ، أن وجود الاخر “كاخوة ” لك ، فى المسيح ، هو تخريب وتدمير لمفهوم “الكنيسة ، جسد المسيح ” ، وواقع الحال أنه تدمير لتصوراتك ” أنت ” ، عن الكنيسة . ان انسجام وتجانس الكنيسة ، لن يشق ولن يدمر ، بسبب وجود “الاخر “( رافد الجهالة )، معك فى المسيح .
    4 - ملحوظتان لغويتان :
    - عبارة ” لاتعطوا “، فى الأصل اليونانى ،لاتحمل معنى الامر ، فقد ورد الفعل فى الصيغة المصدرية للزمن الماضى المبنى للمعلوم ، وعليه فان المعنى ، المقصود هونفى حدوث فعل مستقبلى ، أى أن المعنى الصحيح هو : لن تعطوا القدس للكلاب ، بقبولكم أن لكم أخوة ، فى المسيح ، لاينتمون الى حظيرتكم، فى هذا العالم .
    - الفعل ” تمزقكم ” فى ” تلتفت وتمزقكم” ، لايعنى - فى الأصل اليونانى - التمزيق (التدمير ) المادى لشئ ، بل يعنى ضياع هيئة الشئ وتخريب الغرض منه ، كما ورد فى ” لايجعلون خمرا جديدة فى زقاق عتيقة ، لئلا “تنشق ” الزقاق ، فالخمر تنصب والزقاق تتلف . بل يجعلون خمرا جديدة فى زقاق جديدة فتحفظ جميعا “. ( مت 9 : 17 ) ، ( مر 2 : 22 ) ، ( لو 5 : 37 ) ، وكما فى ” وبينما هو ات ” مزقه ” الشيطان وصرعه ، فانتهريسوع الروح النجس ، وشفى الصبى وسلمه الى أبيه ” ( لو 9 : 42 ) .

  13. m-david :

    المقالة الرابعة : مصطلح ، ” الأمم ” .
    —————————————————————————–
    أولا : الخريطة الدينية .
    اسمحوا لى أن أنحت هذا المصطلح ، واننى أرى أنه هم جدا لفهم مصطلح ” الامم” . وما أعنيه ، بتلك ” الخريطة ” هو : علاقة الله بالشرائح المختلفة للبشر ، المعلنة فى الكتاب المقدس ( بعهديه ) . ولهذه الخريطة وجهان : وجه ظاهرى ( يبدو عنصريا ) ؛ فنرى ” شعب الله المختار ” ، الذى أعلن له الله ذاته ،من خلال ” الناموس ” ونرى أيضا - فى نفس المشهد - الأمم ، المحكوم عليهم بالاقصاء من العلاقة نهائيا .ونرى أيضا وجها اخرا للخريطة ، يتكشف فى مسار النعمة ، وهو وجه يمثل ” عدالة الله ” ، المستترة وراء ذلك المشهد ؛ فبينما يحدث ، ” التمرد والرفض “داخل حظيرة الايمان ، التى لشعب الله ” المختار” ، نرى ” رعية ” يتم اجتلابها ، من الأمم ( المرفوضين والمدانين ، سابقا ) ، لتدخل الى حظيرة الايمان . هذا هو النموذج ( الخريطة ) : شعب مدعو للايمان ( داخل الحظيرة ) ، شعوب مرفوضة ( فى الخارج ) ، متمردون ” فى الداخل ” و مستجلبون ( من الخارج ) .
    هكذا كان ” اسرائيل القديم ” ، الشعب المختار ، فى مقابل ” الأمم ” ( الكلاب الضالة ، المدانة ، المحكوم عليها بالموت )، وبينما يتمرد ، ذلك ” المختار” ! ، يقيم الله ، من أولئك “الكلاب ” أمة ” يغيظهم بها ، بقبولهم المسيح ، الذى هو: غاية الناموس ( التى لم يدركوها ) .
    فى العهد الجديد يتجلى تطبيق نفس ” النموذج ” ، ويصبح ” التطبيق القديم ” ، مجرد ” رمز” ، يتم امتلاؤه فى ” التطبيق الجديد ” ؛ فالشعب “المختار” ، فى العهد الجديد ( اسرائيل الجديد )، هو “رافد ” الكنيسة ، التى قبلت دعوة الانجيل ، فى العالم كله . اسرائيل الجديد هو” المدعوون مسيحيين “، هو “رافد الكرازة الرسولية ، للعالم أجمع “. أما فى الخارج ، فيوجد من هم يمثلون ” المفهوم الجديد للأمم ” ، هؤلاء هم المحكوم عليهم ( فى هذا العالم ) ، بالسجن داخل ثقافات ومعتقدات مختلفة ، يكاد يكون من المستحيل اختراقها (عمليا وواقعيا ) بواسطة كرازة الانجيل ، وهم أيضا - وللأسف الشديد - محكوم عليهم من” المسيحيين” ، بالاقصاء خارج ” المسيح ” ، وفى وسط هذه المساحة ( الخارجية ) المترامية من الثقافات والمعتقدات - المغايرة للثقافة والمعتقد المسيحى - يوجد الكثير من البشر الذين قد هيأهم الله ، بالنعمة ليصيروا شركاء فى المسيح ، عوضا عن ذلك ، ” المتمرد” ، داخل ” اسرائيل الجديد ” ، عوضا عن ” ابن الهلاك ” . وفى صلاته الأخيرة ، يقدم الرب يسوع ، ” خريطة ” العهد الجديد ، فى كامل وضوحها ، فيقول : ” حين كنت معهم فى العالم كنت أحفظهم فى اسمك ،الذى أعطيتنى ، حفظتهم ولم يهلك منهم أحد الا ابن الهلاك ليتم الكتاب …. ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط ، بل أيضا من أجل الذين يؤمنون بى بواسطة كلمتهم ” ( يو 17 : 12 و 20 ) .
    ثانيا : عدالة الله .
    نحتاج الى الاستنارة ، لكى نفهم النص الكتابى . فيما يلى بعض النصوص ، ونسال الرب أن ينيرها أمام أذهاننا :
    - ” ” ففتح بطرس فاه وقال : ” بالحق أنا أجد أن الله لايقبل الوجوه . بل فى ” كل أمة “، الذى يتقيه ويصنع البر مقبول عنده . الكلمة (اللوغوس) التى أرسلها الى بنى اسرائيل يبشربالسلام بيسوع المسيح . هذا هو ” رب الكل “.”" ( أع 10 : 34 - 36 ).
    - “” لأنى لست أستحى بانجيل المسيح ، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن : ” لليهودى أولا ثم لليونانى “. لأن فيه معلن بر الله بايمان ، لايمان ، كما هو مكتوب : “أما البار فبالايمان يحيا ” “” .( رو 1 : 16 ) .
    - ” أما الذين بصبر فى العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء ، فبالحياة الأبدية . وأما الذين هم من أهل التحزب ، ولايطاوعون للحق بل يطاوعون للاثم ، فسخط وغضب ، شدة وضيق ، على كل نفس انسان يفعل الشر : ” اليهودى أولا ثم اليونانى” . ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح : ” اليهودى أولا ثم اليونانى “. لان ” ليس عند الله محاباة ” .( رو 2 : 7 - 11 ) .
    - “” لأن الكتاب يقول : ” كل من يؤمن به لا يخزى “. لأنه لافرق بين ” اليهودى واليونانى ” . لأن ” ربا واحدا للجميع “، مغنيا لجميع الذين يدعون ( بضم الياء وتسكين الدال ) به . لأن ” كل من يدعى باسم الرب يخلص ” . فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به ؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به ؟ وكيف يسمعون بلا كارز ؟ .”"( رو 10 : 11 - 14 ).
    – تعليق : عبارة : ” اليهودى أولا ثم اليونانى ” ، هى اشارة لتتابع ادراك ووعى كنيسة العهد الجديد ؛ فاسرائيل ” الجديد” ، الذى صارت اليه دعوة كرازة الانجيل ، هو ” اليهودى ” ، الذى يجتاز الخبرة أولا ، فى هذا العالم ؛ فيقبل - بما أتيح له من وعى - صورة الايمان، بالمسيح ، وهو مدعو لتنامى هذه الصورة، الى الشركة الأبدية فى كيان المسيح ( كرافد من روافد الكنيسة ) ، وبالطبع يتم رفض ” الدعوة ” من قبل ” ابن الهلاك ” . أما ” اليونانى” ، فهو ذلك ” الرافد ” الاتى من “الأمم ، غير المدعوين ، والذى سينفتح ادراكه - لحقيقة ذاته (ككنيسة ) - ” مؤخرا”، عندما يغادر هذا العالم .
    – الية ” عدالة الله ” .
    الله يتيح فرصة عادلة للجميع لكى يأتوا وينضموا الى جسد ابنه . هذه الفرصة ليست متوقفة ،على مستوى الوعى والادراك ” الثقافى ” - نوعا أو كما - ولكنها محكومة ” بالتهيئة الطبيعية ” ، التى تكرسها ” النعمة ” ، فى الفرد الانسانى ، المعين- سابقا - للحياة الأبدية ، فى المسيح يسوع ، ولذلك ، فان المجهولين ، المغتربين - فى “الأمم ” - ماأن يتكملوا- باستثمار ” ناموسهم الطبيعى ” لحساب المسيح ، الا ويقال لهم ” أن وجودهم هو مضمون وغاية “الانجيل ” ، الذى لم تتح لهم الفرصة لكى يؤمنوا به فى العالم :
    - “” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله ، بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون . لأنه ” الأمم الذين ليس عندهم الناموس ، متى فعلوا بالطبيعة ماهو فى الناموس ، فهؤلاء اذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم ، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبا فى ” قلوبهم ” شاهدا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة ، فى اليوم الذى فيه يدين الله سرائر الناس حسب ” انجيلى ” بيسوع المسيح “”( رو 2 : 13 - 16 ).
    - “”فماذا؟ ان كان الله ، وهو يريد أن يظهر غضبه ويبين قوته ، احتمل بأناة كثيرة انية غضب مهيأة للهلاك . ولكى يبين غنى مجده على انية رحمة قد سبق فاعدها للمجد ، التى أيضا دعانا نحن اياها ، ليس من اليهود فقط بل من ” الامم ” أيضا . كما يقول فى هوشع أيضا :” سأدعو الذى ليس شعبى شعبى ، والتى ليست محبوبة محبوبة . ويكون فى الموضع الذى قيل لهم فيه :” لستم شعبى “، أنه هناك يدعون أبناء الله الحى “.واشعياء يصرخ من جهة اسرائيل : ” وان كان عد بنى اسرائيل كرمل البحر ، ” فالبقية ” ستخلص . لأنه متمم أمر وقاض بالبر . لأن الرب يصنع أمرا مقضيا به على الأرض “.وكما سبق اشعياء فقال : ” لولا أن رب الجنود أبقى لنا نسلا ، لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة ” ز( رو 9 ” 22 - 28 ).
    - اذن ، الناموس الطبيعى ( للمختارين من الأمم ) ، من الممكن أن يتطور - بالنعمة النابعة من الكلمة المتجسد - الى ناموس المسيح ، بينما اختزال الناموس (بمفهومه الواسع ) فى صيغة المحتوى الشكلى والتصديق المعتقدى - للمدعوين “مسيحيين ” ، فهذه هى حقيقة وواقع ” ابن الهلاك” .
    — معضلة التناقض بين ” الايمان بالمسيح ” و خلاص “غير المسيحيين” .
    القاعدة الحاكمة هى ” الذى يؤمن به لايدان ، والذى لايؤمن قد دين ، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد ” ( يو 3 : 18 ). والاشكالية ( الظاهرة ) ، هى فى فهم مصطلح ” الايمان ” ، فاذا كان مفهوم الايمان هو مجرد التصديق العقلى لحقائق المسيحية والانخراط فى كل تفاصيل العبادة المسيحية ، تكون النتيجة المنطقية هى ادانة كل من هو خارج حظيرة الايمان المسيحى (بهذا المفهوم ) . وهذه نتيجة خاطئة ، وليدة لمفهوم خاطئ .
    - جوهر الايمان - كما يشرحه الرسول بولس فى (عب 11 ) - هو الرجاء غير المنظور ، أى تجاوز وتخطى كل مايرى فى اتجاه سر المسيح .
    - عندما يقول الرسول بولس : ” الكلمة قريبة منك ، فى فمك وفى قلبك ” أى كلمة الايمان التى نكرز بها : لأنك ان اعترفت بفمك بالرب يسوع ، وامنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات ، خلصت . لأن القلب يؤمن به للبر ، والفم يعترف به للخلاص ” ( رو 10 : 8 - 10 ) ، فاننا نستطيع أن نرصد مستويين للايمان : المستوى الأول هو ” صورة الايمان ” ( ان اعترفت بفمك بالرب يسوع ) ، والمستوى الثانى هو ” جوهر الايمان ” ( امنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات) . هذه هى الصيغة الايمانية للمدعوين “مسيحيين ” : صورة ايمانية ( اعتراف بالايمان ، دعوة الانجيل ) يتطور بالنعمة الى ” جوهر الايمان “، أى الشركة فى شخص المسيح بالقيامة معه. المستهدف هو جوهر الايمان ، هو الشركة فى المسيح ، الأمر الذى تتممه النعمة عندما يتجاوز المسيحيون “صورة ايمانهم ” منطلقين نحو العضوية فى المسيح ، حيث لاوجود للصورة بل للشخص .
    - المختارون ، من “الأمم ” ليس لديهم ” صورة الايمان ” ، ولكنهم - فى مسار نعمتهم الخاص بهم - انما يتجاوزون ويتخطون ذواتهم نحو “جوهر الايمان” ، ليجدوا أنفسهم وقد جمعتهم الشركة فى المسيح، باخوة لهم ، قد أطلق عليهم - فى العالم - المسيحيون .
    - ابراهيم ، أبو الاباء ( “عميد الأمم” ، ان جاز التعبير) تجاوز ذاته فمارس عمق جوهر الايمان ؛ ” لما دعى أطاع أن يخرج الى المكان الذى كان عتيدا أن يأخذه ميراثا ، فخرج وهو لا يعلم الى أين يأتى . ” ( عب 11 : 8 ) . تجاوز ذاته حتى الموت اذ ” قدم الذى قبل المواعيد ، وحيده الذى قيل له : ” انه باسحاق يدعى لك نسل “. اذ حسب أن الله قادر على الاقامة من الأموات أيضا ” ( عب 11: 17 - 19 ) . وهكذا امن ابراهيم بقلبه أن الله أقام يسوع من الأموات ( بايمانه أن الله قادر على اقامة وحيده ، ” اسحاق “من الأموات) ، لذلك “حسب له برا ” ( رو 4 : 4 ). ” لأن القلب يؤمن به للبر” رو 10 : 10 ).
    - عبارة ” حسب له برا ” ، أشبه بمقاصة - ان جاز التعبير ( مقاصة الايمان ) . ماهو مقدار تجاوزك لذاتك ؟ هذا هو سؤال الايمان . هل تجاوزت حتى ” الموت مع المسيح ” ، وبالتالى حتى القيامة معه ؟. الكل سوف يخضع لهذه ” المقاصة “، مسيحيون وغير مسيحيين ( يهودا وأمما ) : “ولكن لم يكتب من أجله وحده أنه حسب له ، بل من أجلنا نحن أيضا ، الذين سيحسب لنا ، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الاموات . الذى أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا “. ( رو 4 : 23 - 25 ) .
    - االنقطة الحاكمة ، بخصوص الايمان هى “جوهر الايمان “وليست ” صورة الايمان ” . جوهر الايمان متاح للجميع ( المدعوين ،المؤمنين بالانجيل والمختارين المهيئين من الأمم ) . صورة الايمان (فقط ) ، هى كل مايمتلكه ” ابن الهلاك ” المحسوب - هنا فى هذا العالم - على المدعوين، مسيحيين .

  14. مجدي :

    الاخ العزيز في الرب Bazianos
    اشكر المسيح من أجل محبته ومحبتكم لي
    واشكركم من اجل سعة صدركم وصبركم على ضعفاتي وجهلي إذ لم ادري حقا انني أعظ ولكني بكل نيه صادقة تكلمت عن ما اعتقده في المحبة التي قال عنها الرسول بولس في رسالته الى الكورنثوسيين فهي في قمتها تكلم عنها بولس الرسول وفي المسيح وبواسطة الصليب أستعنت بكامل قوتها ومجدها بضعف كاف لكي نفحصها وقد تساءلت بالحق اين ذهب يهوذا؟ اقول انني لا اعرف اين هو ولا اريد ان اعرف فالذي اريد ان اعرفه حقا هو المسيح واقبل محبته الحقيقية لي والتفكير في اين يهوذا واين يذهبون الآخرون يمنعني من الوصول الى حقيقة المسيح الفادي، الموضوع غير ما وصلك وذلك علي ما اعتقد انني لم استطيع توضيح فكرتي بالشكل المناسب ولا اعتقد أن الموضوع بهذه السهولة ان نجيب وليس ايضا بالوعظ فيهوذا مأساة متحركة نحو نهايتها الحتمية يهوذا فقد رجاءه في الخلاص وهذا اخطر ما في حكايته المأساوية وكون يهوذا سارق او خائن سلم المسيح لاعدائة - تخيل معي لو لم يسلمه يهوذا - لن يذهب للجحيم لهذه الاسباب بل حسب إدانة الرب له وليس لنا في ادانته شيء فاين ذهب؟ هذا للرب الذي دفع الديون جميعها. أما أخواننا الذين نعيش وسطهم فأنا أحمل وزرا كثيرا مما عليهم فالنور الذي فيّ ليس نور المسيح وفكرة ومحبته. وشكرا ليسوع ولكم

  15. m-david :

    المقالة الخامسة : ” مقاصة الايمان ” .
    ———————————————————-
    اسمحوا لى أن أستخدم هذا التعبير ( التجارى ) ، الذى يبدو غريبا عن سياق حديثنا ، ولكننى أجده هاما للغوص فى مفهوم ” الايمان ” ، فعندما يقدم الرسول بولس - فى ( عب : 11 ) - أعظم تنظير لمفهوم الايمان ، فهو لايقدمه كمضمون لصورة ، ثابتة ، محدده ولكنه يقدمه ” كمعالجة ” بالنعمة لصور حياتية ،مختلفة عاشها رجال الله ، المؤمنون - كل فى زمانه الخاص وفى “صورته ” الخاصة ، وبالرغم من ذلك، قال عنهم أنهم : ” ” فى الايمان مات هؤلاء أجمعون ، وهم لم ينالوا المواعيد ، بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها ، … ولكن الان يبتغون وطنا أفضل ،أى سماويا . ” لذلك ” لايستحى” بهم الله أن يدعى الههم ، لأنه أعد لهم مدينة ” . “” ( عب 11 : 13 - 16 ).
    لذلك - وبصفة عامة - نجد الرسول بولس - حينما يتحدث عن المفهوم الشامل ، والعميق للايمان ، الذى يتحقق به وجود الكنيسة ، بكل روافدها - فانه يستخدم كلمات تفيد ” تلك المعالجة النعموية ” لصور ايمان عظماء الايمان ، المختلفة ؛ فيستخدم فعلا مثل ” يستحى ” ، الذى ذكرناه فى الاقتباس السابق . ايضا فى مثل اخر ، يقول : ” لأنى لست ” أستحى” بانجيل المسيح ، لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن : لليهودى أولا ثم لليونانى . لأن فيه معلن بر الله بايمان ، لايمان ، كما هو مكتوب : “أما البار فبالايمان يحيا ” .( رو 1 : 16 و 17 ) . وأيضا كما فى : “” لانه لاق بذاك الذى من أجله “الكل ” وبه ” الكل”، وهو ات بأبناء كثيرين الى المجد ، ان يكمل رئيس خلاصهم بالالام . لأن المقدس والمقدسين “جميعهم ” من واحد ، فلهذا السبب “لايستحى ” ان يدعوهم اخوة ، قائلا : ” أخبر باسمك اخوتى ، وفى وسط “الكنيسة ” أسبحك “.”" ( عب 2 : 10 - 12 ).الاستحياء ( الخجل ) هو الشعور بعدم لياقة أمر ما . وعدم الاستحياء - الذى نحن بصدده - يعنى أنه ليس من غير اللائق بالله أن يؤمن به البشر، منطلقين من صور شتى ، متعدده ولكنه يليق بالله أن يؤمن به الكل ، فى الكنيسة . وحقيقة الأمر هى أن الاستحياء والخجل هومنظورنا ، نحن ، الذين نعتقد أنه لايليق أن يوجد فى كنيسة الله أى روافد غيرنا .
    وأيضا ، هناك فعل اخر يستخدمه الرسول بولس ، يفيد مضمون اعادة التقييم والحساب ، الذى يكشف بعدا جديد ” للصورة ” ، لم يكن واضحا قبلا ، كما فى : ” ” فان الختان ينفع ان عملت بالناموس . ولكن ان كنت متعديا الناموس ، فقد صار ختانك غرلة ! اذا ان كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس ، أفما ” تحسب ” غرلته ختانا ؟ وتكون الغرلة التى من الطبيعة ، وهى تكمل الناموس ، تدينك أنت الذى فى الكتاب والختان تتعدى الناموس ؟ لأن اليهودى فى الظاهر ليس هو يهوديا ، ولا الختان الذى فى الظاهر فى اللحم ختانا ، بل اليهودى فى الخفاء هو اليهودى ، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان ، الذى مدحه ليس من الناس بل من الله “” .( رو 2 : 25 - 29 ) .
    - ابراهيم ، أبو الاباء ( عميد الأمم ، ان جاز التعبير ) ،” ” امن بالله ” فحسب ” له برا ” ( غل 3 : 6 ) . - ” ولكن لم يكتب من أجله وحده أنه “حسب ” له ، بل من أجلنا نحن أيضا ، الذين ” سيحسب ” لنا ، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات . الذى أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا ” ( رو 4 : 23 - 25 ) . - ” بالايمان قدم ابراهيم اسحاق وهو مجرب . …اذ “حسب” أن الله قادر على “الاقامة من الأموات ” .( عب 11 : 17 - 19 ) .
    - بالايمان سارة نفسها أيضا أخذت قدرة على انشاء نسل ، وبعد وقت السن ولدت ، اذ ” حسبت ” الذى وعد صادقا ” ( عب 11 : 11 ).
    - “” بالايمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون ، مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله .. ” حاسبا ” “عار المسيح “غنى أعظم من خزائن مصر ، لأنه كان ينظر الى المجازاة . “” ( عب 11 : 24 - 26 ) .
    – كل شخص من عظماء الايمان ، المذكورين فى ” عب11 ” قد عاش خبرة خاصة به ، عاش صورة معينة ، ولكن الجميع قد اتفقوا فى شئ واحد ، هو أنهم كانوا ينظرون الى مابعد ” الصورة ” ؛ فان اختلف الجميع فى تفاصيل و أحداث صور الايمان ، فقد اتحد الجميع فى ” تأويل ” وجوهر كل الصور ، أى ” شخص المسيح ” .
    - الايمان ليس صورة محددة ولكنه تجاوز كل الصور . ” تشييئ ” الايمان فى صورة محددة هو تفريغ للايمان من مضمونه . الصورة هى الخبرة البشرية - الأولى - بالله ، والتى - من المفترض - ان تخضع لتجاوز النعمة ، فى طريق الشركة ، فى المسيح .
    - وبالنسبة لنا ، نحن المسيحيين فان فهمنا لكلمات الانجيل ، واستيعابها “ذهنيا ” ، هو مجرد “صورة ” ، والنقطة الحاكمة هى : جوهر تلك الكلمات ( شخص المسيح ) ، وليس مجرد الصورة الذهنية عن المسيح . الايمان بالمسيح هو تجاوز الصورة الذهنية التى كوناها عن المسيح الى الشركة فى شخص المسيح .
    - ومن المنظور العام والشامل فان الصورة ” الاستاتيكية ” ( الثابتة ، الساكنة ) ليست هى طبيعة الايمان بل ان ” ديناميكية ” تجاوز هذه الصورة - أيا كانت ( عقيدة أو ثقافة ) - فى اتجاه المسيح هى جوهر حركة الايمان ، وهذا يقودنا الى القول بأن كل الصور هى ” متكافئة ” وليس هناك أى أفضلية -لصورة على أخرى - بالنسبة الى الجوهر النهائى ، المحقق من خلال تجاوز كل الصور ( شخص المسيح الممتلئ بالكنيسة ).
    - أينما تتجه عيناك - فى الكون - فالمفترض أنهما تتجهان صوب المسيح ، الكلمة الحال فى الكل . القضية الأساسية هى قدرتك على البصر ، تلك القدرة التى تنطلق من ” حالة العمى ” ! ؛ فالكل عميان ، يبدأون رحلة الايمان ، فتنفتح أعينهم فى المسيح ليدركوا - حينئذ - مدى فشل وانهيار “الصورة ” الأولى ، والأمر أشبه بأن تضع عدة صور أمام عدد مماثل من العميان ، واتركهم يتخيلون - كل بطريقته - ماعسا أن تكون تلك الصور ، وتخيل حكمهم على تلك الصور - فى حالة افتراضنا بأنهم جميعا قد أبصروا . الاجابة الوحيدة الصحيحة هى أن الكل وان كان قد اختلفت الصور الموضوعة أمامهم ، الا أنهم جميعا قد اتفقوا على حكم واحد بخصوص جميع الصور الذهنية التى كونوها ، وهذا الحكم هو أن كل هذه الصور ليست هى الحقيقة .
    - كل الصور هى متكافئة - ايجابيا - من منظور قابليتها لاختراق النعمة ، وتجاوزها ، الذى يصب فى المسيح . وكل الصورهى متكافئة - سلبيا - من منظور تركها والتخلى عنها فى المسيح .
    - صورة ايماننا - نحن المسيحيين - هى صورة متكافئة مع كل الصور ، الاستاتيكية الأخرى - من حيث كونها لاتمتلك القوة الذاتية للوصول الى ” الأصل ” - مالم يتم اخضاعها وتجاوزها بالنعمة ؛ فنحن نقبل الانجيل ” كلمة الله المكتوبة ” بعقولنا الطبيعية ، ولكن اشتراكنا فى ” الكلمة الشخص ” لم يتكمل ، بعد ، ونحن ندخل الكنيسة ” المبنى “ولكن دخولنا الى ” الكنيسة ، جسد المسيح ” لم يتكمل ، بعد ، نحن نؤدى الطقوس الأورثوذكسية ولكننا لم نتحرر الى طقس السماء ، بعد . نحن نعيش المنظور ولكننا لم نعش غير المنظور ، بعد .
    اختزال القضية - فى مجرد التعاطى مع الصورة الاستاتيكية - هو الاقصاء الأبدى عن المسيح .
    - الفرق الأساسى بين تعاطى النعمة - مع صورتنا - وتعاطيها مع صورة” الاخر” ( غير المسيحى ) هى فى ” الية التجاوز ” ؛ فبينما يتم ذلك - بالنسبة لنا - بطريقة ” كمية ، ترااكمية ” ، يتم - بالنسبة للاخر - بطريقة ” نوعية ، دراماتيكية ” . بالنسبة لنا ، يتطور مستوى وعينا تدريجيا ، فيتنامى ادراكنا لكياننا ، ككنيسة أى يتنامى ادراكنا لسر المسيح ، وبالنسبة للاخر ، تنفتح عيناه بطريقة مفاجئة ، لبجد نفسه فى المسيح ، بالمسيح . بالنسبة لنا ، يجب أن يوضع ” الطين ” - الذى صنعه يسوع - على أعيننا ، ثم يجب أن نجتاز الطريق الى سلوام ، ثم يجب أن نغتسل ، وفى نهاية الطريق ( التراكمى ) ، نعود مبصرين ، وبالنسبة للاخر يكفى أن ” يقول له يسوع ” اذهب . ايمانك قد شفاك ” فللوقت يبصر ويتبع يسوع فى الطريق ” .( مر 10 : 52 ) .
    - التنامى االتدريجى لوعينا ( نحن المسيحيين ) ، بالمسيح ، لايفرض على المسيح تطبيق نفس الأسلوب مع الاخر ؛ فهو قادر أن يعطى الاخر ، الحد الأقصى للوعى ، الذى لم نستطع ، نحن الوصول اليه ، الا تدريجيا ؛ فبينما كان لابد لمرضى ” بيت حسدا ” أن يتم طرحهم - فى البركة - بعد نزول الملاك وتحريكه للمياه ، لكى يتم شفاؤهم ، بينما يحدث هذا ، جاء الرب يسوع ، مباشرة الى المفلوج - منذ ثمانية وثلاثين عاما - وأعطاه الشفاء . لقد كان مسار شفاء مفلوج بيت حسدا متجاوزا ، تماما لصورتنا نحن ( الاستاتيكية ) ،والتى افترضت أنه يجب أن ينزل الملاك ، المحرك أولا ، ويجب أن يتوفر من يقوم بالقاء المرضى فى البركة . ولم تكن هذه الصورة - بتفاصيل طقسها - ملزمة للرب يسوع ، خالق كل الصور ، ولم تمنعه من المجئ بذاته ، وبطريقة مباشرة ، ليأمر المفلوج - الذى لم يكن يعرفه ولم يسمع عنه قبلا- أن يحمل سريره ويمضى .
    الخلاصة : الية ” التجاوز والتخطى ” - لكل الصور - الحادثة بالنعمة - هى رمانة ميزان عدالة الله ، بخصوص الفرصة المتكافئة للكل ، وهى أساس “مقاصة الايمان “، التى تزن وتحسب ماتستحقه صور الوعى البشرى المختلفة ، والتى هى مختارة لأن تشترك فى المسيح .

  16. m-david :

    عتاب محبة ..
    —————————————–
    استاذى العظيم ، د/ جورج حبيب .
    أنت لاهوتى أكاديمى ، بدرجة امتياز ، ولكن - حاللنى فى القول - أنه بقليل من الخيال الابداعى - غير الخارج عن الثوابت - تصير أعظم عباقرة اللاهوت فى هذا الجيل .
    قد كان من الممكن أن تتركوا لى المجال لكى أكمل هذه الدراسة - التى ماتزال فى مرحلة ارهاصات البداية ، وخصوصا أننا فى “مساحة حرة ” ، لاتعبر الا عن اراء المدونين .
    سؤال : ” هل يخلص غير المسيحى ؟ “هو سؤال غير تقليدى ، يحتاج اجابة غير تقليدية ، لاتخرج عن الثوابت ولكن تعيد اكتشاف الثوابت ، فى رؤية مستيرة شجاعة تتجاوز العنصرية “الطبيعية ” المتغلغلة فى الفكر الدينى ، بسذاجته الأولى .
    ولكن .. هذا هو اختياركم .
    أرجو لكم وللموقع عظيم الثمر .
    دمتم فى المسيح .

  17. m-david :

    استاذى العظيم .
    هذا هو عهدى وظنى بكم . أدامكم الرب ، وأدام موقعكم ، هذا ، منارة وسط هذه الظلمة الحالكة .
    صلى لأجلى كثيرا لكى يسندنى الرب فى هذه المسئولية التى حملتمونى اياها .

  18. m-david :

    المقالة السادسة : السرالكنسى وعلاقته بالاخر ( غير المسيحى ).
    ——————————————————————————————-

    والان لنا سؤال كاشف : هل يجوز لنا أن نعتقد بأن قدرة ” سر المسيح ” ، مغلولة بسقف وعينا وادراكنا به ؟ هل يحدد مستوى الوعى - بسر المسيح - مدى استحقاق هذا السر فى البشر ؟ أم أن سر المسيح ( الكلمة المتجسد فى البشر ) هو الاختراق الأعظم فى الخليقة ، الذى لايمكن أن يحتكره ، مجرد الوعى به والادراك له من قبل شريحة معينة ، من البشر ، . وبالتالى فان تلك القدرة تتخطى - بطريقة مطلقة - أى مستوى من مستويات الوعى
    والادراك البشرى ؟
    —— سر المسيح و” الصورة ”
    نحن المدعوون مسيحيين ، ونحن ننطلق الى الشركة فى سر المسيح ، انما ننطلق من مستوى وعى ” نسبى ” يميزنا عن الاخر- الذى بلا وعى ولاادراك لذلك السر- ولكن يظل هذا المستوى ، من الوعى - واقعيا - جهالة ، ويبقى مجرد منطلق وبداية لحركة السر ، وليس كمال السر .
    نحن ننطلق من صورة ” ذاتنا ” ، من صورة أنانيتنا ونرجسيتنا ، نحو ” ذات بديلة ” هى شخص المسيح .
    — طقس السر الكنسى هو صورة وعينا ” النسبى ” بذاتنا وبسر المسيح ، تلك الصورة التى نتجاوزها فى ديناميكية ” الرمز” التى تصب فى المسيح .
    - نحن نعى وندرك صورة خلقتنا وولادتنا من العدم - واصطباغنا بصبغة الوجود - حينما ننطلق من طقس المعمودية .
    غاية المعمودية هى أن نصطبغ بالمسيح ( قد لبستم المسيح . غل3 :27 ) . فهل مازلنا نعتقد بأن المعمودية هى فقط مجرد صورة التغطيس (فى الماء المقدس ).؟
    - نحن نعى وندرك صورة هشاشة وجودنا وعدم ثباته ، حينما ننطلق من طقس المسحة (التثبيت ) .
    غاية “المسحة” هى أن يصير وجودنا - فى المسيح - هيكلا أبديا للروح القدس . فهل مازلنا نعتقد بأن ” سرالمسحة ” هو مجرد ، صورة مسحة الزيت المقدس؟
    - نحن نعى وندرك صورة تشرذمنا وتفرقنا ، حينما ننطلق من طقس كسر الخبز ( الافخارستيا ) .
    غاية الافخارستيا هى أن نصير شركاء فى جسد المسيح . فهل مازلنا نعتقد بأن الافخارستيا هى مجرد صورة الأكل لخبز مقدس ؟
    - نحن نعى وندرك صورة مرض طبيعتنا ، حينما ننطلق من طقس مسحة المرضى .
    غاية “سر الشفاء “هى أن يتم شفاء طبيعتنا من داء الموت ، بالشركة فى المسيح ، الطبيب والترياق بان واحد .فهل مازلنا نعتقد بأن “سر مسحة المرضى ” هو مجرد صورة مسحة زيت القنديل ، طلبا للشفاء؟
    - نحن نعى وندرك صورة عتيقنا ، حينما ننطلق من طقس التوبة والاعتراف .
    غاية “سر التوبة ” هى “العودة” الى النموذج الأصلى لوجودنا ، الذى أعده الاب لنا قبل خلقة العالم ، نموذج ” الرب يسوع المسيح “. فهل مازلنا نعتقد بأن “التوبة ” هى مجرد صورة الاقرار بقائمة سلوكية معينة ، والتعهد بالاقلاع عنها ؟
    - نحن نعى وندرك صورة جهلنا وعدم معرفتنا بالاخر ، حينما ننطلق من طقس الحب الزيجى .
    غاية ” سرالزيجة “هى أن تصير الكنيسة عروسا لرأس كيانها ، المسيح . فهل مازلنا نعتقد بأن سر الزيجة هو مجرد صورة ” شرعنة ” العلاقة بين الرجل والمرأة ؟
    - نحن نعى وندرك صورة أنانيتنا ، حينما ننطلق من طقس الكهنوت .
    غاية الكهنوت هى أن تصير لنا القدرة والسلطان على تقديم ذواتنا قربانا مقبولا لدى الاب فى جسد ابنه ، الكاهن والذبيحة . فهل مازلنا نعتقد بأن ” الكهنوت هو مجرد صورة الكاهن ،العتيق الذى له السلطان وحده لتقديم ذبائح عن الشعب ؟
    - اذن : صورة السر (الطقس ) هى مجرد منطلق لحركة ” الرمز” - الذى يكشفه ويملأه السر - نحو جوهر السر ، “شخص المسيح ذاته ” . وأما نظرة ” التماهى ” بين الصورة والجوهر، والتغاضى عن حركة الرمز- التى هى بمثابة رحلة النعمة الفاصلة بينهما - فهى التى تدمر مفهوم السر ، وتعيده الى الممارسات الفريسية العتيقة ، وربما تعيده الى الوثنية !.
    — نحن المسيحيون ، حينما نمارس السر الكنسى فنحن نعيش المسيح ، ولسنا نعيش صورة السر ( طقس السر ) . المسيح شخص حى وليس صورة طقسية . المسيح واحد يجمع الكل و”صور ” السر الكنسى متعددة ، ولكن كل منها ، على حدة يهدف الى الشركة فى المسيح الواحد .
    سر المسيح هو سر كامل ؛ نحن لايمكن أن ” نعتمد “، حقا ، مالم يكن قد صرنا ” افخارستيين “، ومالم يكن قد شفيت طبيعتنا ، وما لم يكن قد صرنا كهنة ، وما لم يكن قد صرنا عروسا للمسيح ، وما لم يكن قد عدنا ( تبنا ) الى نموذجنا الأصلى ( الرب يسوع المسيح )، وما لم يكن قد صرنا هيكلا للروح القدس . فأى صورة من صور الأسرار السبعة ليست لها أى جدوى ، ما لم يكن استحقاقها هو شخص المسيح الممتلئ بالكنيسة .
    — والان نستطيع أن نقول بأن طقس السر ليس هو النقطة الحاكمة ، وليس هو المعيار الذى يحتكم اليه فى دينونة الاخر ، بل ان المعيار هو جوهر السر ، شخص المسيح ذاته ، ذلك الشخص الذى ، من المستحيل أن يكون الطريق اليه ، غيرمنطلق الا من “صورتنا ” نحن فقط .
    هذه الصور هى صورنا نحن ، ننطلق منها لنتجاوزها الى الشخص ، وأما الاخر “غير المسيحى ” فالكلمة المتجسد ، له القدرة أن يأتى به محققا سره فيه : فيلبسه ذاته ، صابغا اياه، دون احتياج لصورة ” صبغة الماء ” ، وجاعلا اياه هيكلا للروح القدس ، دون احتياج لصورة “مسحة الزيت ” ، مصيرا اياه شريكا فى جسده ، دون احتياج لصورة ” الشركة فى الخبز المقدس “، معطيا اياه الشفاء من داء الموت الطبيعى ، دون احتياج لصورة ” صلاة زيت القنديل ” ، جاعلا اياه كاهنا يقدم ذاته للاب ، دون احتياج لصورة ” الكاهن رافع الذبيحة ” ، جاعلا اياه يعود الى النموذج الأصلى الذى خلقه الله من أجله ، تاركا عتيقه ، دون احتياج الى صورة ” الاقرار بمظاهر وسلوكيات ” هذا العتيق ، جاعلا اياه عروسا له دون احتياج الى صورة ” الاحتفالية بشرعنة علاقة الحب الزيجى “.
    الخلاصة .
    ———————-
    اذا كان سر المسيح هو مجرد طقس ( صورة ) فانه يجوز لنا - بضمير مستريح - أن نكون قضاة وأن نحكم بالهلاك الأبدى على الاخر (الذى بلا طقس ) ، ويجوز لنا أيضا أن نطرده من الشركة فى المسيح . ولكن اذا كان سر المسيح هو شخص المسيح “ذاته ” ، فانه يجب علينا أن نعتقد بأنه يليق بذلك الشخص ان يكون قادرا على تكميل كيانه ، برافد يجتلبه من ذلك ” الاخر” ، أيا كان طقسه ( صورته ) .
    —————————————————-
    ملحوظة / يمكن العودة الى شرح مستفيض عن الأسرار ، على هذه المدونة ( مساحة حرة ) ، تحت التعليقات الخاصة بمقالة د/ جورج خبيب ” لوثر والاباء :العشاء الربانى - تدوينات قديمة.

  19. m-david :

    المقالة السابعة : مصطلح ” الكرازة ”
    ——————————————
    فى سياق تنظير الرسول بولس - بالروح - لمصطلح ” الكرازة ” ، نجده يقدم تعبيرا عجيبا ومدهشا هو “جهالة الكرازة ” : ” لأنه اذ كان العالم فى حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة ، استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة .” 01 كو : 21 ) .
    – لغويا ، مفردة ” الجهالة “، الواردة هنا ، ( فى الأصل اليونانى ) لاتعنى ” عدم المعرفة ” بل تعنى عدم فاعلية (عدم صلاحية ) المعرفة ، المتاحة ، ويستخدم الرسول بولس - فى نفس السياق - مفردة مقابلة ، فى المعنى هى مفردة ” الحكمة ” . والحكمة ليست هى المعرفة ، بل هى قوة وفاعلية وجوهرالمعرفة ، . ولعل أفضل مثل على هذه المقابلة ، الكاشفة هو هذه الاية : ” فان كلمة الصليب عند الهالكين “جهالة “، وأما عندنا نحن المخلصين فهى ” قوة الله “، لأنه مكتوب : ” سأبيد حكمة الحكماء، وأرفض فهم الفهماء ” ( 1 كو 1 : 18 و 19 ) .
    - ” الحكمة ” ، فى النهاية هى ” شخص الكلمة ” .
    - ” الجهالة ” هى البطلان ، هى ” التحييد ” ، هى الصورة ” الميتة ” ، لشئ موجود ، ولعل أعجب مثل نضربه ، من الكتاب - وقد ورد فيه الفعل الأصلى الذى اشتق منه ، اسم ” الجهالة ” - هو : ” انتم ملح الأرض ، ولكن ان ” فسد ” الملح فبماذا يملح ؟ لايصلح بعد لشئ ، الا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس . ” ( مت 5 : 13 ).
    — “جهالة ” الكرازة :
    تعنى ” تحييد ” الكرازة - من منظور قوتها الذاتية - فى تحقيق هدفها فى العالم . الكرازة تقدم “صورة المسيح ” للعالم ولكن جوهر الكرازة هو ” شخص المسيح الحى ” وليس صورة المسيح . القوة الفاعلة - فى مسار حركة الكرازة - هى شخص يحقق وجود ذاته ، الممتلئة بالكنيسة.
    - جهالة الكرازة لها مستويان : المستوى الخاص بما هوخارج مسار دعوة الكرازة ، وهذا تحييد “طبيعى ” للكرازة ؛ نظرا لغياب الكرازة تماما ، والمستوى الخاص بدعوة الكرازة ، ذاتها ، فالفعل الكرازى يتم بقوة تتخطى مجرد الكرازة ، حتى لايكون لأحد فخر : ” فانظروا دعوتكم أيها الاخوة ، أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ، ليس كثيرون أقوياء ، ليس كثيرون شرفاء ، بل اختار الله جهال العالم ليخزى الحكماء واختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء . واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود ، لكى لايفتخر كل ذى جسد أمامه . ومنه أنتم بالمسيح يسوع ، الذى صار لنا جكمة من الله وبرا وقداسة وفداء . حتى كما هو مكتوب : ” من افتخر فليفتخر بالرب ” .( 1كو : 26 - 31 ) .- ” وأنا كنت عندكم فى ضعف ، وخوف ، ورعدة كثيرة . وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الانسانية المقنع ، بل ببرهان الروح والقوة . لكى لايكون ايمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله “.( 1كو 2 : 3- 5 ).
    - الانجيل - الذى تستهدف حركة الكرازة توصيله للمدعويين - ليس مجرد رسالة مكتوبة ، بل هو مجد المسيح ذاته الذى يحققه المسيح بذاته ، وأما الكلمة المكتوبة ، العارية من جوهرها الشخصى ( المسيح) ،فهى ” الانجيل المكتوم ” ، الذى لايحمل أى قوة ذاتية فى مسار الفعل الكرازى : ” ولكن ان كان انجيلنا مكتوما . فانما هو مكتوم فى الهالكين ، الذين فيهم اله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين ، لئلا تضئ لهم انارة انجيل مجد المسيح ، الذى هو صورة الله. فاننا لسنا نكرز بانفسنا ، بل بالمسيح يسوع ربا ، ولكن بأنفسنا عبيدا لكم من أجل يسوع . لأن الله الذى قال : ” أن يشرق نور من ظلمة ” ، هو الذى أشرق فى قلوبنا ، لانارة معرفة مجد الله فى وجه يسوع المسيح . ” ( 2كو 4 : 3 - 6 ).
    — كرازة الدعوة :
    التدبير الخاص بالمدعويين ، فى مسار حركة الكرازة - فى العالم كله - هو تدبير الشركة فى موت المسيح ؛ الصلب مع المسيح ؛ يتم هذا الحدث بطريقة تراكمية تغطى زمن حياة المدعويين ،على الأرض :
    - “ولكننا نحن نكرز بالمسيح “مصلوبا ” : … .. للمدعويين : يهودا ويونانيين ، فبالمسيح قوة الله وحكمة الله .”( 1كو 2 : 23 و 24 ).
    - ” وأنا لما أتيت اليكم أيها الاخوة، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مناديا لكم بشهادة الله ، لأنى لم أعزم أن أعرف شيئا بينكم الا يسوع المسيح واياه مصلوبا .” ( 1كو 2 : 1و2 ) .
    - ” فانكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس ، ” تخبرون بموت الرب الى ان يجئ ” .( 1كو 11 : 26 ) .
    اذن ، رافد الكنيسة ، النابع من المدعويين- المستهدفين بالكرازة - هو ذلك الرافد الذى يختبر موت المسيح هنا فى هذا العالم ، فيختبر قيامته ويختبر مجيئه ، فيه تدريجيا ( على مستوى الفرد والجماعة بان واحد ).
    —- شريحتان مأزومتان ( فى هذا العالم)، حيال مضمون ( جوهر ) الكرازة .
    ———————————————————————————————–
    يقدم الرسول بولس ، جوهر دعوة الكرازة ( الموت مع المسيح ) فى مقارنة مع شريحتين ، مازومتين لاتستطيعان أن تجتازا نفس الترتيب، بل تحتاج ، كل منهما الى عطية خاصة لعبور هذه الهوة : “لان اليهود يسألون اية ، واليونانيين يطلبون حكمة ، ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا : لليهود عثرة ، ولليونانيين جهالة ! وأما للمدعويين : يهودا ويونانيين ، فبالمسيح قوة الله وحكمة الله .”( 1كو 1 :22 -24 ).
    — اليهودى ” المتعثر” هو “اسرائيل القديم ، كنيسة العهد القديم ، هو ذلك الرافد - من روافد كنيسة المسيح - الذى عاش “موعد” المسيح ، من بعيد وصدقه ( عب 11 : 13 ) ولكنه مات ، بحكم طبيعته، وعندما ظهر المسيح ( جوهر الكرازة )، لاحت بينه وبين ذلك الجوهر ، هوة فاصلة ، هى عثرة موته ؛ لذلك فهو يحتاج ” اية ” ؛ يحتاج أن ” يبعث ” من موته ، بطقس خاص به ، يختلف عن طقس “دعوة الكرازة ” ، طقس الكرازة المباشرة للشخص ذاته ، الذى هو جوهر الكرازة ، ذلك الشخص الذى ذهب فكرز للارواح التى فى السجن ( 1 بط 3 : 19 ). هذا هو رافد ” الراقدين ” الذين سيحضرهم الله بيسوع أيضا معه “( 1 تس 4 : 14 ) .
    — اليونانى ( الأممى ) ” الجاهل ” هو ذلك الرافد - من روافد الكنيسة - الذى لم تصله دعوة الكرازة ، مطلقا . هو ” بلا كارز” ( رو 10 : 14)، لذلك هو يطلب “حكمة ” ، يطلب المسيح وبواسطة ” الكلمة ” الحال فيه والذى اختاره - مهيئا اياه - تصير له الشركة فى المسيح ، بطقس مباشر ، لايخطر على قلب ” أبناء دعوة الكرازة “.
    - هذان هما ” بوانرجس “، ابنا الرعد ، ( مر 3 : 17 ) ، اللذان ينفتح وعيهما بذاتيهما - ككنيسة - بغتة فى المسيح . هذان هما جناحا الكنيسة اللذان قد اعد لهما من الاب ( مت 20: 23 ) أن يجلسا عن يمين وعن يسار الرب فى ملكوته . هما - بالتأكيد - لم يشربا كأسه ولم يصطبغا بصبغته ( بنفس الصورة الحادثة لنا ، نحن أبناء دعوة الكرازة ) - وهذا يتضح من السؤال الاستنكارى : ” لستما تعلمان ما تطلبان . أتستطيعان أن تشربا من الكأس التى سوف أشربها أنا ، وأن تصطبغا بالصبغة ( المعمودية ) التى أصطبغ بها أنا ! “قالا له : ” نستطيع ” ( مت 20 : 22 )، ولكنه عاد فأعلن لهما أن هناك عطية خاصة قد أعدت لهما ، تجعلهما يشتركان فى الكأس وفى الصبغة : ” فقال لهما : أما كأسى فتشربانها والصبغة التى أصطبغ بها أنا تصطبغان. وأما الجلوس عن يمينى وعن يسارى فليس لى أن أعطيه الا للذين أعد لهم من أبى . ” (مت 20 : 23 ).
    - هذان هما جناحا الكنيسة ، المستتران ،هنا فى العالم ؛ فتبدو كنيسة دعوة الكرازة ، منتصبة على قدميها ، لاتعى جناحيها ” المحيدين ” ؛ فلم تحلق الكنيسة ، بعد ، فى السماء ولكن حينئذ فقط ، فى المسيح الممتلئ تبدو الكنيسة فى كامل وعيها ، محلقة بجناحيها . وأما الان فيجب علينا نحن أبناء دعوة الكرازة ان نتحرر من “عنصريتنا ، ومن ” غيظنا من أجل الأخوين “، كما فعل العشرة ( مت 20 : 24 ) ، وهاهو صوت يسوع يبكتنا معهم : ” فلا يكون هكذا فيكم بل من أراد ان يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما ومن أراد أن يكون فيكم أولا فليكن لكم عبدا .( مت 20 : 25 ) .
    - هذان هما ” جناحا النسر العظيم “( رؤ12 : 14) ، اللذان أعطيا للكنيسة المغتربة فى برية هذا العالم - حيث يعولونها لزمن وزمانين ونصف زمان - بعد أن تكرس وجود الابن الذكر العتيد أن يرعى جميع الأمم بعصا من حديد ، الذى اختطف الى الله والى عرشه ( الرب يسوع ) . والان - وهى فى غربتها - انما تخضع لحرب مع التنين ، تستهدف باقى نسلها ( نحن أبناء دعوة الكرازة )، الذين “عندهم شهادة يسوع المسيح ” ( رؤ 12 : 17 ).
    - هذان هما الشاهدان ( رؤ11 : 1 - 14 ) اللذان يشهدان بأنهما ” فى الكنيسة ، فى المسيح “، من وراء ستار عدم وعينا بهما ، واقصائنا لهما ،ونحن فى هذا العالم : ” ثم أعطيت قصبة شبه عصا ، ووقف الملاك قائلا لى : ” قم وقس هيكل الله والمذبح والساجدين فيه .وأما الدار التى هى خارج الهيكل ، فاطرحها خارحا ولا تقسها ، لأنها قد أعطيت للأمم ،وسيدوسون المدينة المقدسة اثنين وأربعين شهرا . وسأعطى ” لشاهدى “، فيتنبان ألفا ومئتين وستين يوما ، لابسين مسوحا ” . هذان هما الزيتونتان والمنارتان القائمتان أمام رب الأرض .”( رؤ 11 : 1 - 4 ) .
    ولكن ، فى المسيح ، فى يوم الرب ، خارج زمن الغربة ( فى هذا العالم ) ، سوف تتملكنا الدهشة ، نحن أبناء دعوة الكرازة ، لوجودهما فى شركة الحياة ، فى الكنيسة : ” ثم بعد الثلاثة الأيام والنصف ، دخل فيهما روح حياة من الله ، فوقفا على أرجلهما . ووقع خوف عظيم على الذين كانوا ينظرونهما. وسمعوا صوتا عظيما من السماء قائلا لهما : ” اصعدا الى ههنا ” . فصعدا الى السماء فى السحابة ، ونظرهما أعداؤهما. ( رؤ 11 : 11 و12 ).
    ——————————————
    الخلاصة
    تمتلئ الكنيسة من ثلاثة روافد : 1- القادمون من ” دعوة الكرازة ” ، بقبولهم تلك الدعوة ( رافد دعوة الكرازة ) . 2- القادمون من موتهم الطبيعى (الراقدون ، “رافد عثرة الكرازة ” ) . 3 - القادمون من جهالاتهم ( الأمم ، ” رافد جهالة الكرازة “).

  20. m-david :

    المقالة الثامنة : الكنيسة ، بين ” عهدين ” .
    ——————————————————–
    كانت لحظة التجسد نقطة مفصلية فى زمان الكون كله ، وبالنسبة لتحقق وجود الكنيسة ، فهى اللحظة التى ابتلعت الزمن - ماضيا ومستقبلا - فى حاضر أبدى ؛ فهى مصب الماضى والمستقبل بان واحد ، وفيها يصب كل القادمين - من البشر - المختارون ليملأوا الكنيسة .
    وان كنا قد اقتنعنا بأن الروافد - التى تملأ الكنيسة ، من منظور الكرازة - هى ثلاثة روافد ( رافد دعوة الكرازة ، رافد عثرة الكرازة و رافد جهالة الكرازة ) ، فاننا نقول بأن هذه الروافد الثلاثة انما تصب ، فى الكنيسة من خلال مسارين ، لا ثالث لهما ، ينحتان فى صخرة الزمن : - المسار الأول هو مسار ماضى هذه اللحظة ، أى كنيسة العهد القديم . - المسار الثانى هو مسار مستقبل هذه اللحظة ، أى كنيسة العهد الجديد برافديها ( دعوة الكرازة و جهالة الكرازة ) .
    - المسار الأول يخص أولئك الذين نظروا موعد المسيح ، من بعيد وصدقوه ، ولكنهم هلكوا بحكم الطبيعة البشرية الفاسدة ، وما أن تجسد الكلمة الا وتزلزل الزمان والمكان وبعثوا، من جحيمهم بفضل ذلك الكارز الذى نزل بنفسه ، من قبل الصليب واقتحم الجحيم وحررهم من السجن ، وأنشأ لهم وجودا جديدا بالشركة فى قيامته . لذلك اطلق عليهم الكتاب مصطلح ” الراقدين ” ؛ لأن هلاكهم لم يكن أبديا - كما كان من المفترض بحكم الطبيعة - ولكنهم - فى المسيح - قد نهضوا من الموت ، فكان ذلك الأمر مثل استيقاظ النائم من نومه : ” الراقدون سيحضرهم الله بيسوع أيضا معه ” .( اتس 4 : 14 ) .
    - أما المسار الثانى ، فيخص الذين عاصروا لحظة تجسد الكلمة - الممتدة الى الأبد - واشتركوا فى فى صليبه وموته ؛ لذلك لايكون موتهم موتا ، ولا رقادا ولا هدما يستأصل الكيان نهائيا - كما للأولين - ولكن مجرد خلع للعتيق ، مجرد تغيير :
    - ” ” لأننا نعلم ان نقض بيت خيمتنا الأرضى ، فلنا فى السماوات بناء من الله ، بيت غير مصنوع بيد ، أبدى . فاننا فى هذه نئن مشتاقين الى أن نلبس فوقها مسكننا الذى من السماء .وان كنا لابسين لانوجد عراة . فاننا نحن الذين فى الخيمة نئن مثقلين ، اذ لسنا نريد أن ” نخلعها ” بل أن ” نلبس فوقها ” ، لكى يبتلع المائت من الحياة .” ( 2كو 5 : 1 - 4 ) .
    - ” ” هوذا سر أقوله لكم : ” لانرقد كلنا “، ولكننا كلنا ” نتغير “، فى لحظة فى طرفة عين ، عند البوق الأخير . فانه سيبوق ، فيقام ” الأموات ” عديمى فساد ، و” نحن نتغير ” .( 1كو15 : 51 و 52 ).”"
    حقيقة الكنيسة ، هذه يعلنها الرب بنفسه ، وعن نفسه - كحاضن لها فى أحشائه - فيقول : ” ” أنا هو القيامة والحياة ، ” من امن بى ولو مات “(كنيسة العهد القديم ) فسيحيا ، و” كل من كان حيا وامن بى “(كنيسة العهد الجديد ) فلن يموت الى الأبد .( يو 11 : 25 و 26 ) .”"
    - كلا المسارين قد شربا من عصير ثمرة شجرة الصليب ، أى القيامة ولكن هناك فرقا أساسيا بين المسارين ، فبينما أشرقت القيامة - النابعة من خشبة الصليب - على أولئك الذين فى الجحيم ، بغتة - فأيقظتهم من رقادهم - كان لابد لأصحاب المسار الثانى - أصحاب العهد الجديد - أن يموتوا موت الصليب ، مع المسيح، وكان لابد أن يتكرس فى وعيهم هذه الخبرة ، اى خبرة الموت مع المسيح التى تستر فى داخلها خبرة الحياة بقيامة المسيح .
    - المسار الأول هو مسار أصحاب عهد ” الذبيحة الدموية ” ، عهد الفصل بين الذبيحة والكاهن ، عهد الفصل بين ماهو مقبول - لدى الله ( الذبيحة ) -والانسان .أما المسار الثانى فهو مسار أصحاب عهد الذبيحة العقلية ، عهد الموت مع المسيح بشركة صليبه ، ذلك الموت المعجون بزيت القيامة ، الذى يستعلن - حينما يكتمل - العضوية فى الذبيحة التى هى الكاهن ، ذاته ، الرب يسوع المسيح .
    - أصحاب العهد الجديد يجتازون خبرة موت عتيقهم ، باشتراكهم فى صليب المسيح . يواجهون الموت ويبيدونه، فى ذلك الذى أسس لهم هذا السروذلك بخلاف أصحاب العهد القديم الذين لم يتسن لهم مواجهة الموت وبالطبع لم يتسن لهم الانتصار عليه ، فى حياتهم الأرضية ، بل قد ابتلعهم كما يبتلع كل شئ فى الكون ، وكانت لحظة التجسد هى لحظة تجاوز كل شئ بالنسبة لهم .
    شاهدا الجنب المطعون ( الدم والماء ).
    —————————————————–
    فى شهادته الفريدة ، يرصد العظيم يوحنا اللاهوتى فى : ( يو 19 : 34 ) ، خروج ” دم وماء ” من الجنب المطعون للمصلوب ويعيد توثيق هذه الشهادة ، بدلالاتها - المملوءة سرا - فى رسالته الأولى : ” هذا هو الذى أتى بماء ودم ، يسوع المسيح . لا بالماء فقط ، بل بالماء والدم . والروح هو الذى يشهد ، لأن الروح هو الحق . … والذين يشهدون…هم ثلاثة : الروح ، والماء ، والدم . والثلاثة هم فى الواحد ” . ( 1يو 5 : 6 - 8 ) .
    - بالنسبة للمصلوب ، ” الدم” هو ” شهادة حياة “، ” الماء” هو” شهادة موت “. هذان الشاهدان المتناقضان - ظاهريا - هما الكنيسة الكاملة ، الخارجة من جنب المصلوب . هما عهدا الكنيسة المستوعبان لزمن البشرية كله .
    ومدلول كل شهادة يشير الى موقف كل عهد من صليب المسيح ؛ فشهادة الحياة التى فى “الدم” تشير الى العهد القديم ، الذى لم يشترك أصحابه - بموت عتيقهم - فى موت المسيح ؛ اذ لم يكن لهم “جديد ” بعد ، وبالتالى فلا معنى لكلمة “عتيق ” . وعندما نهض هؤلاء من موتهم - بفضل صليب المسيح المحيي - أصبحوا شاهدا على الحياة التى فى المصلوب ، هكذا خرجوا من جنبه فى صورة ” الدم “. وشهادة الموت التى فى ” الماء” تشيرالى العهد الجديد الذى يشترك أصحابه - بموت عتيقهم - فى موت المسيح : ” أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته ، فدفنا معه بالمعمودية للموت ، حتى كما أقيم المسيح من الأموات ، بمجد الاب ، هكذا نسلك نحن أيضا فى جدة الحياة ؟ لأنه ان كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته ، نصير بقيامته . عالمين هذا: أن انساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطية …فان كنا قد متنا مع المسيح ، نؤمن أننا سنحيا أيضا معه.” ( رو 6 :3-8 ).
    - شهادة الدم تعنى أن موت الصليب كان بالنسبة لكنيسة العهد القديم بمثابة الحياة التى بعثتهم من موتهم الطبيعى ، وشهادة الماء تعنى أن موت الصليب كان بالنسبة لكنيسة العهد الجديد بمثابة الموت لعتيقهم لحساب جديدهم .
    هذان هما وجها الشهادة التى للكنيسة الممتلئة : وجه شهادة الشركة فى” الحياة ” ووجه شهادة الشركة فى” ابادة الموت” . هذان الشاهدان ، معا ،هما ” العروس امرأة الخروف ” ( رؤ 21 : 9 ) ، حواء الجديدة ، الكنيسة الخارجة من جنب عريسها المطعون .
    ملاحظات على النص اليونانى :
    1- الفعل ” أتى “، هو فعل من أفعال المجيئ والقدوم والحركة ويستخدم كثيرا - فى العهد الجديد - للحديث عن مجيئ الرب وظهوره الثانى فى كنيسته الممتلئة ولايعنى - بأى حال من الأحوال - الاحضارلشئ ، أو التقدمة لشئ .
    2- الاسم ” يسوع المسيح ” : عندما يذكر- بهذا الترتيب ، وبصيغة التنكير لكلا الاسمين ( كما هو وارد فى الأصل اليونانى ) - فانه يعنى حركة النعمة التى تحقق وجود الكنيسة المكتملة ، المالئة لشخص المسيح ، بتجميع أعضائه . ويمكن التحقق من هذا الطرح ، بالرجوع الى استخدام هذه الصيغة فى المواضع الكثيرة، فى العهد الجديد لاسيما فى رسائل بولس الرسول ، حيث ينبغى لنا أن نفرق بين دلالة هذه الصيغة ودلالة الصيغة المعاكسة ( المسيح أولا ثم يسوع ، أيضا مع تنكير الاسمين ) ، وهذا موضوع كبير ، من الممكن أن يكون مضمونا لبحث اخر .
    3- حرف الجر ، الوارد فى ” لا بالماء فقط بل بالماء والدم ” ، على الأقل هو غير دقيق ؛ فالحرف الموجود فى الأصل اليونانى هو ” en “، الذى يعنى ” داخل الشئ = فى “.
    4 - ترتيب العنصرين : من الملاحظ أن الترتيب قد اختلف ؛ فقد ورد ، فى الانجيل : دم وماء . وورد فى الرسالة : ماء ودم .
    - الماء والدم : لأن الرسول يخاطب أصحاب دعوة الكرازة ، فقد بدأ بالماء ، الذى هو الشهادة الخاصة بهم ، وليس هذا فحسب بل قد صنع استدراكا ،اخرا ( لا بالماء فقط بل بالماء والدم ) ؛ هكذا ينبغى للرسول أن يزيل غشاوة تمركز وعينا ، فى ذاتنا فقط ، و فى شهادتنا فقط ؛ فهناك شهادة أخرى هى شهادة الراقدين ، شهادة الدم .
    - الدم والماء : هو الترتيب التاريخى ، الواقعى ، ترتيب أسبقية الوصول للشاهدين ، ولحظة طعن جنب المصلوب - التى يرصدها الانجيل - هى اللحظة التى طعن فيها زمن الكون ، ليخرج منها شاهد الماضى ( الدم ) ، أولا ثم يستتبع بشاهد الحاضر ( الماء ) :
    - ” اننا نحن الأحياء الباقين الى مجئ الرب ( المعنى الأكثر دقة هو : المتبقين من رصيد مجيئ الرب ) ، لانسبق الراقدين . لان الرب نفسه بهتاف ، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله ، سوف ينزل من السماء والأموات فى المسيح سيقومون أولا . ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم فى السحب لملاقاة الرب فى الهواء ، وهكذا نكون كل حين مع الرب .” ( 1 تس 4 : 15 - 17 ).
    - ” ولما فتح الختم الخامس ، رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله ، ومن أجل “الشهادة ” التى كانت عندهم ، وصرخوا بصوت عظيم قائلين : ” حتى متى أيها السيد القدوس والحق ، لاتقضى وتنتقم ” لدمائنا ” من الساكنين على الأرض ؟ ” فأعطوا كل واحد ثيابا بيضا ، وقيل لهم أن ” يستريحوا ” زمانا يسيرا حتى يكمل العبيد “رفقاؤهم ” ، و” اخوتهم ” أيضا العتيدون أن يقتلوا مثلهم .”( رؤ 6 : 9 - 11 ) .
    5- ” الروح هو الذى يشهد ” : الروح القدس هو الذى يحقق الشركة فى موت المسيح ، لأصحاب العهد الجديد بصبغة الماء والروح ( شهادة الماء ) ، وهو أيضا - فى ” شهادة الدم “، وبترتيب لانستطيع أن ندركه - نحن أصحاب العهد الجديد - يخترق الجحيم ، يخترق العدم ليستعيد منه قديسى العهد القديم .
    موت الصليب ، بالنسبة لكل من رافدى العهد الجديد .
    ———————————————————————-
    اذا كان هناك فرق بين موقفى كل من العهدين وموت الصليب ، فان هناك فرقا اخرا ، بين موقفى رافدى العهد الجديد ( رافد دعوة الكرازة ورافد جهالة الكرازة ) وموت الصليب . بالتأكيد ، ان كل من الرافدين قد اختمر بخمر الصليب ولكن يبقى رافد ” دعوة الكرازة ” هو ” الخمر العتيق ” الذى يتقبل - عن وعى - صليب المسيح ويحمله بالنعمة فى مسار متدرج متصاعد ، حتى الموت (مع المسيح ) . أما رافد “جهالة الكرازة ” فقد تهيأ - بفضل بذار الكلمة الحال فيه - لأن يعبرذاته الى المسيح ، الذى فيه يدرك لأول مرة أنه قد عبر “العتيق ” الى ” الجديد ” ، يدرك لأول مرة أنه صلب مع المسيح .رافد الجهالة له نفس سمة رافد الدعوة من حيث كونه لايرقد كالأولين ، بل ينتقل من وجوده الأرضى الى الوجود فى المسيح ، حيث ينشأ له وعى كامل بكل الحدث . كلا الرافدين ( الكرازة والجهالة ) هما خمر للمسيح ، ولكن يبقى الفرق : الأول هو الخمر العتيقة ، والثانى هو الخمر الجديدة . وأما وعينا نحن أبناء دعوة الكرازة ( الزقاق العتيقة) - بهذه القضية ، هنا على الأرض - فيبقى قاصرا ويكاد يكون منعدما ، وسيبقى هذا الفصل بين الرافدين الى أن يتلاشى فى المسيح لأنه ” ليس أحد يجعل خمرا جديدة فى زقاق عتيقة ، لئلا تشق الخمر الجديدة الزقاق ، فالخمر تنصب والزقاق تتلف . بل يجعلون خمرا جديدة فى زقاق جديدة “. ( مر 2 :22 ) .

  21. m-david :

    المقالة التاسعة : بعض الرموز لرافد “جهالة الكرازة “. ( 1 ).
    ————————————————————————————————————————-
    1- عرس قانا الجليل ( يو2: 1-11 ).
    الجليل ، التى هى خارج الحظيرة ( اليهودية) ، كانت مسرحا لأول معجزة ترصدها الأناجيل .
    - ” ليس لهم خمر ” : هذا هو مانعتقده ، نحن أبناء “دعوة الكرازة ” ، حيال رافد الجهالة .
    - ” لم تأت ساعتى بعد ” : فالزمن الحاضر ليس مجالا لاعلان شهادة هذا الرافد ؛ فهذه الشهادة هى الاستعلان المؤجل ، فى الزمن الحاضر، ولكن فى المسيح سوف تتحول الأجران المليئة بالماء الى خمر جيدة ، مبهرة لكل الحاضرين ، مبهرة لوعى الكنيسة الممتلئة ؛ فالعرس هو ملكوت السموات ، هو الكنيسة ، جسد المسيح الممتلئ ؛ فحضور العرس هم : الرب يسوع ( رأس الجسد ) ، أم يسوع ( رمز للرافد الأم ، رافد عثرة الكرازة الذى منه ومعه عبر الكلمة بالكنيسة من عثرة الموت التى أطاحت بالأولين ) ، التلاميذ ( رافد دعوة الكرازة ) و أصحاب العرس ( رافد جهالة الكرازة ) .
    - تضامن أم يسوع وتعاطفها مع أصحاب العرس هو انتماء كلا الرافدين ( عثرة الكرازة وجهالة الكرازة ) الى جبهة واحدة تمثل القادمين من خارج ” دعوة الكرازة “.
    2- شفاء ابن خادم الملك ( يو 4 : 43 - 54 ) .
    - الجليل ، أيضا ، ” حيث صنع الماء خمرا ” .- يتقدم خادم للملك ويطلب من يسوع شفاء ابنه المحموم : ” ياسيد ، انزل قبل أن يموت ابنى ” ، قال له يسوع : ” اذهب ابنك حى ” فامن الرجل … وفيما هو نازل استقبله عبيده وأخبروه قائلين : ” ان ابنك حى ” . فاستخبرهم عن الساعة التى فيها أخذ يتعافى ، فقالوا له : ” أمس فى الساعة السابعة تركته الحمى ” ففهم الأب أنه فى تلك الساعة التى قال له فيها يسوع : ” ان ابنك حى ” فامن هو وبيته كله
    انه اذن ادراك الشفاء ، والايمان من خلال الحدث السابق . هكذا تقدم هذه المعجزة ، “رافد جهالة الكرازة ” كرافد ” الوعى بأثر رجعى ” .
    3- المرأة السامرية ( يو 4 : 1- 42 ) .
    جلس يسوع وحده معها ( فى غيبة التلاميذ ، الذين ” قد مضوا الى المدينة ليبتاعوا طعاما ” ) ؛ هكذا يلتقى الرب بأصحاب هذا الرافد ، مباشرة ، فى غيبة دعوة الكرازة .
    - “قال لها يسوع : ” حسنا قلت : ليس لى زوج ، لأنه كان لك خمسة أزواج ، والذى لك الان ليس هو زوجك . هذا قلت بالصدق “. : انه الرافد المدان ، هنا ، فى العالم ، من قبل أصحاب دعوة الكرازة ؛ يرون أصحابه موصومون بالزنا ، لاتباعهم الهة غريبة ( كما هو ظاهر ، هنا فى هذا العالم ) .
    - ولكن للرب رؤية أخرى :” ” قال لها يسوع : ” ياامرأة ، صدقينى أنه تأتى ساعة ، لا فى هذا الجبل ، ولا فى أورشليم تسجدون للاب . أنتم تسجدون لما لستم تعلمون ، أما نحن فنسجد لما نعلم . لأن الخلاص هو من اليهود . ولكن تأتى ساعة ، وهى الان ، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للاب بالروح والحق ، لأن الاب طالب مثل هؤلاء الساجدين له . الله روح . والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا ” “.- اذن ، النقطة الحاكمة ليست هى الرؤية الكلاسيكية ، اليهودية ، التى تقصى الاخر ( التى يتبناها اسرائيل الجديد ، أصحاب دعوة الكرازة ، نظرا لأنهم لم يتكملوا بعد ) ، ولكن رؤية الرب ، الكلمة المتجسد الذى يستعلن فى هؤلاء المتغربين ، وسط الجهالة . يستعلن فى هؤلاء الساجدين الحقيقيين ( الذين يسجدون لما لايعلمون ، هنا فى هذا العالم ).
    - “” قالت له المرأة : ” أنا أعلم أن مسيا ، الذى يقال له المسيح ، يأتى . فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ ” قال لها يسوع :” أنا الذى أكلمك هو ” . وعند ذلك جاء تلاميذه ، وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امراة . ولكن لم يقل أحد : ” ماذا تطلب ؟ ” أو ” لماذا تتكلم معها ؟ ” - ذهب الى السامرة و” مكث هناك يومين فامن به أكثر جدا بسبب كلمته ( اللفظة مفردة = اللوغوس) . وقالوا للمرأة : ” اننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن ، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم ” .
    يقدم لنا حديث السامرية ، والسامريين ، رافد جهالة الكرازة ، متموقعا فى الكنيسة ، من خلال افتقاد الكلمة المتجسد له مباشرة ، من دون أدنى علاقة لمسار دعوة الكرازة ( التلاميذ ) ، بالقضية ، اطلاقا ؛ فهم يجهلون تماما ملابسات لقاء المرأة مع الرب ، أيضا هم لم يكن لهم أية مبادرة للسؤال عن هذه الملابسات . قد كان مجئ التلاميذ ، بعد أن كشف الرب عن ذاته للمرأة ، فكانت بمثابة لحظة الكشف للجميع ، فى المسيح .والعجيب أيضا ، هو أن دعوة السامرية ، ذاتها لأهلها لم تكن هى النقطة الحاكمة فى ايمانهم . هكذا يبدو الفعل الكرازى محيدا تماما ، وبصفة مطلقة بالنسبة لذلك الرافد ، من روافد الكنيسة . فالكارز الذى أتى بهذا الرافد هو ذلك الذى يكرز قائلا : ” أنا الذى أكلمك هو ” .
    4- مثل ” السامرى الصالح” ( لو 10 :25- 37 ) .
    السؤال الذى تطرحه على نفسك ، يارافد ” دعوة الكرازة ” ، وغالبا ماتفشل فى الاجابة عليه ، هو : ” من هو قريبى ؟ ” . من هو ذلك الذى أنت عتيد أن ” تحبه كنفسك” ؟. - أنت تتصور دائما أن قريبك هو الذى ينتمى اليك فى قناعاتك هنا - فى العالم - ( الكاهن واللاوى ) ولكن الاجابة الصحيحة هى : ” الذى صار قريبك هو الذى صنع معك رحمة ” ؛ فبينما أنت متغرب هنا - عن وطنك السماوى - نازلا من أورشليم الى أريحا - فانك لاتدرك أن التئام جرحك ، وتكميل كيانك واستعلان حياتك ، لايتأتى الا بوجود ذلك الاخر المغاير (السامرى ) . فبينما قد تركك من هم محسوبون عليك - الان - ( الكاهن واللاوى) ، تقدم اليك ذلك الغريب ،عنك - كما تعتقد أنت الان - و ” ضمد جراحاتك ، وصب عليها زيتا وخمرا ، وأركبك على دابته ، وأتى بك الى فندق واعتنى بك ” . عنايته بك ، وانتمائه لك (قرابته لك ) قد استعلنت بعودتك الى وطنك (أورشليم ) ، وبنزولك فى ” بيت الاب (المسيح ) الذى به منازل كثيرة ” ( يو 14 :2 ) . ذلك الاخر (المغاير ) هو الخمر الجديدة ، الجيدة التى بها يلتئم جرحك ويتكمل كيانك ، ومشكلتك أنك مازلت ترى أن هذه الخمر هى مجرد ماء فى الأجران الستة .
    5- مريض بيت حسدا ( يو5 : 1- 15 ) .
    ” ” هذا راه يسوع مضطجعا ، وعلم أن له زمانا كثيرا ، فقال له : ” أتريد ان تبرأ ؟ ” أجابه المريض : ” ياسيد ، ليس لى انسان يلقينى فى البركة متى تحرك الماء . بل بينما أنا ات ، ينزل قدامى اخر ” . قال له يسوع : ” قم . احمل سريرك وامش ” . فحالا برئ الانسان وحمل سريره ومشى ” ” .
    - هذا هو الرافد المتروك ، المطروح ، المهمل ، خارج حركة مياه ” دعوة الكرازة “. لاأحد يراه . لاأحد يعبأ به . لا أحد يدرك وجوده طيلة زمان هذا العالم . فقط ، الرب - وفى نهاية زمن غربته - هو الذى يفتقده بنفسه ، مباشرة ويأمر له بالشفاء ويستعلن مساواته مع من استحقوا النزول الى ” المياه المتحركة ” .
    ” أما الذى شفى فلم يكن يعلم من هو ، لأن يسوع اعتزل ، اذ كان فى الموضع جمع ”
    - رافد الجهالة ، يجهل تماما - فى هذا العالم - أنه مستهدف من قبل الكلمة المتجسد ، لكى مايبرئه . فيسوع معتزل عنه هناك ، محجوب عنه فى مسار ” دعوة الكرازة “، حيث موضع الجمع .
    ” ” بعد ذلك وجده يسوع فى الهيكل وقال له : ” ها أنت قد برئت ، فلا تخطئ أيضا ، لئلا يكون لك أشر ” . فمضى الانسان وأخبر اليهود أن يسوع هو الذى أبرأه ” .
    - فى الهيكل ، فقط . فى السماء . فى الكنيسة الممتلئة . فى المسيح . سوف يتجلى هذا الرافد ، ويتجلى وعيه بذاته ، وتتجلى شهادته للرب ، رأس كيانه .
    6- المفلوج النازل من السقف ( مت 9 : 1- 8 ) ، ( مر2 : 1-12 ) و ( لو 5 : 17 - 26 ).
    كان البيت مجرد كتلة من البشر ، لم يستطع الرجال الأربعة - حاملى المفلوج - أن يدخلوا بالطريق الشرعى . صعدوا الى السطح . كشفوا الأجر ودلوا
    المفلوج بسريره قدام يسوع .
    - رافد جهالة الكرازة ، لا مكان له فى بيتنا الأرضى ، ولكن حينما ترتحل الكنيسة الممتلئة ، من هذا العالم ويكمل الملائكة تجميعها من ” الأربع الرياح ” ، سوف تستعلن أصالة هذا الرافد كشريك فى الشفاء الذى صنعه الرب . لامكان لذلك الرافد بيننا - الان - ولكنه سوف يتدلى من فوق ، سوف ندركه ، هناك ، فى المسيح ، الذى فيه يصعد الجميع .
    ” مغفورة لك خطاياك ” : هذا الرافد هو ، دائما مدان ومحكوم عليه من قبل الفكر الدينى الجامد ، فالمؤسسة الدينية - التى تحتكرالحقيقة المطلقة ، من وجهة نظرها - تكفر هذا الرافد ، المستترهنا على الأرض . وصمة الخطيئة والدينونة - من منظور أصحاب الدعوة - هى سمة أساسية لأصحاب هذا الرافد وقد ظهرت فى كثير من الرموز وقد ذكرنا منها : السامرية ، مريض بيت حسدا وهذا المفلوج .
    ” أيما أيسر ، أن يقال للمفلوج : مغفورة لك خطاياك ، ام أن يقال : قم واحمل سريرك وامش؟ ولكن لكى تعلموا أن لابن الانسان سلطانا على الارض أن يغفر الخطايا ” . قال للمفلوج : ” لك أقول : قم واحمل سريرك واذهب الى بيتك ” .( مر 2 : 9 - 11 ) .- المعنى الذى يريد أن يوصله الرب الى أصحاب الفكر الدينى المتعصب ، الذين صنعوا من أنفسهم قضاة - يدينون الاخر ( رافد جهالة الكرازة ) - هو أن : الدينونة التى بها تدينون هذا الاخر، تنبع من صعوبة تخيلكم امكانية قيام هذا الرافد من سريره وذهابه الى البيت السماوى ، المسيح . هذه هى القضية الأساسية. ادانتكم - الحالية - لهذا الرافد - سوف تتلاشى حينما تستعلن المغفرة ، فى المسيح ، حينما يدرك الجميع امكانية ذهاب هذا الرافد الى بيته .
    - سرير المرض ، البائس ، هو مساحة وجود هذا الرافد ، بينكم - هنا - ياأصحاب ” دعوة الكرازة ” ، ولكن من فوق ، ومن طريق لايخطر على بالكم ، سوف يتحرر هذا الرافد من هذه المساحة البائسة ، لتصير بيتا ، هو المسيح . وبرحيل ذلك الرافد - من هذا العالم - سوف يختفى هذا الفراش البائس ؛سوف يحمله معه .
    7- قائد المئة ( مت 8 : 5- 13 ) و ( لو 7 : 1- 10 ) .
    دخل يسوع كفرناحوم ، فجاء اليه قائد مئة يطلب اليه شفاء غلامه المفلوج ، ودار هذا الحوار : - يسوع : ” أنا اتى وأشفيه ” . - قائد المئة : ” لست مستحقا أن تدخل تحت سقفى ، ولكن قل كلمة فيبرأ غلامى “. - يسوع : ” لم أجد ولا فى اسرائيل ايمانا بمقدار هذا ! وأقول لكم : ” ان كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحاق ويعقوب فى ملكوت السموات ، أما بنوالملكوت فيطرحون الى الظلمة الخارجية “. .- ثم قال لقائد المئة :” اذهب ، وكما امنت ليكن لك “. فبرأ غلامه فى تلك الساعة .”
    - انه الرافد الذى لايستحق أن يدخل السيد تحت سقف بيته ، هنا فى هذا العالم . لايستحق أن يحسب ككنيسة ، هنا فى هذا العالم . ولكن فقط بواسطة الكلمة - الذى يتعامل معه مباشرة - يبرأ غلامه وينضم للكنيسة . وبحسب انجيل لوقا ، فان شيوخ اليهود قد شهدوا له :” انه مستحق أن يفعل له هذا لأنه يحب أمتنا وهو بنى لنا المجمع ” ( لو 7 : 4 و 5 ) . - هذا الرافد يبنى لنا الكنيسة بتكميله لنا كجسد واحد .
    8 - المرأة الكنعانية ( مت 15 : 21 - 28 ) و ( مر 7 : 24 - 30 ) .
    “” لم أرسل الا الى خراف بيت اسرائيل الضالة ” … ” ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب “. وبحسب مرقس : ” دعى البنين أولا يشبعون ، لأنه ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب ” .
    - هذا الخطاب القاسى هوسيف الخطاب الدينى المشهر فى وجه الاخر ، االمغاير ، الضال ( الكلاب ) . سجل الرب هذا الموقف تجاه تلك الأممية، التى تصرخ طالبة الشفاء لابنتها : ” ارحمنى ، ياسيد ، يابن داود ! ابنتى مجنونة جدا “. وبحسب مرقس : ” كان بابنتها روح نجس “.
    كانت تلك العبارات كاشفة لنا وللاخر بان واحد . فمن المنظور السلبى قد أظهرت بشاعة عنصرية فكرنا ، المحتكر للحقيقة ، المحتكر للبنوة ( الشركة فى الابن المتجسد ) ، كشفت نظرة أصحاب ” دعوة الكرازة ” تجاه الاخر ( رافد الجهالة ) . ومن المنظور الايجابى قد أظهرت أصالة الاخر، فى سعيه - الطبيعى - نحو المسيح ، فى سعيه نحو الشركة فى ” خبز البنين ” : ” فقالت : “نعم ، ياسيد ! والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذى يسقط من مائدة أربابها “. وبحسب مرقس : ” فأجابت وقالت له : نعم ، ياسيد ! والكلاب أيضا تحت المائدة تأكل من فتات البنين “.
    - مانعتبرهم ” كلاب ” ، هم شركاؤنا ، فى ” خبز البنين ” . هم معنا ، فى نفس البيت ، قد لايجلسون معنا - الان فى هذا العالم - على المائدة ، ولكن ما أن ينقض هذا البيت الأرضى ، حتى ونكتشف شركتنا جميعا فى البيت الواحد ، والمائدة الواحدة ، والخبز الواحد (الجسد الواحد للمسيح الرب ).
    ” قال لها : ” يا امرأة ، عظيم ايمانك ! ليكن لك كما تريدين ” وبحسب مرقس : ” فقال لها : ” لأجل هذه الكلمة ، اذهبى . قد خرج الشيطان من ابنتك ”
    - عظمة ايمان رافد جهالة الكرازة تكمن فى كونه ايمان ” الفتات الصائر خبزا ” ، ايمان ” حبة الحنطة االصائرة شجرة عظيمة ” ، ايمان ” بذار الكلمة - الحال فى الناموس الطبيعى - الصائرة شركة فى الكرمة ، الكلمة المتجسد ” .
    9 - الغلام الذى لم يقدر التلاميذ على شفائه ( مت 17 : 14 - 21 ) ، ( مر 9 : 14 - 29 ) و ( لو 9 : 37 - 42 ) .
    ينزل الرب - مع الخاصة ، من تلاميذه ( بطرس ويعقوب ويوحنا ) - من على ” جبل ” التجلى ، الى الجمع ، حيث باقى التلاميذ يتحاورون مع الكتبة بخصوص عدم مقدرة التلاميذ على ابراء غلام به روح نجس :
    ” ” فأجاب وقال لهم : ” أيها الجيل غير المؤمن ، الى متى أكون معكم ؟ الى متى أحتملكم ؟ قدموه الى ” “.( مر9 : 19 ).
    - رافد الجهالة ، لاسبيل الى تحققه- ككنيسة - الا من خلال التعامل المباشر للكلمة المتجسد مع أصحاب هذا الرافد ، فى الوقت الذى تظل فيه ” دعوة الكرازة “محيدة تماما ، حيال هذا الأمر.
    ” ” فقال له يسوع : ” ان كنت تستطيع أن تؤمن . كل شئ مستطاع للمؤمن ” . فللوقت صرخ أبو الولد بدموع وقال : ” أومن ياسيد ، فأعن عدم ايماتى “. ( مر 9 : 23 و 24 ).
    - ماهذه الصيغة المتناقضة ، لايمان هذا الرافد ؟ هل هو ايمان ، أم عدم ايمان ؟ . - ” أومن ياسيد ” ، تعنى الايمان بواسطة الكلمة الحامل للنااموس الطبيعى لأصحاب هذا الرافد. و” أعن عدم ايمانى ” ، تشير الى نظرة أصحاب ” دعوة الكرازة ” لهذا الرافد ؛ فهو- من وجهة نظرهم - لاينتمى لحظيرة الايمان .
    “” ثم تقدم التلاميذ الى يسوع على انفراد وقالوا : ” لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه ؟ ” فقال لهم يسوع : ” لعدم ايمانكم . فالحق أقول لكم : لو كان لكم ايمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل : انتقل من هنا الى هناك فينتقل ، ولا يكون شئ غير ممكن لديكم “”.( مت17 : 19 و 20 ) .
    - يارافد دعوة الكرازة ، أنتم لاتقدرون أن تبرئوا ذلك الاخر ، ولا تقدرون أن تدركوا وجوده ، لعدم ايمانكم . فلو كان لكم الايمان بأن ذلك الرافد يستطيع - من خلال تنامى بذار الكلمة الحال فيه ، طبيعيا ، أن يشترك معكم فى الكنيسة الممتلئة - لكان هذا الأمر بمثابة الانتقال من تمركزكم - حول ذاتكم - الى مركزية المسيح ، لكان هذا الأمر بمثابة تصعيد قمة جبل وعيكم ، بذاتكم ( الوعى الحالى ) نحو قمة امتلاء المسيح ، المستوعب للاخر ، المرفوض .فحتى فى المعجزة التاريخية ، المصرية - التى تحمل مضمون التفسير الحرفى لنقل الجبل - كان الجبل يرتفع عن الأرض ، كانت قمته تتصاعد .
    – ان الايمان الذى يفتقده أصحاب ” دعوة الكرازة - الان - هو الايمان بانتقال الجبل من هنا الى هناك ، من قمة مركزية الذات الى قمة المسيح ، من قمة مركزية ” دعوة الكرازة ” الى قمة ملء المسيح ، التى تستوعب الجميع ، حتى ” رافد جهالة الكرازة ” ! .

  22. m-david :

    المقالة التاسعة : الجزء رقم ( 2 ) .
    ————————————————————–
    10 – المجدلية ( يو 20: 1- 18 ).
    تعد شخصية مريم المجدلية – كما وردت فى هذا الشاهد من انجيل يوحنا – نموذجا فريدا يجسد صورة رافد
    ” جهالة الكرازة ” :
    أولا : وجها الوعى ، لرافد الجهالة :
    1- طبيعة ” وعى” أصحاب ” دعوة الكرازة ” ، بذلك الرافد ، هنا فى العالم .
    - الحديث مع التلميذين :” ” وفى أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية الى القبر باكرا ، والظلام باق .
    فنظرت الحجر مرفوعا عن القبر . فركضت وجاءت الى سمعان بطرس والى التلميذ الذى كان يسوع يحبه
    ، وقالت لهما : ” أخذوا السيد من القبر، ولسنا نعلم أين وضعوه ” “.
    - حاءت مريم لتجد الحجر مرفوعا عن القبر ، فينخلع قلبها لتبدو فى ذلك الواقع الأليم ؛ اذ لم تعد تنتمى الى “مجرد سيد ، ميت ، بل أنها أصبحت تنتمى الى ميت ، قد سرقت جثته !. انه الانتماء الى الوهم المطلق . هذه هى مأساة انتماء أصحاب رافد الجهالة – هنا على الأرض – من وجهة نظر أصحاب دعوة الكرازة .
    ” أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه ” : الحديث ، هنا يأتى بصيغة “الجمع “، وهو حديث عام لايحمل أى نسب الى المتكلم ، وذلك بخلاف الصياغة التى وردت بها نفس العبارة ، فى الحديث مع الملاكين ( انهم أخذوا سيدى ولست أعلم أين وضعوه ) . العبارة التى نحن بصددها تشير الى نظرة أصحاب الدعوة تجاه الاخر المرفوض ، الذى يتمثل فى جميع من هم خارج عن اطار، ومسار دعوة الكرازة ، من ديانات وثقافات وعقائد مخالفة ؛ فهؤلاء يرون ذلك الاخر ، بلا رب ، يرونه ينتمى الى وهم ، فى الوقت الذى يرون أنفسهم ينمون ، بقدر تناميهم فى الشهادة لانجيل دعوتهم ؛ فهاهما التلميذان يدخلان الى القبر وينظران الأكفان والمنديل ويؤمنان ويعودان الى موضعهما ( ككنيسة ) . وما تزال مريم فى جهالتها : ” فحينئذ دخل أيضا التلميذ الاخر الذى جاء اولا الى القبر ، ورأى فامن ، لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب : أنه ينبغى أن يقوم من الأموات . فمضى التلميذان الى موضعهما . أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجا تبكى ” .
    2 – طبيعة ” وعى ” أصحاب رافد ” الجهالة ” ، بذاته ، هنا فى العالم .
    أ- الحديث مع الملاكين : ” ” وفيما هى تبكى انحنت الى القبر ، فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحدا عند الرأس والاخر عند الرجلين ، حيث كان جسد يسوع موضوعا . فقالا لها :” يا امرأة ، لماذا تبكين ؟” قالت لهما : ” انهم أخذوا سيدى ، ولست أعلم أين وضعوه ” .
    - القبر والملاكان : القبر هو مسكن الموت ، هو هذا العالم الذى تغترب فيه الكنيسة . الملاكان هما رافدا الكنيسة المستعلنان هنا ، فى هذا العالم : الملاك الجالس عند الرأس هو رافد ” الراقدين “، الذين أحضرهم الله بيسوع أيضا معه ( 1 تس 4 : 14) ، الذين أتوا فى صحبة ومعية ” رأس ” الكنيسة (الرب يسوع التاريخى ، الكلمة المتجسد) ، هؤلاء هم الذين افتقدهم الرب ، فى الجحيم محررا اياهم فقاموا معه ، قيام النائم من غفوته . أما الملاك الجالس عند الرجلين فهو رافد أصحاب ” دعوة الكرازة ” ، رافد ” الحاذين “أرجلهم ” باستعداد انجيل السلام ( أفس 6 : 15 ) . وطقس غسل الرب لأرجل تلاميذه ، الذى ينفرد بذكره انجيل يوحنا ( يو 13 : 4- 17 ) هوالمعادل لطقس عشاء الرب المذكور فى باقى الأناجيل . هذا هو الحدث الافخارستى الذى يسرى فى مسار الكرازة الرسولية و يتكرس بواسطته وجود رافد ” دعوة الكرازة ” : ” فان كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم ، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض ، لأنى أعطيتكم مثالا ، حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضا . الحق الحق أقول لكم : انه ليس عبد أعظم من سيده ، ولا رسول أعظم من مرسله ” .( يو 13 : 14- 16 ) .
    - ” لماذا تبكين ؟ ” : سؤال استنكارى ، من الرافدين لأصحاب رافد الجهالة ، أولئك الذين يغيب عنهم الوعى
    بحقيقة وجودهم ، ككنيسة .
    - ” أخذوا سيدى ولست أعلم أين وضعوه .” : الحديث شخصى ، وبصيغة المتكلم ، ويحمل مضمون الانتماء الى الكنيسة ، المجهولة (أخذوا سيدى ) . هذه هى الجهالة الكاملة بحقيقة الذات ، هنا فى العالم .
    . ب – الحديث مع يسوع :” ” ولما قالت هذا التفتت الى الوراء ، فنظرت يسوع واقفا ، ولم تعلم أنه يسوع . قال لها يسوع : ” يامرأة ، لماذا تبكين ؟ من تطلبين ؟ ” فظنت تلك أنه البستانى ، فقالت له : ” ياسيد ، ان كنت قد حملته فقل لى أين وضعته ، وأنا اخذه ” ” .
    - فيما يتعامل الكلمة المتجسد – هنا فى العالم – مع أصحاب رافد الجهالة – مهيئا اياهم ككنيسة – فهم لايدركون
    ذلك ، هم – فى وعيهم الخاص – يتعاملون مع سيد ” ظنى ” ( ظنت أنه البستانى )، هم لايعلمون من يطلبون
    ثانيا : خصوصية رافد الجهالة :
    - “” قال لها يسوع : ” يامريم ” فالتفتت تلك وقالت له : ” ربونى ” الذى تفسيره : يامعلم . قال لها يسوع : ” لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد الى الاب ولكن اذهبى الى اخوتى وقولى لهم : انى أصعد الى أبى وأبيكم والهى والهكم . فجاءت مريم المجدلية وأخبرت النلاميذ أنها رأت الرب ، وأنه قال لها هذا “”.
    - ” فالتفتت تلك وقالت له : ” ربونى ” : هذه هى التفاتة ” الوعى اليقينى ” ، بالشركة فى المسيح - التى تأتى كثمرة لتعامل الرب مباشرة مع رافد الجهالة ، ولتسميته له ، ككنيسة ( يامريم ) – فى مقابل التفاتة “الوعى الظنى ” التى تسيطر عليه هنا ، فى هذا العالم ، قبل تسميتها ككنيسة ( قال لها يسوع : ” ياامرأة ، … فظنت تلك أنه البستانى ).

    لا تلمسينى .
    —————–
    التلامس مع المسيح هو الشركة فيه . ولمسة المجدلية له هى الافخارستيا الخاصة برافد الجهالة . هى تحقق وجود هذا الرافد ككنيسة . هذه هى الافخارستيا ، المؤجل استعلانها فى هذا العالم ، لذلك قال لها ” لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد الى الاب ” . فحدث الصعود هنا هو حدث انقضائى ، هو استعلان صعود الكل ، استعلان الكنيسة الكاملة الممتلئة ، الى الاب فى ابنه المتجسد . وفقط ، حينئذ تستعلن شركة أصحاب رافد الجهالة ، فى المسيح . حينئذ فقط تستطيع المجدلية أن تلمسه .
    - أما الصعود ، فى عبارة ” انى أصعد الى أبى وأبيكم والهى والهكم ” ، فيخص رافد ” دعوة الكرازة “، ذلك الذى يحمل خصيصتين اساسيتين : 1- انه حدث يستعلن فى الزمن الحاضر ” انى أصعد ” . 2 – انه حدث تراكمى :” الى أبى وأبيكم ” ، أى اننى كما أصعدت جسدى الخاص الى أبى ، كباكورة ، فاننى أصعدكم أيضا – الان - الى الاب باشراككم فى تلك الباكورة ، جاعلا من الاب ، الذى هو أبى ، بالطبيعة ، أبا لكم ، بالنعمة . هذه هى الافخارستيا ، المستعلنة الان بتراكم أصحابها فى المسيح ، الى أن يكتمل مجئ رافدهم : ” كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس ، تخبرون بموت الرب الى أن يجئ .( 1 كو 11 : 26 ) .

    الذهاب والمجئ .
    ” اذهبى الى اخوتى وقولى لهم …فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ …” : قد كنا نتوقع أن يكون السياق هكذا : ” اذهبى الى اخوتى وقولى لهم … فذهبت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ …” . ولكننا وجدنا أنفسنا أمام سياق اخر ، يحمل حركتين متعاكستين فى الاتجاه : حركة الذهاب وحركة المجئ : ذهاب ، رافد الجهالة ، هنا فى العالم ، منطلقا من أجواء الموت ، وحيث “الظلام باق ” ، ومجئ ذلك الرافد ، لينضم الى الكنيسة فى أجواء القيامة والحياة . ” ذهاب “، الذى يبدو فيه رافد الجهالة ، ساكنا ، محيدا ، لاوجود له - فى الوقت الذى يتكرس وجود أصحاب دعوة الكرازة بحركة دؤوبة ، متواصلة ، انية ” انى أصعد الى أبى وأبيكم ” - ومحئ ، حين يستعلن صعود الجميع فى الكلمة المتجسد الى الاب .

  23. m-david :

    المقالة التاسعة : الجزء ( 3 ) .
    ———————————————-
    11- كرنيليوس ( أع : 10) .

    هناك الية هامة ، لابد أن تسيطر على ذهن شارح النص الكتابى ، بصفة عامة ، لكى يستطيع أن يسبر أغوار النص وهى تجريد النص من أسر التاريخ . وفى هذا الصدد نقول ، انه ، بالتأكيد ، للنص بعد تاريخى ، بل نستطيع أن نقول ان الكتاب المقدس هو بحق أعظم كتاب تاريخ قد عرفه البشر، ولكن ذلك لايمثل عمق حقيقة الكتاب .
    وفى هذا السياق لابد أن ندرك أن لكل حدث تاريخى ، يرصده الكتاب ، ولكل شخصية تتجزر فيه ، سياقان : سياق تاريخى وسياق رمزى ، والأخير هو البعد الرئيس الذى يستهدفه الكتاب ؛ فكل من الحدث والشخص يأخذ أهميته من
    حيث كونه يتلامس مع القضية الأساسية للكتاب وهى حقيقة وجود الكنيسة كجسد للمسيح. ومن هنا لابد للشارح من أن يعى تماما أهمية الفصل بين السياق التاريخى والسياق الرمزى لكل من الحدث والشخص ، ذلك الفصل الذى بدونه
    يصبح من المحال الوصول الى الرؤية العميقة للنص . هذه الالية تمثل ركيزة أساسية فى دراسة، مثل التى نحن بصددها ..و فيما سبق ، نجد على سبيل المثال أن مريم المجدلية ، فى سياقها التاريخى ، هى شخصية قد قبلت دعوة الانجيل وامنت
    بالمسيح ، بل قد صارت أول مبشر بالقيامة ، حتى للتلاميذ أنفسهم ، ولكن فى سياقها الرمزى قد رأيناها رمزا لرافد ” جهالة الكرازة ” . أيضا ، فيما سبق قد ذكرنا ” ابنى الرعد “( يعقوب ويوحنا ) ، وهما اثنان من التلاميذ الاثنى عشر
    الذين ااختارهم الرب “ليكونوا معه ” وليفتنوا المسكونة بدعوة الكرازة ، ولكننا رأيناهما ، فى سياقهما الرمزى ، يمثلان رافدين اخرين : رافد الراقدين ( يعقوب ) ورافد الجهالة ( يوحنا ) ، وسنتحدث عن هذه الجزئية ، لاحقا . وأيضا هناك
    مثل اخر ، هام ، سوف نتحدث عنه فيما بعد ، هو شخصية بطرس الرسول ، وهو بالتأكيد تلميذ بارز ورسول عظيم من رسل دعوة الانجيل ، ولكن فى سياق رمزية شخصيته نجد أن الأمر يتخطى مجرد دوره التاريخى ،كرسول ، الى
    دوره كرمز لمسار دعوة الكرازة ، كاملا .
    - هكذا يلعب الشخص دورين مختلفين : دوره التاريخى كشخص طبيعى ودوره الرمزى كعنصر بناء فى الكنيسة ، فى جسد المسيح ، الذى هو خارج التاريخ .على أنه يجب أن نؤكد أن الدور الرمزي لا يضيف ولا ينقص شيئا بالنسبة للشخص الطبيعى ولكنه يخرجه من تاريخيته لحساب الكنيسة الممتلئة .
    - كلمة الله هى بالتأكيد متجزرة فى التاريخ ولكن فروعها وأغصانها وثمارها تتموقع خارج التاريخ ، فى المسيح .
    - فى اطار هذا الطرح نستطيع أن نرى شخصية ” كرنيليوس ” ؛ فهو، كما يقدمه سفر الأعمال ، يمثل المضمون التاريخى لمصطلح “الأمم ” . هو أولئك الذين قبلوا دعوة الانجيل ، من خارج اليهودية ، وانضموا الى مسار دعوة الكرازة ، هو الأغلب الأعم من مسيحيى العالم ، اليوم . ولكن فى السياق الرمزى للشخصية ، نرى أن كرنيليوس يمثل الأمم بمفهومها المطلق ، يمثل رافد ” جهالة الكرازة ” . وفيما يلى ، بعض النقاط التى تدعم هذا الطرح :
    1 - شهادة الكتاب عنه :
    “” هو تقى وخائف الله مع جميع بيته ، يصنع حسنات كثيرة للشعب ، ويصلى الى الله فى كل حين . فرأى ظاهرا فى رؤيا نحو الساعة التاسعة من النهار ، ملاكا من الله داخلا اليه وقائلا له : ” يا كرنيليوس “. فلما شخص اليه ودخله الخوف ، قال : ” ماذا ياسيد ؟ ” فقال له : ” صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارا أمام الله .” ” ( أع 10 : 2- 4 ) .
    - اننا نعجب أشد العجب ، لهذا الأممى ، الذى هو خارج الحظيرة ؛ لأى اله هو خائف وتقى ؟ . ثم مامعنى أن تقبل عباداته وتصعد تذكارا أمام الله ؟ . ان دهشتنا من الممكن أن تختفى حينما ندرك أن كرنيليوس هو رافد “جهالة الكرازة ” ، ذلك الرافد المهيأ بالطبيعة لأن يقبل شركة المسيح ، بعيدا عن مسار الكرازة .
    2 – استهلالية عظة بطرس :
    “” ففتح بطرس فاه وقال : ” بالحق أنا أجد أن الله لايقبل الوجوه . بل فى كل أمة ، الذى يتقيه ويصنع البر مقبول عنده.
    الكلمة التى أرسلها الى بنى اسرائيل يبشر بالسلام بيسوع المسيح . هذا هو رب الكل .”" ( أع 10 : 34 – 36 ) .
    - اذن القضية هى عدالة الله المطلقة وعدم تمييزه وعدم محاباته لنفر دون اخر ؛ فالكلمة المتجسد ، المقبول ربا ، لدى أصحاب دعوة الانجيل ، هذا هو ” رب الكل ” ، هو رب لكل من يتقيه فى كل أمة ، حتى وان لم تصله دعوة الانجيل. .
    3 – عنصرة الأمم ( العنصرة الموازية ).
    - ” فبينما بطرس يتكلم بهذه الامور ( الكلمات ) حل الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة . فاندهش المؤمنون الذين من أهل الختان ، كل من جاء مع بطرس ، لأن موهبة الروح القدس قد انسكبت على الأمم أيضا .
    لأنهم كانوا يسمعونهم يتكلمون بألسنة ويعظمون الله . ” ( أع 10 : 44 – 46 ) .
    - الكلمة التى كان يسمعها الحاضرون – وقد حل الروح القدس ، بسببها – ليست كلمة بطرس ، بل انها ” اللوغوس”؛ فبطرس كان يتكلم بكلمات (ta remata) ، كلمات البشارة بالانجيل . وفى مستهل عظته ، قد ذكر بطرس تلكالكلمة (اللوغوس ) ، حينما قال :” الكلمة التى أرسلها الى بنى اسرائيل … هذا هو رب الكل “.
    - بينما تسرى دعوة الكرازة فى العالم ( بينما يتكلم بطرس ) ، يحل الروح القدس على كل من فى بيت كرنيليوس(بيت رافد الجهالة ) ، يحل عليهم بفضل تنامى بذار اللوغوس، فى ناموسهم الطبيعى .
    - هذه هى ” العنصرة الموازية ” التى تحدث بدون أى تدخل – سواء بالمنح أو بالمنع – من قبل مسار دعوة الكرازة :
    ” فلما ابتدأت أتكلم ، حل الروح القدس عليهم كما علينا أيضا فى البداءة . فتذكرت كلام الرب كيف قال : ان يوحنا عمد بماء وأما أنتم فستعمدون بالروح القدس . فان كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضا بالسوية مؤمنين بالرب يسوع
    المسيح ، فمن أنا ؟ أقادر أن أمنع الله ؟ ” .
    - وتتفق معظم الترجمات الانجليزية – بخصوص العبارة الأخيرة – على معنى ، ذى دلالة : ” فان كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضا بالسوية – عندما امنا بالرب يسوع المسيح ، فمن أنا ؟ أقادر أن أمنع الله ؟ ” .
    — أيضا هناك تعليق لبطرس الرسول – على الحدث – يستحق تعليقا ، عليه : ” أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعتمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضا ؟ ”
    - ترجمة العبارة ملتبسة بعض الشئ ، واننى أرى أن أقرب ترجمة - بالانجليزية – الى المعنى ، هى التى وردت فى ( bible in basic English) ، وقد وردت كالتالى :

    will any man say that these may not have baptism who have been given the holy spirit as
    we have ?
    والمعنى ، هو : هل يستطيع أحد أن يدعى بأن هؤلاء- الذين قبلوا الروح القدس مثلنا- لم يعتمدوا ، بعد ؟.
    والمعنى الأعمق للسؤال الاستنكارى هو : هل يمكننا الادعاء بأن مجرد امتناع الماء – حتى الان – بالنسبة لهؤلاء الذين قبلوا الروح القدس - مثلنا – يعنى امتناع معموديتهم ؟.
    ¬¬– ” وأمر أن يعتمدوا باسم الرب ” ( أع 10 : 48 ) . : المعمودية دعوة ، تحتمل القبول وتحتمل الرفض ، ولايمكن أن تكون أمرا أو طلبة واجبة النفاذ ، وفى الواقع اننى أرى بأن “الأمر” – هنا – هو صادر نحو وعى أصحاب دعوة الكرازة بخصوص الاخر (رافد الجهالة ) ، أمر بقبول الاخر ، فى اسم الرب يسوع المسيح .
    – المقارنة بين حدث “العنصرة الموازية ” وحدث ” يوم الخمسين ” ، تلقى مزيدا من الضوء :”" فلما سمعوا نخسوا فى قلوبهم ، وقالوا لبطرس ولسائر الرسل : ” ماذا نصنع أيها الرجال الاخوة ؟ ” فقال لهم بطرس :” توبوا وليعتمد كل
    واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا ، فتقبلوا عطية الروح القدس … فقبلوا ” كلمته ” بفرح ، واعتمدوا ، وانضم فى ذلك اليوم نحو ثلاثة الاف نفس “”.( أع 2 : 37- 41 ) .
    - هذا ، اذن هو الترتيب الخاص بدعوة الكرازة : توبة ، معمودية على اسم يسوع المسيح ثم قبول عطية الروح القدس.
    أما فيما يخص رافد الجهالة فلا يأتى الترتيب هكذا – على مستوى تراكم الوعى – بل نستطيع ان نرصد واحدية الحدث :
    ” فان كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا .. .فمن أنا ؟ أقادر أن أمنع الله ؟ …اذا أعطى الله الأمم أيضا التوبة للحياة “.
    ( أع 11 :17و18 ) .
    - العنصرة الموازية هى موهبة التوبة ، للحياة لأصحاب رافد الجهالة . هى موهبة العودة الى الكنيسة الممتلئة ، الى المسيح . هى الحدث الذى لايتقاطع ، بأى حال من الأحوال مع مسار دعوة الكرازة .
    4- ملاءة بطرس .
    “” فرأى السماء مفتوحة ، واناء نازلا عليه مثل ملاءة عظيمة مربوطة باربعة أطراف ومدلاة على الأرض . وكان فيها كل دواب الأرض والزحافات وطيور السماء . وصار اليه صوت : ” قم يا بطرس ، اذبح وكل ” . فقال بطرس :
    كلا يا رب لأنى لم اكل قط شيئا دنسا أو نجسا ” . فصار اليه أيضا صوت ثانية : ” ما طهره الله لا تدنسه أنت ” وكان هذا على ثلاثة مرات ، ثم ارتفع الاناء أيضا الى السماء “” .( أع 10 : 11 – 16 ) .
    - الأكل هو الشركة . وسر الشركة ، الذى يكرس وجود الكنيسة ، هو سر المأكل الحق . ملاءة بطرس – النازلة ، الصاعدة ، من والى السماء – هى الكنيسة الممتلئة ، التى تجمعها الملائكة من الأربع رياح الأرض .
    - لابد لبطرس ( أصحاب دعوة الكرازة ) أن يعى شركة الاخر معه ، فى المسيح :
    ” وأما أنا فقد أرانى الله أن لا أقول عن انسان ما انه دنس أو نجس ” ( أع 10 : 28 ) .

  24. m-david :

    المقالة العاشرة : شخصية بطرس ، ورمزية رافد ” دعوة الكرازة “.
    ——————————————————————————————-
    كيف ينبغى لنا أن نفهم قول الر ب لبطرس :” أنت بطرس ، وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى ، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها . وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات ، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا فى السماوات .وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا فى السماوات ” ( مت 16 : 18 و 19 ) .؟
    - هل ينبغى لنا أن نفهم أن بطرس قد أخذ مفاتيح الملكوت ، معه ورحل عن عالمنا منذ ألفى عام ! ؟ . هل أخذ بطرس معه سلطان الحل والربط وتركنا منذ ذلك الزمن ؟ .
    نفس السؤال ينسحب على قول الرب لتلاميذه - فى عشية يوم قيامته ، حينما “” نفخ وقال لهم : ” اقبلوا الروح القدس . من غفرتم خطاياه تغفر له ، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت ” ( يو 20 : 22 ) .
    - هل أخذ التلاميذ معهم سلطان المغفرة ، ورحلوا عن عالمنا ؟ .
    - أم ينبغى لنا أن نتبنى رؤية أصحاب الفكر الفريسى ، الجديد ، فنختزل القضية فى سلطان خاص تحصل عليه فئة معينة، دونا عن الجميع ؟.
    بالتأكيد ، الاجابة هى أن بطرس - التلميذ الأبرز بين التلاميذ - هو قمة هرم الرمزية لرافد ” دعوة الكرازة ” . وتتجلى حقيقة هذه الاجابة من خلال مدلول اجابة بطرس ، ذاته عل سؤال الرب : ” وأنتم ، من تقولون انى أنا ؟” فأجاب سمعان بطرس وقال : ” أنت هو المسيح ابن الله الحى “( مت 16 : 15 و 16 ) .
    - اجابة بطرس - الصحيحة - هى اجابة الجميع ، اجابة أصحاب دعوة الكرازة ، هؤلاء الذين قد أعلن لهم الاب - الذى فى السماوات - ذلك ، ( مت 16 : 17 ) . هذه الاجابة هى اعلان الانجيل العامل فى مسار الكرازة .
    - المسيح ، الصخرة ، التى تبنى عليها الكنيسة هو محور وعى أصحاب رافد دعوة الكرازة . وفيما تنطلق دعوة الكرازة - هنا على الأرض - فان جسد المسيح يمتد ، فى الذين يقبلون الدعوة . وهذا الجسد الممتد هو الكفارة الذى فيه تتغطى البشرية الميتة ، بحياة الكلمة المتجسد . لذلك فان امتداد ذلك الجسد هو امتداد للمغفرة ، فى الذين قبلوه ، من أصحاب الدعوة ، وعليه فمن الطبيعى أن يخاطبهم قائلا : ” من غفرتم خطاياه تغفر له ، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت “.
    - جسد المسيح الممتد ، فى الذين قبلوا دعوة الكرازة هو هيكل الله الذى يسكنه روح الله ، لذلك قال لهم : ” اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له ..”. فحدث قبول الروح القدس هو حدث المغفرة ، ذاته .أيضا ، المستهدف الذى يوصى الرب بقبوله ، هنا ،هو جسده ، هو نفس مضمون خطاب الرب لأصحاب رافد الدعوة حينما يقول لهم : ” خذوا ( اقبلوا = نفس الفعل المترجم خذوا ) كلوا . هذا هو جسدى .( مت 26 : 26 ).
    - امتداد جسد المسيح - فى الذين يقبلون دعوة الكرازة - هو امتداد لملكوت السماوات ؛ فالأخير- الذى ينطلق من هنا ، من الأرض - هو الكنيسة الممتلئة الكائنة فى المسيح ، لذلك فالرب يبشر رافد الدعوة قائلا :”أعطيك مفاتيح ملكوت السماوات ” .وهى المفاتيح الخاصة به ؛ فهو مازال مسافرا ، منطلقا نحو ذلك الهدف ولكنه يعى ويتيقن أن ملكوت السموات هو مقصده ، و أن الولوج اليه بات محسوما ، فى المسيح .
    رافد دعوة الكرازة هو رافد ” الوعى ” . هو الرافد الذى يتميز - عن الرافدين الاخرين - بوعيه - هنا على الأرض - فيما يخص سريان المغفرة ، فيما يخص امتداد ملكوت السماوات ، فيما يخص حقيقة ذاته ، ككنيسة .
    القضية ، اذن هى تمايز الوعى - الذى لرافد الكرازة - وليست تمتع فئة معينة بسلطان خاص .
    - والمشكلة التى تؤدى الى شرح خاطئ - لعبارات “الحل والربط ” - تنجم من غياب ادراك حقيقة الكنيسة الكاملة ، و بالتالى غياب ادراك موقع أصحاب الدعوة ( المسيحيين )، من هذه الكنيسة ؛ فاختزال الكنيسة فى رافد “دعوة الكرازة ” يسقط تماما من ادراكنا مفهوم ” تمايز وعى رافد الدعوة “؛ اذ قد أسقطنا الاخر من حسابنا ، وبالتالى فحينما نتصدى بالشرح ، لتلك العبارات ، فاننا مضطرون أن نتخيل نمطا اخرا من التمايز ، وبالطبع سوف نضطر الى تبنى نوع من التمايز الداخلى ( داخل اطار الدعوة ) ، وتحدث الطامة الكبرى حينما نتخيل أن هذا التمايز ، الذى توحى به العبارات هو ” تمايز السلطة “.
    - نحن مضطرون - لجهلنا بحقيقة الكنيسة - أن نتخيل تمايز فئة ، من بيننا ، بسلطة “الحل والربط ” . بينما ، واقع الحق الانجيلى هو أن السلطان ، الوحيد - الذى منح للبشر - فى المسيح - قد منح للكل ” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا اولاد الله “.( يو 1 : 12 ) .
    المفهوم الواسع للمغفرة .
    تسرى حركة المغفرة حيث جسد الكفارة ( المسيح ) ، والمسيح ليس حكرا على أصحاب رافد دعوة الكرازة ، بل هو ممتد الى الكنيسة الممتلئة ، التى يصب فيها ، أيضا ، رافدا :الراقدين والجهالة ، وان كانت الوصية الصائرة الى أصحاب الدعوة هى :” اقبلوا الروح القدس . من غفرتم خطاياه تغفر له ،..” ، فان للوصية امتداد اخرا ، خارج حدود الدعوة ؛ ففى الصلاة الربانية ( صلاة رافد الدعوة ) ، نجد أن للمغفرة بعدا أوسع وأشمل . فبينما يتوحد جميع أبناء الكرازة فى صوت واحد مخاطبين أباهم السماوى ، نجدهم يطلبون قائلين : ” اغفر لنا ذنوبنا ( ديوننا ) كما نغفر نحن أيضا للمذنبين ( للمديونين ) الينا ( مت 6 :12) ، وبحسب لوقا :” واغفر لنا خطايانا (tas amartias) كما نغفر نحن أيضا للمذنبين ( للمديونين ) الينا ( لو 11 :3) .
    - يجب أن نلاحظ أننا هنا بصدد تبادلية للمغفرة ، تتخطى رافد الدعوة ؛ فلسان حاله هو ” كما نغفر نحن أيضا ” ، اذن من يغفر لهم ، هنا ، هم خارج اطار الدعوة ، هم الاخر غير المسيحى ؛ فنحن لسنا نطلب مغفرة “بينية ” ( داخل مسار الدعوة ) ، لأن سياق الصلاة هو طلبة لرافد الدعوة مجتمعا .
    هذه هى المغفرة الشاملة التى تلتئم بها الكنيسة ، الممتلئة . هذه هى المغفرة التى يتم فيها الاستيفاء المتبادل للدين ؛ فكل رافد هو مديون للاخر بقدر ما يكمل كيانه ، بقدر ما يجعله مسيحا ممتلئا ، بقدر ما يجعله كنيسة كاملة .
    الرؤية البانورامية لحركة المغفرة نجدها فى هذا النص : ” الحق أقول لكم : كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا فى السماء ، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا فى السماء . وأقول لكم أيضا : ان اتفق اثنان منكم على الأرض فى أى شئ يطلبانه فانه يكون لهما من قبل أبى الذى فى السماوات ، لأنه حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمى ( فى اسمى ) فهناك أكون فى وسطهم .” ( مت 18 : 18 - 20 ) .
    - هذا هو تدرج استعلان المغفرة فى الكنيسة الممتلئة ؛ فليست القضية هى فقط مجرد الحل والربط - هنا على الأرض - بالنسبة لأصحاب الدعوة ، بل هى اعطاء المسيح للاخر ، لأنه بالفعل ، قد وهب المسيح للعالم كله :” ولا تدينوا فلا تدانوا . لا تقضوا فلا يقضى عليكم عليكم . أعطوا تعطوا ، كيلا جيدا ملبدا مهزوزا فائضا يعطون فى أحضانكم . لأنه بنفس الكيل الذى به تكيلون يكال لكم .” ( لو 6 : 37 و 38 ) . المسيح هو “الكيل “. هو المقياس وبينما يدرك أصحاب الدعوة ، هذه الحقيقة - حينما يلتئم وجودهم مع الاخر - فهم يكتشفون أن اعطائهم المسيح للاخر، هو ذاته حدث حصولهم على كيانهم الممتلئ ، أى الكنيسة بروافدها الثلاثة . هم يكتشفون أن عطاءهم هو الأخذ بعينه ؛ ففيما يمتلئ المسيح ، هو يمتلئ لحساب الكل ، وفيما يستقبل المسيح جددا ، الى ذاته - من خارج اطار الكرازة - فهو يستقبلهم فى أحضان أولئك الذين قد أتوا من داخل ذلك الاطار .
    المسيح هو المجمع (synagogue ) الذى تجتمع فيه ثلاثية الكنيسة ( هناك أكون فى وسطهم ) ؛ ” فحيثما تكن ، الجثة فهناك تجتمع النسور (مت24 :28 ) .
    - ” أو ثلاثة ” : هذا هو الرافد الثالث المجهول بالنسبة لنا ، والمجهول بالنسبة لذاته ، بان واحد . هذا هو الرافد الذى أسقط تماما - هنا - من وعى الكنيسة . قد ندرك - هنا على الأرض - اتفاق رافدين ( الدعوة والراقدين ) ، فى استهدافهما للمسيح ، ولكن الرافد الثالث مغيب تماما ، عنا ، ولكننا سوف ندرك اجتماعه معنا ، وتساويه بنا ، فى المسيح .لذلك استخدم الرب الحرف ” أو ” ليستعيد الى وعينا ذلك الذى قد أسقط عنه .
    - فى نفس سياق ( مت 18 ) ، جاء سؤال بطرس ( رافد الدعوة ) : ” يارب ، كم مرة يخطئ الى أخى وأنا أغفر له ؟ هل الى سبع مرات ؟ ” قال له يسوع : ” لا أقول لك الى سبع مرات ، بل الى سبعين مرة سبع مرات . ” ( مت 18 : 21 و 22 ) .اذن هذه هى المغفرة فى مفهومها الواسع الذى يقبل الاخر ويلتئم معه ، فى المسيح .
    رمزية شخصية بطرس .
    1- شخصية بطرس - التى تبدو متأرجحة ، كما ترصدها الأناجيل - هى رمز لأصحاب رافد الدعوة . تتأرجح شخصية بطرس بين الشك والايمان . هذه الحالة هى الخاصية التى تميز رافد الكرازة ، ذلك الرافد الذى ينطلق الى الكنيسة الممتلئة فى رحلة متدرجة ، يتزايد فيها وعيه ويتنامى ايمانه ، فى حدث تراكمى يستوعب حياته على الأرض .
    2- بطرس ، صياد السمك - الذى قال له يسوع :” لاتخف ، من الان تكون تصطاد الناس ( مت 5 : 10 )- هو رمز لرافد الدعوة ، الذى يجتذب الى وعيه ، الى شبكته - هنا على الأرض - شريحة ، تصب فى المسيح .
    فى حياة بطرس ، المهنية - التى ترصد الأناجيل مواقفا منها - يحدث اختراقان ، بحضور الرب ، حيث يصطاد كمية عظيمة من السمك بعد ليل عقيم . يحدث هذا فى : ( لو 5 : 1 - 10 ) و ( يو 20 : 1 - 11 ).
    حدثان ، عظيمان يثمران ثلاثة سفن مليئة بالسمك : اثنان منهما فى الحدث الأول ، حيث سفينة بطرس وسفينة ابنى زبدى ، شريكى بطرس ، وواحدة فى الحدث الثانى ، حيث سفينة بطرس وحده .
    فى الحدث الأول :” امسكوا سمكا كثيرا جدا فصارت شبكتهم تتخرق … وملأوا السفينتين حتى أخذتا فى الغرق ..فى وسط دهشة الجميع “. وفى الحدث الثانى :” صعد بطرس وجذب الشبكة الى الأرض ممتلئة سمكا كبيرا ، مئة وثلاثا وخمسين ومع هذه الكثرة لم تتخرق الشبكة ” .
    السفن الثلاثة الممتلئة هى الثلاثة روافد التى تملأ الكنيسة : سفينتا الحدث الأول هما رافدا الراقدين والجهالة ؛ هاتان السفينتان اللتان توشكان على الغرق ؛ فرافد الراقدين هو رافد الذين ماتوا وسجنوا فى الجحيم . ورافد الجهالة هو رافد المحكوم عليهم من قبل أصحاب الدعوة ، هنا على الأرض . كلاهما يقبع خارج بؤرة وعى الكنيسة الحاضرة . ولكن فى الكلمة المتجسد يتحقق وجودهما ككنيسة ، لينضما الى السفينة الثالثة ( سفينة دعوة الكرازة ، سفينة بطرس ) ، تلك التى لم تتخرق شبكتها ولم تتعرض للغرق .
    تمتلئ السفينتان فى وسط دهشة الجميع ؛ حيث أن امتلاءهما يأتى خارجا عن السيلق المتوقع ، من قبل أصحاب الدعوة ، بينما يخاطب الرب بطرس : ” لاتخف ، من الان تكون تصطاد الناس ” أى : ان لك يابطرس سفينة ثالثة هى ما تتوقعه ، وهى ما لا يدهشك ، تلك التى تمتلئ من صيدك - هنا على الأرض - من أبناء الكرازة .
    يبدو بطرس فى مشهد السفينة الثالثة - فى لحظة ادراكه لوجود الرب - عريانا ، فيتزر بثوبه ، ويلقى بنفسه فى البحر… لكنك يابطرس سوف لايستتر عريك الحاضر الا حينما تلتئم سفينتك مع مثيلتيها. فقط فى المسيح يتغطى رافد الدعوة بمكملى كيانه : رافد الراقدين ورافد الجهالة .

  25. m-david :

    المقتالة رقم (11 ) : رافد الراقدين و مفهوم نزول المسيح الى الجحيم .
    ——————————————————————————————–
    أولا : معجزات اقامة الموتى ورمزية رافد الراقدين .
    ———————————————————————————-
    لدينا ، فى الأنجيل الأربعة ، ثلاثة معجزات لاقامة الموتى : 1- اقامة لعازر ، ولها مضمون ، رمزى ،عام بخصوص رافد الراقدين ، بشقيه . 2- اقامة ابنة يايرس ، وهى رمز جزئى لرافد الراقدين ، ويمثل الراقدين من أناس الله ، الذين كان لهم علاقة الناموس والأنبياء . 3- اقامة ابن أرملة نايين ، وهى رمز جزئى لرافد الراقدين ، ويمثل الراقدين الذين كانوا بلا ناموس وبلا أنبياء .
    1- اقامة لعازر :
    لعازر هو النموذج العام لرافد الراقدين ، الذين ، وان كانوا قد ماتوا وفنت صورة وجودهم ، الا أنه بمجرد تجسد الكلمة ، قد بعثوا من موتهم ، فيكون موتهم كرقاد النوم ، لذلك قد أطلق عليهم ، الراقدين :” لعازر حبيبنا قد نام . لكنى أذهب لأوقظه “. فقال تلاميذه : ” يا سيد ، ان كان قد نام فهو يشفى “. وكان يسوع يقول عن موته ، وهم ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم.فقال لهم يسوع حينئذ علانية : ” لعازر مات .”( يو 11 : 11- 14 ).
    رافد الراقدين هو أحد شقين للكنيسة الكاملة . الشق الأول هو شق الأحياء ، الذين لن يرقدوا ، بل بخلع عتيقهم ، سيخطفون الى المسيح :”قال لها (لمرثى ) يسوع :” أنا هو القيامة والحياة . من امن بى ولو مات فسيحيا . وكل من كان حيا وامن بى فلن يموت الى الأبد . ( يو 11 : 25 و 26 ).
    - بكى يسوع ( يو 11 : 35 ) : مات القدماء ، بحكم طبيعتهم ، ولكن بظهور الكلمة فى الجسد - فى الرب يسوع التاريخى - اكتست الطبيعة البشرية بحياة الكلمة ، وحدثت لها الوقاية الأبدية ، من الموت ، لذلك فانه بحضور يسوع - ذلك ” الذى ، فى أيام جسده ، اذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت ، وسمع له من أجل تقواه ، . “( عب 5 :7 ) - تم استدعاء هؤلاء الراقدين من رقادهم ، وكما سمع له ، فى جسده الخاص ، سمع له أيضا فى هؤلاء الراقدين ، وفى الاخرين ،الأحياء ،أيضا : ” فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعا ، ورفع يسوع عينيه الى فوق ، وقال : ” أيها الاب ، أشكرك لأنك سمعت لى ، وأنا علمت أنك فى كل حين تسمع لى . ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ، ليؤمنوا أنك أرسلتنى “. ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم : ” لعازر ، هلم خارجا ” .( يو 11 : 41- 43 ).
    2- اقامة ابنة يايرس .( مت 9 : 18 - 26 ) ، ( مر 5 : 21 - 42 ) و ( لو 8 : 40- 56 ).
    يايرس هو رئيس للمجمع ، واقامة ابنته من الموت ، رمز لكنيسة العهد القديم ، رمز للذين أمنوا بالمسيح ، من بعيد ، ولكنهم ماتوا ، بحكم الطبيعة ، ولأجل رجائهم ، كان موتهم مجرد رقاد :” لا تبكوا . لم تمت لكنها نائمة ، فضحكوا عليه ، عارفين أنها ماتت .( لو 8 : 53 ) .
    تتداخل مع معجزة اقامة ابنة يايرس ، معجزة أخرى ، وهى معجزة شفاء نازفة الدم ، وهى أيضا رمز للقديسين القدماء . نازفة الد م كان لها اثنتا عشر سنة ، فى المرض ، وابنة يايرس كانت ابنة اثنتى عشرة سنة ( مر 5 : 42 ) . والرقم “اثنا عشر ” رمز لمعية الرب ، رمز لأناس الله . القديسون القدماء هم تلك المرأة النازفة الدم والتى بتلامسها مع الكلمة المتجسد ، لحظة تجسده ، شفيت وتوقف نزيفها ، وهكذا لم يكن نزيفها للموت ، ولم يكن موتهم الا رقادا .
    3- اقامة ابن أرملة نايين .( لو 7 : 11- 17 ).
    - ” ميت محمول ، ابن وحيد لأمه ، وهى أرملة “( لو 7 : 12 ) : هذا هو شق الراقدين ، من الأمم ، بمفهومها التاريخى ، أى الشعوب الوثنية التى لم يكن لها ، على مستوى الوعى ، علاقة كتابية أو ناموسية بالله ، ولكن الله يحقق كنيسته فى الكل . الأم أرملة .أى بلا زوج . على شاكلة رافد الجهالة ، فى العهد الجديد ( السلمرية ) ،أى ليس لها علاقة حاضرة بالله . وهى ليس لها زوج بسبب ترملها . ويجب أن نرصد ترابط رد فعل السامرية ( رافد الجهالة ) و رد الفعل لهذه المعجزة : 1- قالت له المرأة (السامرية ) :” يا سيد ، أرى أنك نبى ” ( يو 4 : 19 ). 2- فأخذ الجمع خوف ، ومجدوا الله قائلين : قد قام فينا نبى عظيم ، وافتقد الله شعبه .( لو 7 : 16 ).
    - فيما يفتقد الله شعبه ، من القديسين الراقدين من قبل تجسده ، هو أيضا يفتقد شعبا كان بلا ناموس ولا شريعة . من هؤلاء و من أولئك يجتذب الله رافد الراقدين لكى ما ينضم اليه لحظة تجسده . أيضا يجب أن نرصد أنه كما يفتقد الله - الان - رافد الجهالة ( الذين بلا كارز) ، من الأحياء ، هو افتقد أيضا ، الراقدين الذين كانوا بلا أنبياء ؛ فبنزوله الى الجحيم كرز بنفسه لكل الراقدين ،المختارين لينضموا اليه .
    ” وخرج هذا الخبر عنه الى كل اليهودية وفى جميع الكورة المحيطة .( لو 7 : 17 ) : هكذا ، باجتذابه الراقدين ، الذين كانوا بلا ناموس ولا أنبياء - قبل تجسده - يكون المسيح قد امتد فى الجميع ، فتلك الفئة هى أضعف حلقة من حلقات الكنيسة - من وجهة نظرنا ، نحن أبناء الدعوة - وبمجيئها تمتلئ الكنيسة ، ويتجلى كمالها . لم يتركهم الرب فى حهالتهم ، بل لم يتركهم فى موتهم ، وفيهم قد أتم الاختراق المطلق لكل ما يمكن أن نعتبره عائقا أمام مجيئ نفر ما ، من البشر الى المسيح .
    ثانيا : نزول المسيح الى الجحيم .
    ———————————————————
    بداية ، أود أن أثمن عاليا ما نشر بنفس العنوان لأستاذى الدكتور/ جورج حبيب ، فى صدر هذا الموقع ، وهو فى مجمله يدعم توجه هذه الدراسة ، لاسيما ما ورد فيها منسوبا للقديس اكليمنضوس .
    - ولكى ندرك ، جيدا مفهوم نزول المسيح الى الجحيم ، لابد لنا من أن نعى ثلاثة قواعد أساسية حاكمة ، يؤكدها تراث الاباء ، لاسيما أثناسيوس : 1- قاعدة الموت : موت المسيح هو موتنا نحن . 2- قاعدة القيامة :القيامة هى النتيجة التلقائية ، الحتمية للاتحاد بين الكلمة والانسان فى المسيح .3- قاعدة الشخص : مركز الشخص هو الكلمة الظاهر فى الانسان الجديد ، المنتصر على الموت ، وهو فى نفس الوقت ينسب اليه كل ما يخص العتيق ؛ فيقال أن المسيح تألم ومات .
    وتطبيقا عمليا لهذه القواعد الثلاثة ، نقول بأنه بمجرد حلول الكلمة فى احشاء العذراء ، قد ظهر فى كوننا انسان جديد غير قابل للموت ، ولكن ذلك الجديد قد ظهر فى عالمنا متسربلا بعتيقه -الذى هو عتيقنا - وظل حاملا اياه ، ومحتجبا فيه ، وظاهرا للعيان كواحد منا ، الى أن اجتاز فيه الألم والموت . وبالرغم من أن كيان القيامة وعدم الموت هو حقيقة التجسد - وواقع “الجديد “الكائن منذ بداية الحدث - الا أن ذلك الجديد قد ظل سرا مخفيا خلف الحجاب العتيق ، الى أن أعلن فى فجر الأحد بعد خلع العتيق .
    عتيق يسوع هو فاسد بالطبيعة لأنه هو عتيقنا نحن ، وهو قد ظل لابسا اياه حتى ما أسلمه الى مصيره الطبيعى ، الذى هو مصيرنا ، وعندما تم فيه ذلك ، أعلنت القيامة المحتجبة خلف الحجاب المخلوع .
    موتنا ، هو انشطار صورتنا الانسانية بمفارقة النفس للجسد . والنفس هى الطاقة المحركة ، الواعية ، المستعلنة فى الجسد . الجسد هو جسد نفسانى . و بمفارقة النفس للجسد يتهاوى الشطران نحو العدم ؛ فلا وجود لجسد بلا نفس ولا وجود لنفس بلا جسد . هذا هو موتنا الذى يكتمل بموت الكون كله وهبوطه فى الجحيم ، فتفنى حتى بقايا تحلل أجسادنا .هذا هو الموت الذى اجتازه المسيح . على أننا يجب أن ندرك أن الموت لم يستطع أن يلتهم من كيان يسوع غير ما يستطيع أن يلتهم من كياننا . والفرق الأساسى والجوهرى هو أنه حينما نلتقى الموت -بطبيعتنا ، العارية من النعمة - فانه لا يتبقى لنا شئ . يلتهم الموت كل شئ بخصوص الانسان الطبيعى ، اما فيما يخص يسوع ، فقد التهم الموت حجاب عتيقه ، ليتبقى الانسان الجديد المنتصر على الموت ، ذلك المستتر خلف الحجاب.
    ان اعلان قيامة الرب فى فجر الأحد ليس اعلانا عن تحول العتيق الى الجديد ، بل هو كشف للجديد بعد زوال الحجاب ، بعد زوال العتيق .
    ان قيامة الرب لم تنشأ فى القبر ، لأن القيامة هى دليل الاتحاد وثمرته ، ولأن لاهوته لم يفارق ناسوته - لحظة واحده ولا طرفة عين - فان القيامة لم تكن الا حدثا متلازما ومتزامنا للتجسد منذ أول لحظة له فى أحشاء العذراء .
    + ماذا حدث لجسد يسوع فى القبر ؟
    النظرية السائدة ، والتى تتبنى أن جسد يسوع قد تحول ، فى القبر ، الى كيان منتصر على الموت ، الى جسد ممجد ( جسد القيامة) هى نظرية خاطئة تماما ؛ وذلك لأنها تفترض أن كيان الكلمة المتجسد قد ظل قابلا للموت الى أن دخل القبر وهناك قد أنشأت له القيامة والنصرة على الموت . أيضا تفترض أن كيان الكلمة المتجسد قد ظل غير ممجد الى أن دخل القبر ، وهناك فقط قد تمجد ! . فان لم يكن هذا الفكر هو عمق النسطورية ، فما هى النسطورية ، اذن ؟ ! .
    ثم ، ماذا يعنى أن موت المسيح هو انشطار كيانه الى نفس وجسد ، مع بقاء كل من الشطرين متحدا باللاهوت ، الى أن يتحدا ثانية فتتم القيامة ؟ . أليس هذا أيضا هو مضمون النسطورية ، التى ادعت مفهوم مصاحبة اللاهوت للناسوت ، تلك المصاحبة التى تتطور الى التدخل فى مسار الأحداث ، لتعيد المسيح الى النموذج الذى نعتقده ؟.
    ثم ، كيف تخيل انشطار كيان يسوع ، كاملا ، الى شطرين ؟ ماذا يعنى انقسام من توحد فيه الجميع ، حينما اتحد بطبيعتنا ؟
    اننى لست أعتقد بأصالة انتساب مثل هذا الفكر - بهذه الصيغة - الى العظيم أثناسيوس . هذا هو رأيى الشخصى .
    - تنجم المشكلة التى ، التى تنبت مثل هذا الفكر ، من عثرتين أساسيتين : 1- عثرة الزمن : كل شئ ، بخصوص التدبير الالهى للخلاص ، قد تم فى التجسد . وحدث التجسد ، منذ أول لحظة له ، قد تجاوز الزمن ، وما نراه من أحداث فى حياة يسوع على الأرض - من الميلاد ، المعمودية ، الصليب ، الموت ، القيامة والصعود - ما هى الا استعلانات لجوهر النعمة المعطاة للبشر فى التجسد ؛ ففى التجسد ، ميلاد الانسان الجديد . وفى التجسد ، تصطبغ الطبيعة البشرية -المائتة -بالحياة الالهية. وفى التجسد يمسح البشر بالروح القدس .و فى التجسد يصلب الوجود العتيق . وفى التجسد قام الانسان من موته . وفى التجسد صعدت البشرية الى الاب بشركة الابن فى الروح القدس .فى التجسد حدث كل ذلك لجديد يسوع الذى صار رأس الانسانية الجديد ة .
    لذلك ونحن نرصد مشهد الصليب - متبوعا بمشهد القيامة - يجب أن لا نعثر ونتخيل أن القيامة حدث يعقب الصليب فى الزمن . يجب أن لا نتخيل أن كيان الكلمة المتجسد قد ظل مفتقرا الى القيامة ، والنصرة على الموت ، الى أن مات ودفن . فهذا يطيح بسر التجسد ، من جذوره .
    2- عثرة الكيان : كيان الكلمة المتجسد لا يختزل فى حجاب عتيقه الظاهر ، الذى قبل الألم والموت ودخل القبر . جوهر الكيان هو الانسان الجديد ، الانسان الداخلى ، رأس الانسانية الجديدة . هذا هو الذى قيل عنه :” لن تدع قدوسك يرى فسادا ” . وهو حينما حل فى طبيعتنا - محققا هذا الجديد - لم يهلك العتيق ، بل قد ظل محتجبا فيه كرداء ، وفيه قد قبل كل ما لنا من تعب وألم وموت . وهو حينما أسلمه للموت ، كان قد أسلمه لموتنا نحن ، فى أفظع صوره ، أى العدم والهلاك لشطرى الكيان ( الجسد والنفس ) .
    - اننى أشعر أن الوعى اللاهوتى لم يرق بعد الى ادراك عمق حقيقة موت المسيح . هذا العمق يبدو صادما لروح القطيع ، السائدة من خلال لاهوت شعبى . يجب علينا أن ندرك ، بدهشة بالغة أن المسيح ، ليس فقط ، مات موتنا الحاضر ، بل انه قد أكمل موتنا . ان ما حدث فى قبر يسوع - قبل ازاحة الحجر - هو موت الكون كله ،أى العدم . ان عتيق يسوع كان محرقة حقيقية ؛ فقد انفجرت كل ذرة فيه ، وانحل كل عنصر فيه ، وتم فيه ما سوف يتم فى لحظة نهاية الكون . انه حينما قال ” قد أكمل ” ، قد كان يقصدها بالفعل . قد أكمل كل شئ ، وحتى مفهوم الموت ، قد أكمله ، فقد اجتازه كما لم تجتازه أى خليقة من قبله . ولكن ما أن تلاشى عتيق يسوع - كما سوف تتلاشى الخليقة كلها - حتى حان الوقت لاظهار الجديد الخفى .
    الجحيم
    ——————————
    عمق الجحيم هو العدم والفناء . الجحيم ليس مكان الموت بل هو مجال الموت . لذلك فان مفهوم الجحيم يتسع ليشمل كل ما هو مبسوط عليه سلطان الجحيم ، أى كل ما هو منحدر نحو الجحيم . الكون كله منحدر نحو الجحيم ، لأن ” السماوات والأرض الكائنة الان ، مخزونةبتلك الكلمة عينها ، محفوظة للنار الى يوم الدين و هلاك الناس الفجار.” ( 2 بط 3 : 7 ) .
    لذلك فكل الخليقة مستوعبة فى مجال الجحيم .
    والان ، كيف نستطيع أن نعبر عن الكلمة الذى بتجسد ه قد صار جزءا من الخليقة ؟ . أليس تجسد الكلمة هو اختراق لمجال الجحيم ؟ . أليس المسيح هو الكلمة المتجسد ، النازل الى الجحيم ؟.
    ان الكلمة حينما حل فى جسد ينتمى الى طبيعتنا ، هو بالفعل ، قد حل فى مجال الجحيم ، وبحلوله هذا قد أحدث اختراقا فى هذا المجال ، بظهور جديده المنتصر على الموت ( المنتصر على الجحيم ) ، ولكنه بالرغم من ذلك ظل مرتديا ذلك الجزء من مجال الجحيم ، أى عتيقه ، الى أن أسلمه لمصيره الطبيعى الذى هو مصيرنا ، أسلمه للعدم ، وحينئذ فقط تلامس الكلمة المتجسد مع قاع الجحيم ، ولم يستطع الجحيم أن يغتصب منه أكثر من ردائه العتيق ، مثلما لم تستطع امرأة فوطيفار أن تأخذ من يوسف أكثر من ثوبه . حينئذ فقط ” بالموت ديس الموت ” . حينئذ فقط تعالت ، فى الكون ، صرخة انشودة النصر ” الأشياء العتيقة قد مضت ، هوذا الكل قد صار جديدا .” ( 2 كو 5 : 17 ) . الأشياء العتيقة لم تتحول الى جديدة لأنه ” لا يقدر لحم ودم أن يرثا ملكوت الله ، ولا يرث الفساد عدم الفساد .” ( 1 كو 15 : 50 ).الأشياء العتيقة هى مقصية ومستبعدة ومتروكة من الشركة فى مجد الألوهة الأبدى ، وهذه هى ما عبرت عنها صرخة عتيق يسوع :” الهى ، الهى لماذا تركتني .”
    وحتى نظرية تحول العتيق الى جديد هى التفاف حول المضمون الصحيح ، فتحول شئ الى شئ اخر يعنى ، بالتأكيد ، فناء الصورة الأولى و ايجاد الصورة الثانية ، من العدم ، و تصبح محصلة ضم الصورتين ، معا ، ما نرصده من تحول أو تغير . اذن العتيق قد زال بالفعل ، ولكن المأساة تصبح واقعنا ، حينما نحصر حدث التغير ، فى داخل القبر المغلق ، بعيدا عن الحدث الجوهرى ، الذى هو التجسد .
    الكرازة للذين فى السجن .
    ————————————————
    بتجسد الكلمة قد زرعت باكورة انسانيتنا الجديدة ، فى طبيعتنا المنحدرة الى الجحيم ، وفى هذا التدبير يجب أن نميز بين طريقين قد أعدا لتحرير كل الذين فى مجال الجحيم : الطريق الأول هو الصليب المؤدى للقيامة ؛ فالصليب قد صار طريقنا - نحن الأحياء - الى الشركة فى الرب القائم ، المنتصر . الصليب هو أداة الموت التى أبادت الموت ؛ فقد كان لابد للمنحدرين الى الجحيم أن يتوقف انحدارهم ثم تنعكس حركتهم صعود ا الى الاب فى المسيح . وهذا ما يتم بموتنا مع المسيح . شركة موته هى شركة قيامته ، وباماتة العتيق مع المسيح تتكرس فينا حياته .والطريق الثانى هو القيامة المباشرة ، وهذا هو الطريق الخاص بالراقدين السابقين للتجسد ، أولئك الذين هيأهم الله - فى فترة وجودهم على الأرض - ليكونوا شركاء فيه ، عند تجسده . هؤلاء قد ماتوا بالفعل وتلاشت صورة وجودهم وأسروا فى الجحيم السفلى ، الذى هو مصير الكون كله . هم يحتاجون الرب المنتصر على الموت حتى ما يشركهم ، مباشرة فى نصرته الكائنة منذ أول لحظة لتجسده . هم لا يسلكون طريق موت الصليب - كما نسلك نحن- اذ لا معنى لموتهم ، فقد ماتوا بالفعل ويعوزهم أن يستحضروا من القاع ، عندما تستحضر الباكورة
    الرب يسوع ، وهذا ما حدث بالتجسد ” الراقدون سيحضرهم الله بيسوع أيضا معه ” ( 1تس 4 : 4 ) .
    + عبارة رسالة بطرس الأولى :
    - ” فان المسيح أيضا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا ، البار من أجل الأثمة ، لكى يقربنا الى الله ، مماتا فى الجسد ولكن محيى فى الروح ، الذى فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن .” ( 1بط 3 : 18 و 19 ) .
    الكيان الجديد ليسوع ، الكائن بفضل اتحاد الكلمة بالبشر ، هو الذى قيل عنه ” لن تدع قدوسك يرى فسادا .”( انظر أع 13: 33 -37 ). وقيل عنه أيضا أنه ” سمع له من أجل تقواه .” ( عب 5 : 7). هذا هو الذى يشير اليه الر سول ، هنا ، بتعبير :” محيى فى الروح ” . هذا هو ادم الأخير ، باكورة حياة الجميع ومصدرها ، الذى ” صار روحا محييا .”( 1كو 15 : 45 ) . هذا هو مضمون اخر كلمات الرب يسوع على الصليب (بحسب لوقا ) ، حينما ” نادى بصوت عظيم وقال :” يا أبتاه فى يديك أستودع روحى .”( لو 23 : 46 ) ، فقد صار جديده ، الروحى أول كيان بشرى يستودع لدى الاب ، وفيه يتم تبنى الجميع .أما الحجاب العتيق ، فيشير اليع بعبارة :” مماتا فى الجسد .. الذى فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن “.
    - يجب أن نميز، فى هذا النص بين طرفين : “من يكرز ” و ” فى من تتم الكرازة” . يجب أن ندرك جيدا مدلول الاشارة فى تعبير ” الذى فيه ” ؛ فالكارز هو جديد يسوع ، المحييى فى الروح . والذى تتم فيه الكرازة هو الحجاب العتيق ، الممات فى الجسد . القضية ليست وهما أو أسطورة ، والجحيم ليس مكانا ولكنه الرداء العتيق ، الذى هو كياننا الطبيعى ، هذا هوالذى ارتدى فيه المسيح موتنا وفناءنا الطبيعى ، وفيه قد كان مخترقا للجحيم وحينما اجتازه -ولم يستطع الجحيم أن يقتنص منه غير ذلك االحجاب- أعلن عن جديده المستور ، فأعلن الانتصار ، ليس فقط لجديده الخاص بل لكل المسبيين فى الجحيم ، الذين هم على شاكلة ذلك العتيق .
    والنقطة الجوهرية ، هنا هى : ان كنا نؤمن بأن عتيق يسوع هو لحم ودم من طبيعتنا ، فعلينا أن نؤمن بأن مصيره هو نفس مصيرنا ،أى العدم .وبانشطار عتيقه الى شطريه ( النفس والجسد ) - وبمواراة الجسد فى القبر - تكون قد مضت الأشياء العتيقة ، ليبقى الكل جديدا .
    - فى القبر لم يتحلل عتيق يسوع ، كما نتحلل نحن الان - ليس لأنه القدوس الذى لا يرى فسادا بل لأن تحلل الأجساد ما هو الا مرحلة من مراحل الموت ، تلك التى تكتمل بالعدم ، والفناء ، وهذا هو ما اجتازه - منتصرا - جديد يسوع . ففى قبر يسوع نزل الكلمة المتجسد الى قاع الجحيم حيث نهاية الخليقة بانحلال عناصرها وفنائها .
    — ملاحظة على تمايز الأناجيل بخصوص كلمات يسوع على الصليب .
    + انجيل لوقا ، المرموز له بوجه انسان ، يتبنى لسان حال الانسان الجديد ، الباكورة ، الذى فيه يتم تبنى الجميع من قبل الاب :
    1- يا أبتاه ، اغفر لهم ، لأنهم ، لا يعلمون ماذا يفعلون . ( لو 23 : 34 ).
    2- الحق أقول لك : انك اليوم تكون معى فى الفردوس .( لو 23 : 43 ) .
    3- يا أبتاه فى يديك أستودع روحى .( لو 23 : 46 ).
    + انجيلا متى و مرقس يتبنيان لسان حال العتيق :
    4- ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا : ” ايلى ، ايلى ، لما شبقتنى ؟ ” أى الهى ، الهى لماذا تركتنى .( مت 27 : 46 ) و ( مر 15 : 34 ) .
    + انجيل يوحنا ، النسر المحلق ، يقدم كلمات ، الانسلاخ الارادى من كل انتماءات العتيق ، نحو الجديد :
    5- قال لأمه : ” يا امرأة ، هوذا ابنك ، ثم قال للتلميذ : ” هوذا امك ” ( يو 19 : 26و 27 ).
    6- بعد هذا رأى يسوع أن كل شئ قد كمل ، فلكى يتم الكتاب قال : ” أنا عطشان ” .( يو 19 : 28 ).
    7- فلما أخذ يسوع الخل قال : ” قد أكمل ” ونكس رأسه وأسلم الروح .( يو 19 : 30 ).
    — خلاصة .

    - فى القبر قد اجتاز الكلمة المتجسد أعماق الجحيم ، ليخرج منتصرا بجديده ، الكائن فيه منذ اول لحظة لتجسده . هذا هو رأس كياننا . هذا هو رأس الكنيسة ، والذى باختراقه لمجال الجحيم ، قد جذب اليه الجميع : أولا ، بانقاذه للأموات الهالكين الراقدين فى الأعماق ، وثانيا ، باختطافه للأحياء المنحدرين نحو تلك الأعماق ، :” لأن الرب نفسه بهتاف ، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله ، سوف ينزل من السماء والأموات فى المسيح سيقومون أولا . ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم فى السحب لملاقاة الرب فى الهواء ، وهكذا نكون كل حين مع الرب ( 1تس 4 : 16 و 17 ) . وبذلك يكون قد أكمل جسده . بذلك يكون قد أكمل الكنيسة .
    —————————————–
    يسعدنى جدا تعليق استاذى الدكتور / جورج حبيب - سلبا أو ايجابا - على هذه المقالة ، تحديدا .

  26. m-david :

    – تكملة للمقالة (11 ) ، النزول الى الجحيم - ملاحظلت لغوية .
    ————————————————————————————-
    أولا : ثلاثة نصوص هامة :
    1- الذى أقامه الله ناقضا أوجاع الموت ، اذ لم يكن ممكنا أن يمسك منه . لأن داود يقول فيه : كنت أرى الرب أمامى فى كل حين ، أنه عن يمينى ، لكى لا أتزعزع . لذلك سر قلبى وتهلل لسانى . حتى جسدى (sarx) أيضا سيسكن على رجاء . لأنك لن تترك نفسى (psyche) فى الهاوية (hades) ولا تدع قدوسك ( تقيك ، hosios) يرى فسادا .( أع 2 : 24 - 27 ).
    2- الذى فى أيام جسده (sarx) ، اذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت ، و سمع له من أجل تقواه (eulabeia)، مع كونه ابنا تعلم الطاعة مما تألم به . واذ كمل صار لجميع الذين يطيعونه ، سبب خلاص أبدى ، مدعوا من الله رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق .( عب 5 : 7- 10 ).
    3- فان المسيح أيضا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا ، البار من أجل الأثمة ، لكى يقربنا الى الله ، مماتا فى الجسد (sarx) ولكن محيي فى الروح (pneuma) ، الذى فيه أيضا ذهب فكرز للأرواح (pneuma) التى فى السجن ،.( 1بط 3 :18 و 19 ).
    ثانيا : الملاحظات :
    1- الجحيم :
    لدينا - فى يونانية العهد الجديد - ثلاثة كلمات تخص المصير السلبى للانسان ، وتحمل معنى ، عالم الموتى . ترد كلمتان ، من الثلاثة ، فى السبعينية وهما : hades و abyssos والكلمتان بمعنى الهاوية ، الجحيم . والكلمة الثالثة ، التى لا ترد فى السبعينية هى : geenna بمعنى جهنم ، ,وبحسب القاموس الموسوعى للعهد الجديد ( فيرلين د. فيربروج - نسخة الكترونية بموقع الكلمة )تأتى الكلمة من الارامية gehinnam، وفى العبرية ge hinnom ، = وادى ابن (أبناء) هنوم ، وهو الوادى الذى كانت تقدم فيه الذبائح البشرية المتمثلة فى التضحية بطفل ( 2 مل 16 : 3 ، 21 : 6 ) ، وقد فكر يوشيا فى تنجيسه لكى لا يستخدم بعد فى تقديم الأضاحى البشرية ( 2مل 23 : 10 ) ، وسيكون أيضا مكان قضاء الله ( أر 7 : 32 ، 19 :7 )، والكلمة بمرور الوقت أصبحت مكان العقاب لتتطابق مع الأفكار التى حول hades.
    والكلمات الثلاثة تحمل نفس المضمون ، فى النهاية ، ولكن هناك بعدين ، من الممكن أن يطرحا تمييزا و حدا فاصلا لكل كلمة . البعد الأول هو المفهوم الواسع للجحيم ، الذى سبق أن تحدثنا عنه ، وفيه قلنا أن الكون الحاضر ، فى جملته ، هو مجال للجحيم ؛ فالخليقة كلها منحدرة بطبيعتها نحو مصيرها العدمى ، أى الجحيم . والبعد الثانى هو مدلول الاستخدام الكتابى - لاسيما العهد الجديد - لهذه الكلمات . والأمر العجيب هو التطابق المدهش بين البعدين فى وضع الخطوط الفاصلة بين الكلمات الثلاثة :
    — فالاسم ، hades = هادس ، هو اسم الجحيم فى حالة الهبوط ( الانحدار ) : فكفر ناحوم المرتفعة ستهبط الى “هادس “( مت 11 : 23 ) و ( لو 10 : 15 ) ، والكنيسة الحاضرة - فى منحدر الكون - سوف لا تقوى عليها أبواب “هادس “( مت 6 : 18 ) ، والغنى المنحدر الى “هادس “رفع عينيه وهو فى العذاب ورأى لعازر من بعيد فى حضن ابراهيم ( لو 16 :23 ) . وحينما يلبس كياننا الفاسد -المنحدر نحو الجحيم - عدم الفساد ، ويلبس المائت عدم موت ، فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة : ” ابتلع الموت الى غلبة ” أين شوكتك ياموت ؟ أين غلبتك يا ” هادس “؟( 1كو 15 : 54, 55 ). والرب المنتصر على الموت - الذى يعطى نصرته الى جميع المنضمين اليه ، محررا اياهم من انحدارهم نحو الجحيم - يقال ،أن له مفاتيح الهاوية ( هادس )والموت ( رؤ 1 : 18 ).وعندما يعتق ، الذين فى المسييح من انحدارهم نحو عمق الجحيم ، حيث الموت الأبدى ( الموت الثانى ) ، يقال أن الموت والهاوية ( هادس ) قد طرحا فى بحيرة النار ( رؤ 20 : 14 ).
    — و الاسم ، abyssos هو اسم الجحيم فى حالة الصعود ، والافلات ، منه : ففى الرسالة الى رومية : لا تقل فى قلبك .. “من يهبط الى abyssos ؟ أى ليصعد المسيح من الأموات . ( رو 10 : 7 ).وفى الرؤيا نجد : الوحش الصاعد ، من abyssos ، فى:( رؤ 11 : 7 ) و ( رؤ 17 : 8 ) ، وأيضا نجد الشيطان مقيدا ومطروحا فى abyssos وقد أغلق عليه حتى لا يصعد ويضل الأمم فى ما بعد حتى تتم الألف سنة ، فى( رؤ 20 : 2و 3 )، ونجد أيضا االدخان ، الصاعد من abyssos ، فى ( رؤ 9 : 1و 2 ).
    — و الاسم ، geenna هو اسم الجحيم فى حالة الاستقرار الأبدى ، فى حالة الهلاك فى النار الأبدية التى لا تطفأ : ( انظر : مت 5 : 22 ، 29 ، 30 )،( مت 10 : 28 )، ( مت 18 : 9 ) ، ( مت 23 : 15 ، 33 ) و ( مر 9 : 43 ، 45 ، 47 ) و ( لو 12 : 5 ) و ( يع 3 : 6 ).
    2- الجسد والنفس :
    لا يعرف اللاهوت المسيحى الثلاثية اليونانية ، القديمة : الجسد والروح والنفس ، والتى تفترض ، مسبقا وجود الروح البشرية الخالدة بالطبيعة ، بالاضافة الى النفس والجسد . فالطبيعة البشرية لها وجهان ( شقان ) فقط : الجسد والنفس . وفى يونانية العهد الجديد نجد تمييزا دقيقا بين مستويين مختلفين لكل وجه من هذين الوجهين . اذن ، لدينا أربعة مفردات لتوصيف الكيان الانسانى ، من خلال مستويين :
    + المستوى الأول : هو مستوى ، يحمل المفهوم العام للطبيعة البشرية ، ممثلا فى الكلمتين :
    1- sarx ، ساركس ، وهى الطبيعة البشرية التى هى من لحم ودم ، والكلمة لا تعنى الجسد الظاهر ، فقط ،بل تستوعب الطبيعة كاملة ، بدون شخصنة ؛ فالكلمة صار جسدا ( sarx) ( يو 1 : 14 ) أى ،صار بشرا . “ساركس ” ، تعنى الكيان البشرى كاملا : اسكب من روحى على كل ” ساركس ” ( أع 2 : 17 )، وحتى عندما يعطى الرب طبيعته ، الانسانية الجديدة ، للبشر ، يعبر عن ذلك قائلا : جسدى ( ساركس ) مأكل حق .( يو 6 : 55 ).
    2- psyche : النفس ، وتعنى الحياة الانسانية بصفة عامة ؛ فقد صار ادم نفسا حية ( 1كو 15 : 15 ) . وتستخدم الكلمة لتدل على الكيان البشرى ، كاملا : لتخضع كل نفس للسلاطين ( رو 13 : 1 ) ، وعندما يحصى عدد البشر ، فنحن بصدد احصاء للنفوس ، كما فى ( اع 2 : 41 ) ، والحديث عن خلاص البشر هو حديث عن خلاص النفوس ، كما فى ( 1بط 1 : 9 ).
    اذن : كل من المفردتين ، ( sarx , psyche) ، تعنى الكيان الحى ، الظاهر ، كطبيعة بشرية .
    + المستوى الثانى : مستوى الشخصنة ( الشخص البشرى ) ، ممثلا فى الكلمتين :
    1- soma: الجسد ، وتعنى الشخص ، كما فى : - شركة جسد المسيح .( 1كو 10 : 16 ) .- ونحن الكثيرين جسد واحد فى المسيح .( رو 12 : 5 ). الكنيسة التى هى جسده .( أف 2 : 16 ). وهو حيبما أعطى ذاته ، لكى ما يجتمع فيه الكل ، فى شخص واحد ، قال : خذوا ، كلوا . هذا هو جسدى ( سوما ) ( مت 26 : 26 ) . خبز واحد جسد ( سوما ) واحد .( 1كو 10 : 17 ).
    2- pneuma : الروح ، وهى المعادل ، الشخصى ، لكلمة ( soma ) ؛ فالجسد ( سوما ) بدون روح (pneuma ) ميت .( يع 2 :26 ).والروح ليست مفهوما عاما مثل psyche فهى تحمل معنى الشخص والوعى والذات : فلا يفحص أعماق الانسان الا روح الانسان الساكن فيه ( 1كو 2 : 11 ) . والروح ( pneuma) هى الشخص الانسانى المخاطب من قبل النعمة ، حيث القدرات الانسانية الذاتية ؛ فالروح هى التى تخلص فى يوم الرب ( 1كو 5 : 5 ) ، حتى ، الصلاة ، هى بالروح ( 1 كو 14 : 15 ) . والعبادة هى بالروح ( رو 1 : 9 ) . لذلك فان النعمة تستهدف الروح ( pneuma ) لتجددها : تتجددوا بروح ذهنكم ( أف 4 : 23 ).
    وهنا ، نستطيع أن نميز بين الكيان النفسى ، العتيق ، والكيان الروحى الجديد ، فى المسيح . فالأول هو جسد نفسانى ( soma psychikon) ، والثانى هو جسد روحانى ( soma pneumatikon) . (انظر ، 1كو : 44 - 50) . نستطيع أن ندرك أن الانسان الجديد ، فى المسيح هو شخص ، بالمفهوم الحقيقى لكلمة شخص ، لأنه الشخص الثايت فى كيان شخص المسيح ، ذاته ، وذلك بخلاف الانسان العتيق ، الشخص النفسى ، الزائل بحكم طبيعته ؛ فالمولود من ” الساركس ” هو ” ساركس ” والمولود من الروح ( الروح القدس ) هو روح ( pneuma). ( يو 3 : 6 ). المولود من “الساركس ” هو مجرد طبيعة بشرية ،أما المولود من الروح القدس هو شخص لأنه مولود من شخص الروح القدس ، الذى يؤقنم ( يشخصن ) وجوده ، فى المسيح .
    اذن : كل من المفردتين ( soma ، pneuma) ، تعنى الطبيعة البشرية المشخصة .
    3- التقوى :
    المعنى العميق للكلمة ، من المنظور اللاهوتى ، هو الوقاية من الموت والهلاك الطبيعى ، ولدينا فى يونانية العهد الجديد - بخصوص النصوص التى نحن بصددها - كلمتان لتوصيف هذا المعنى ، وذلك من خلال منظورين :
    + المنظور الأول : الوقاية السلبية ، أى الوقاية بالمنع والانفصال عن الهلاك ، والكلمة المستخدمة هى eulabeia والفعل هو eulabeomai ويعنى : يحترز أو يتحفظ ، والفعل استخدم فى السبعينية كما فى ( تث 2 : 4 ) . وفى العهد الجديد كما فى :” بالايمان نوح لما أوحى اليه عن أمور لم تر بعد خاف ( احترز ) فبنى فلكا لخلاص بيته ، فيه دان العالم وصار وارثا للبر الذى حسب الايمان .”( عب 11 : 7 ). وكما فى ” لذلك ونحن قابلون ملكوتا لا يتزعزع ليكن عندنا شكر به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع وتقوى ( eulabeia) لأن الهنا نار اكلة .”( عب 12 : 28 ) .
    + المنظور الثانى : الوقاية الايجابية ، الوقاية بالمنح ، بالتغطية ، بارتداء الانسان الجديد ، غير القابل للموت ، والكلمة المستخدمة هى : hosiotes: تقوى ، و التقى هو :hosios .
    - ” ، أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الانسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور ، وتتجددوا بروح ذهنكم ، وتلبسوا الانسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة ( hosiotes) الحق .”( أف 4 : 22 - 24 ).
    - ” وأما هذا فمن أجل أنه يبقى الى الأبد ، له كهنوت لا يزول . فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا الى التمام الذين ” يتقدمون به “الى الله ، …لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس (hosios) بلا شر ولا دنس ، قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السماوات .”( عب 7 : 24 - 26 ) .
    ثالثا : التعليق :
    عندما نجد أن الكلمات المستخدمة فى النصوص - التى نحن بصددها - هى : sarx , psyche ، الدالة على الطبيعة البشرية فى مفهومها العام ، فماذا يعنى هذا ؟ .
    - عندما يقول -: جسدى ( sarx ) يسكن على الرجاء لأنك لن تترك نفسى ( psyche) فى الهاوية ( hades ) ولا تدع تقيك (hosios ) يرى فسادا - فان المقصود هو أن الطبيعة البشرية - فى المسيح ( الكيان كله ، ظاهره وباطنه )- انما تنسحب عليها النصرة على الموت ، وليس العتيق ( الظاهر ) هو المقصود . فالكيان الانسانى ، التقى ، بفضل الشركة فى حياة الكلمة هو مخترق للجحيم ، حتى وان كان نازلا اليه ،محتجبا فى الرداء العتيق . هذا الكيان هو ما عبر عنه الرسول قائلا : بفضل تقواه ( eulabeia ) ، قد سمع له .
    - هو اذن ، ممات فى الجسد ( sarx) ، فقد افترش الموت على كيانه ، وقبله فى طبيعته التى هى طبيعتنا . ولكن هذه هى نصف الحقيقة ، فالخبر السار هو أن الحياة ، التى له بفضل كونه جسد الكلمة ، قد أظهرته ك ” محيي فى الروح ” ، قد أظهرته شخصا انسانيا جديدا ، هو ادم الجديد ، وهذا ما انفرش على طبيعتنا ، مثلما انفرش موتنا على طبيعته . وهو عندما كان نازلا الى الجحيم ( hades) ، لم يستطع الجحيم أن يأخذ منه غير ما يأخذ مننا ،أى الحجاب العتيق ،
    - ادم الأخير ، المحيى فى الروح ، هو الانسان الروحانى ، الذى فيه نالت البشرية الوقاية من داء الموت ، وقد صار هذا الشخص رأسا للتقوى ، ومنه تنساب الوقاية ، من داء الموت ، الى جميع الذين ينضمون اليه ليكملوا جسده ، أى الكنيسة . وحينما تنحل الأجساد العتيقة لهؤلاء المنضمين الى الكيان الواقى ، المسيح ، فهى تترك أرواحا ، هى شخوص حقيقية ، هى أعضاء متمايزة فى جسد ( soma) المسيح . لن يصر الجميع مجرد طبائع بشرية حية ( sarx أو psyche) ، بل شخوصا روحانية ( pneuma) تضمها علاقة عضوية داخل شخص روحانى كاثوليكى يجمع الكل . هذا هو هيكل الله الذى يسكنه روح الله . هذا هو الكنيسة التى رأسها هو رأس التقوى ، الرب يسوع الناصرى ، الكلمة المتجسد .
    - عندما يقول ” لا تدع تقيك يرى فسادا ” ، فهو لم يكن يقصد الجسد الظاهر ، جسد ( soma) يسوع ( مت 27 : 58) ، بل كان يتحدث عن الكيان البشرى كاملا ( sarx أو psyche) ويجب أن نلاحظ أن مضمون عبارة ” جسدى سيسكن على رجاء ” ، يكافئ مضمون عبارة ” لن تترك نفسى فى الهاوية ” ؛ فالطبيعة البشرية الساكنة على الرجاء هى الطبيعة البشرية غير المتروكة لهبوطها ، حتى لا تستقر فى الجحيم .
    ———————————————————————————————–
    ————————————————————————————————-
    و بعد
    بنهاية هذه المقالة ، أظن أننى حاولت ، جاهدا أن أضع الأساس للمفهوم الشامل للكنيسة ،أى الكنيسة التى تمتلئ من ثلاثة روافد : رافد الراقدين ( رافد عثرة الكرازة ) ، رافد الأمم ، بالمفهوم المطلق لمفردة “أمم “( رافد جهالة الكرازة ) و رافد المسيحيين ( رافد دعوة الكرازة ) . وأرجو بنعمة الرب ، فى مرحلة لاحقة ، أن أتمكن من الكشف العميق لثلاثية تركيب الكنيسة - هذه- كبنية للعهد الجديد ، لاسيما سفر الرؤيا . وحتى تحين هذه الفرصة ، فاننى أضع كل ما سبق من مقالات - فى هذا الجزء من الدراسة - تحت تصرف ادارة الموقع ، لتقوم بنشره على الموقع ، كيفما يروق لها . وفى هذا الصدد ، فاننى أتقدم لادارة الموقع بجزيل الشكر لحسن استقبالها لما أكتب ، راجيا الرب يسوع المسيح أن يوفق كل من له تعب فى هذا الموقع وأن يعوض الجميع أجرا صالحا سمائيا . وأرجو من الرب أيضا ، السلامة والصحة ودوام العطاء لأستاذى الدكتور / جورج حبيب .
    دمتم فى المسيح .

  27. د. جورج حبيب بباوي :

    الأخ العزيز m-david
    طلبت مني أن أعلق على ما تفضلت به، وهذا سلوك مسيحي نادر في جيل يندفع نحو أعماق التعصب والجهل في سرعة ولا يريد حتى التروي والإنتظار والتفكير بهدوء.
    أهنئك على الأسلوب الراقي والرؤية الأرثوذكسية التي تعلو على الفكر السائد، وهذا نعمة من الله، تعمل فينا، وأحياناً لا ندركها إلا بعد أن يوجه غيرنا النظر اليها.
    أسرة الموقع: نظرا لطول الرد وأهميته فإننا رفعناه على الموقع بصور ملف PDF الرجاء التفضل و تحميلة ولك منا جزيل الشكر والتقدير.
    تحميل الملف

  28. m-david :

    تعليق على تعليق :
    - مجرد محاولة لاعادة اكتشاف مسلمات الخريستولوجيا .
    =====================================
    أستاذى الدكتور / جورج حبيب
    سعدت سعادة بالغة بتشريفكم لى بالتفضل بالتعليق الذى التمسته منكم . أيضا سعدت جدا بثنائكم ، الذى لا يدل الا على تواضع العالم العظيم فى خطابه مع مجرد تلميذ متواضع من تلاميذه ومريد من مريديه .
    وكعهد الدنيا بك فأنت دائما ذلك الكائن البشرى الذى لا يتنفس الا حكمة الاباء ولا ينطق ولا يفكر الا لغتهم التى تحمل عبق طزاجة الفكرة المسيحية ، فى منابعها الأولى .
    تعلمت منكم هذا العشق لتراث الاباء ، لاسيما فكر العظيم أثناسيوس ولكننى فى تشبسى بهذه المرجعية الابائية فان تشبسى لا يتوقف عند حدود ظاهر النص ، ولكننى أستميت فى التشبس بجوهر فكر الكاتب ككل ، ذلك الجوهر الذى يتبلور فى صيغة لا تقبل الجدل - تظهر من خلال بلورة لمشترك أعظم يمثل حبل المسبحة الذى يضم حبات لالئ مفردات النص . المثال الأوضح - وهو فى الواقع بيت القصيد لموضوعنا - هو موضوع التجسد بالنسبة لجل فكر القديس أثناسيوس .
    - ما نتعلمه من فكر أثناسيوس - لا سيما كتاب تجسد الكلمة - هو أن حدث الاحتفالية - الحدث المركزى - الحدث الأم - هو تجسد الكلمة ، هو صيرورة شخص الابن انسانا . فى التجسد نالت البشرية - فى جسد يسوع الخاص ، كرأس - كل ما يخص النعمة .
    - بالتجسد تحققت القيامة والنصرة على الموت . بالتجسد تحققت المغفرة . بالتجسد تحقق الخلاص . بالتجسد تكرس الملكوت ، اذ تكرس وجود الملك ، الرب يسوع .بالتجسد انطلق تأسيس الكنيسة بتحقق وجود رأسها ، الرب يسوع التاريخى. فلنتخيل ما نشاء من مفردات توصيف النعمة ، فلن نجد مفردة واحدة منها لا توصف ما هو قائم فى انسانية الكلمة المتجسد الرب يسوع .
    اذن ، محورية التجسد ومركزيته هى نقطة حاكمة ، ومن المستحيل الوصول لمفهوم صحيح للنعمة التى نالتها البشرية فى المسيح بدون تمركز التجسد داخل هذا المفهوم .
    النقاط الحاكمة لفهم صحيح لموضوع التجسد :
    ———————–
    1- طبيعة كيان التجسد :
    ________________
    كيان التجسد هو شخص الكلمة المتأنس ، الاله الكامل والانسان الكامل بان واحد . هذه المعضلة الخريستولوجية ينبغى أن لا تكون بهذا القدر من الغرابة الذى تبدو عليه ، بالنسبة لنا ، فالعلاقة بين مختلفين - المكونة لكيان واحد بسيط ، بلا تركيب - هى قريبة جدا لنا ، أكثر مما نتخيل ، فهى حقيقة وجودنا ، هى حقيقة طبيعتنا ، فالشخص الانسانى هو ثمرة اتحاد سرى ، لا نستطيع ادراكه ، بين النفس البشرية العاقلة والجسد البشرى . النفس والجسد طبيعتان مختلفتان متمايزتان ولكن اتحادهما - الذى لم يكن غير كذلك يوما ما ، ولن يكون - بالنسبة للانسان الحى -هو سر وجود الشخص البشرى الواحد .
    - لقد كان”النموذج الانسانى ” ، بمثابة الوسيلة التمثيلية الناجحة والناجعة التى تبناها القديس الأنبا كيرلس الأول ، فى معرض شرحه وتأصيله لمفهوم مصطلح “الاتحاد الأقنومى “( hypostatic union) ، وذلك فى رسالته الثانية الى سكسينسوس وأيضا فى رسالته الثالثة الى نسطور .
    - الأقنوم هو الشخص ، والاتحاد الأقنومى هو الاتحاد الشخصى ، أى الاتحاد - بين عنصرى الشخص - الذى به يوجد الشخص ، ولاوجود للشخص أو لأى من عنصريه - فى حالة مستقلة - سواء قبل أوبعد ، الاتحاد الأقنومى .
    - الاتحاد الأقنومى هو طبيعة الرب يسوع التاريخى ، ألوهة كاملة وانسانية كاملة فى وحدة ، لا وجود فيها لاختلاط ، أو امتزاج ، أو تغيير- أو استقلال - لأى من الطبيعتين - سواء قبل أو بعد الاتحاد .
    - يعبر عن الاتحاد الأقنومى بمصطلح “الاحتواء المتبادل “(coinherence)( وهذا التعبير يختلف عن تعبير اخر ، يستخدم لشرح علاقة شخوص الثالوث الأقدس وهو :(perichoresis ).
    الاتحاد الأقنومى ، الذى يتحقق به الشخص الانسانى ، انما يعنى أن النفس البشرية والجسد البشرى كائنان فى حالة احتواء -وتواجد واستيعاب - متبادل .فالنفس ( الروح ) هى التعبير غير المادى عن الجسد ، والجسد هو التعبير المادى عن النفس . كل من العنصرين يتضمن الاخر ويحقق وجوده ، ولا وجود مستقل لأى منهما . الاستقلال - هنا - يعنى الموت والتلاشى لكليهما .
    - أما فى ما يخص الخريستولوجيا ، فاننا يجب أن ندرك أن لاهوت الكلمة المتجسد هو فى حالة احتواء متبادل مع ناسوت الكلمة المتجسد . الألوهة الكاملة التى للكلمة المتجسد هى فى حالة تواجد متبادل ، واستيعاب متبادل ،مع الانسانية الكاملة التى للكلمة المتجسد .
    هذا هو شخص الرب يسوع التاريخى ، شخص واحد ، بسيط ، غير مركب ، كائن فى اتحاد اقنومى - غير قابل للتقسيم - بين عنصريه ، الكلمة والانسان .لاهوت الكلمة المتجسد يتضمن ناسوته الكامل وهو”يكرم بسجدة واحدة “(بحسب تعبير ق/كيرلس فى رسالته الثالثة الى نسطور ) ، بينما ، ناسوت الكلمة المتجسد يتضمن لاهوته الكامل وهو يكرم بذات السجدة الواحدة .
    2- طبيعةالواقع الجديد الذى تحقق بالتجسد :
    ______________________________________
    تحنى الصبية العذراء رأسها خضوعا لأمر الرب قائلة :” هوذا أنا أمة الرب.ليكن لى كقولك “( لو 1 :38) . قالت هذا ردا على رسالة المبشر العجيبة :” الروح القدس يحل عليك ، وقوة العلى تظللك ، فلذلك أيضا القدوس المولود يدعى ابن الله .”( لو 1 :35). وما أن أعلنت العذراء تسليمها الكامل لارادة الرب حتى زرع فى رحمها أول خلية حية تنتمى لطبيعتنا البشرية . تتكاثر الخلية وفقا لبيولوجيتنا. ينمو الجنين .يكتمل نموه . يولد . يسمى يسوع . ينمو الطفل .يصير رجلا . يخرج لقومه بخطاب جديد . يصطدم مع المؤسسة الدينية المتحجرة . يتامروا لقتله باسم الدين . ينفذون المؤامرة . يصلب .يموت . يتوارى فى القبر .
    مع ظهور الخلية الأولى التى رصدنا قصة وجودها يحدث أمر جلل اخر فى تواز وتلازم وتزامن مع هذا الظهور ؛ يحدث أمر هو بمثابة ثورة كونية تمثل ارتقاءا نوعيا بخصوص أعظم مخلوقات الكون أى الانسان . هذه الثورة النوعية هى ظهور خلقة جديدة للانسان ، ظهور الانسان عديم الفساد الذى له الحياة الأبدية .ظهرت الخليقة الجديدة كاملة - لحظيا - متزامنة مع ظهور الخلية الأولى من كيان يسوع فى رحم العذراء.
    - الانسانية الجديدة عديمة الفساد الكائنة فى الرب يسوع التاريخى هى ثمرة الاتحاد بحياة الكلمة .ظهور”جديد يسوع” هو الدليل الواقعى والعلامة الأكيدة للاتحاد الأقنومى بين الكلمة والانسان فى الرب يسوع التاريخى.
    - الاتحاد الأقنومى الذى لشخص الرب يسوع التاريخى هو اتحاد الكلمة بالانسان الكامل . الانسان الطبيعى ليس هو الانسان الكامل .الأخير هو ذلك النموذج الذى خلق الانسان ليكون اياه . فى الرب يسوع ظهر الانسان الكامل . لم يكن الاتحاد الأقنومى قائما بين الكلمة والانسان العتيق فقط . من المستحيل أن تظل طبيعتنا كما هى بالرغم من وجودها فى اتحاد أقنومى مع الكلمة فى شخص الرب يسوع .
    - جوهر شخص الرب يسوع التاريخى -وباطنه المستتر - هو انسانيته الجديدة غير القابلة للموت -ولا حتى للألم -وذلك بفضل كونها قد صارت شريكة فى حياة الكلمة باتحادها أقنوميا معه ، وهى قد صارت هكذا منذ أن صار هناك اتحاد ، أى منذ بدايةانطلاق الحدث فى رحم العذراء .أما ظاهر شخص الرب يسوع - المرصود تاريخيا فى الأناجيل - فهو طبيعتنا نحن .هو ما نحن عليه كبشر طبيعيين ، قبل الامتلاء بالنعمة .هو الانسان العتيق ، جسدا ونفسا ، لحما ودما ، ألما وموتا . هو ذلك الفاسد بالطبيعة . هو ذلك ، غير القابل بطبيعته أن يرث عدم الفساد . هو ذلك المحكوم عليه بالموت . هو ذلك العبد الذى ، نحن اياه .
    - ولكن الخلط بين ظاهر الشخص وباطنه هو حجر العثرة الذى يحول دون ادراك صحيح لمسلمات الخريستولوجيا ، وفى ذات الوقت فان الظاهر والباطن ليسا كيانين منفصلين بل هما كيان واحد ؛ فباطن الشخص - الانسانية الجديدة الكائنة فى الكلمة - هو الصيغة الممتلئة - هو الصيغة الجديدة -عديمة الفساد - لذلك الظاهر . والأخير هو العتيق هو الصيغة التى ننطلق منها نحو ملئنا الذى فى المسيح ، اى نحو تحقيق واظهار ذلك الباطن . الاثنان هما صيغتان متباينتان للوجود الانسانى الواحد . الجديد هو صيغة الحياة أما العتيق فهو الصيغة الطبيعية المحكوم عليها بالموت . والرب عندما زرع جديده - خفية ، بسر لاينطق به - فى عتيقنا فهو قد ظل لابسا ايانا ، حتى اذا مات فينا وأماتنا معه ، وأظهر باكورة قيامتنا ، كيانه الجديد الذى لم يستطع الموت أن يمسك به - استحققنا أن نشترك فى جديده الذى صارلنا رأسا وصرنا نحن له أعضاء.
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو كائن فى ذلك الوليد الذى قال عنه المبشر :” ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب . وهذه لكم العلامة : تجدون طفلا مقمطا مضجعا فى مذود .”( لو 2 : 11و 12 ).لقب “المسيح “يعنى كمال النعمة وكمال مجد الانسانية وكمال النصرة على الموت ، كما يتضح من كلمات بطرس الرسول يوم الخمسين :” فليعلم يقينا جميع بيت اسرائيل أن الله جعل يسوع هذا ، الذى صلبتموه انتم ، ربا ومسيحا .”( أع 2 :36 ) .وكما يتضح أيضا من تعقيب الرب على شهادة بطرس عنه بأنه هو المسيح ابن الله الحى ، اذ قال له :” أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى ، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها .”( مت 16 :18 ) .هو اذن المسيح الذى اتخذ من طبيعتنا جسدا ماسحا اياه حتى ما يصير باكورة لمسحتنا جميعا فيه . هو الرب الذى اتخذ من طبيعتنا جسدا معلنا فيه كمال الربوبية والاعتناء أى الحياة وعدم الموت ، حتى ما يصير لنا ربا ورأسا لوجودنا ، فيه. وقد كان الرب ، طيلة فترة خدمته على الأرض حريصا على أن تبقى حقيقة كونه المسيح ، سرا ؛ ففى نفس سياق شهادة بطرس - على سبيل المثال -”أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد انه المسيح .(مت16 : 20 ). لقب المسيح يحمل داخله كيان يسوع الجديد الذى كان حريصا على أن يبقيه مخفيا الى أن يسمح بظهوره للتاريخ فى فجر الأحد . هذا هو الصخرة,هذا هو حجر زاوية كنيستنا التى لن تقوى عليها أبواب الجحيم .
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك المستهدف من كلمات السماء :”هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت .”( مت3 :17 ).معمودية يسوع فى الأردن لم تكن ظهورا للثالوث - بطريقة مجردة عارية - بل كانت ظهورا للبشرية الجديدة -الكائنة فى كيان الرب يسوع -كصورة للثالوث الأقدس ، أى التى هى بحسب التعبير الابائى الأصيل :” من الاب بالابن فى الروح القدس “.
    مسرة الاب بالابن ، لا تأتى فى السياق المطلق للعلاقة بين شخوص الثالوث الأقدس ، بل فى سياق علاقة الاب بالابن المتجسد ، أى فى سياق الاشارة الى النعمة التى نالتها البشرية فى الكلمة المتجسد ؛ فأنشودة الملائكة -لحظة ولادة يسوع - كانت تزف بشرى حلول السلام فى البشر الذين قد سر الله بهم - على الأرض - بولادة رأس كيانهم الجديد - ليكونوا صورة للمجد الذى فى الأعالى ، أى مجد الثالوث الأقدس ذاته :” المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام فى أناس مسرته “( لو 2 : 14 ).المسرة هى بالابن الجامع للبشر فى كيانه عندما صار بشرا ،” لأنه فيه سر أن يحل كل الملء , وأن يصالح به الكل لنفسه .”( كو1 : 19 ,20 ).” اذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التى قصدها فى نفسه ، لتدبير ملء الأزمنة ، ليجمع كل شئ فى المسيح ، ما فى السماوات وما على الأرض ، فى ذاك الذى فيه أيضا نلنا نصيبا .”( أفس1 : 9-11 ).
    اذن , النازل فى مياه الأردن ، والمعتمد من يوحنا الصابغ هو بكر البشرية الجديدة ن الكائنة الى الأبد داخل شركة الثالوث الأقدس ن معمودية يسوع تكشف باكورة مسرة الاب فى البشر أى بشرية الرب يسوع ، ذلك الذى بواسطته تكتمل مسرة الله عندما يجتمع فيه الكل .
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى أظهره الرب للخاصة من تلاميذه ، على الجبل، واليه صار صوت السماء: ” هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت له اسمعوا .”( مت 17 :5 ). اذن هو نفس خطاب مسرة الاب - بالبشرية الجديدة التى للكلمة المتجسد - والذى سبق استخدامه فى معمودية الأردن ، وذلك لأننا، هنا ،أيضا ، بصدد استعلان نفس الحدث .
    الكيان المستعلن فى التجلى هو بشرية يسوع الممجدة بفضل الاتحاد الأقنومى وهذا هو ما أشار اليه أحد شهود التجلى وهو الرسول بطرس ، اذ قال فى رسالته الجامعة :”لأنه أخذ من الله الاب كرامة ومجدا اذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى :”هذا هو ابنى الحبيب الذى أنا سررت به “ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء اذ كنا معه فى الجبل المقدس .”( 2بط 1 :17و18 ).
    الفعل المستخدم للتعبير عن حدث التغير فى الهيئة والتجلى ، فى هذا السياق ، هو “metamorphoo”، وهو لم يرد فى العهد الجديد الا فى أربعة مواضع فقط : اثنان منهما بخصوص حادثة التجلى ، والاثنان الاخران لهما دلالة ذات صلة بنفس الحادثة ولعل هذه الدلالة هى كشف امتداد مضمون حدث التجلى فى أعضاء الكنيسة التى هى جسد الرب ، وبكلمات أخرى ، هى مضمون عبارة ” له اسمعوا ” التى تأتى فى نهاية خطاب السماء .والموضعان هما : 1- لا تشاكلوا هذا الدهر ، بل “تغيروا ” عن شكلكم بتجديد أذهانكم ، لتختبروا ما هى ارادة الله الصالحة المرضية الكاملة .( رو12 :2 ).2- ونحن جميعا عاكسين ” reflecting”( الترجمة الصحيحة ، كما أعتقد ) مجد الرب بوجه مكشوف “نتغير ” الى تلك الصورة عينها ، من مجد الى مجد ، كما من الرب الروح .( 2كو 3 :18 ).اذن هو مجد المسيح ، الابدى ، غير الزائل الذى نتغير اليه ، وهكذا ينعكس مجده علينا مثلما انعكس مجد الله قديما على وجه موسى ولكن الفرقان الأساسيان بين المجدين هما :1- مجد موسى زائل ومجد المسيح باق .2- مجد موسى كان محتجبا وراء برقع وأما مجد المسيح فينعكس علينا ونحن بوجه مكشوف ، وبدون برقع أو حجاب .
    كيان التجلى هو بشرية يسوع الممجدة ، والتى كان الرب حريصا على اخفائها ، خلف العتيق - طيلة خدمته - الى أن يعلنها فى فجر الأحد ، أى فى فجر القيامة : ” وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا :” لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الانسان من الأموات “.( مت17 :9 ).
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى شهد لذاته قائلا :”من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه . كما أرسلنى الاب الحى ، وأنا حى بالاب ، فمن يأكلنى فهو يحيا بى . هذا هو الخبز الذى نزل من السماء . ليس كما أكل اباؤكم المن وماتوا . من يأكل هذا الخبز فانه يحيا الى الأبد .”( يو 6 : 56-58 ).وفى العشاء الأخير ، فى عشية اعدامه، قدم كيانه، الجديد ، جاعلا منه الكيان الافخارستى الذى فيه تجتمع وتتحقق الكنيسة ، الخليقة الجديدة.
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى شهد لذاته قائلا :” أنا هو القيامة والحياة . من امن بى ولو مات فسيحيا ، وكل من كان حيا وامن بى فلن يموت الى الأبد .”( يو11 : 25 و26 ).
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو الكائن فى الابن - والذى فيه تم تبنى الجميع من قبل الاب صائرين وديعة أبدية فى يديه - وبخصوصه ، وفى لحظة موته ، التى هى شهادة حياته ، بان واحد - نادى بصوت عظيم وقال :” يا أبتاه ، فى يديك أستودع روحى .”( لو 23 :46 ) .وهكذا صار موت الصليب كشفا للنصرة الكائنة فى جديد يسوع ، الذى صار وديعة لدى الاب ، وحينما أسلم عتيقه لمصيره الطبيعى - الذى هو مصير الكون كله ، أى العدم - كان ذلك خلعا للحجاب الذى يستر مجد الانسانية ، ورأسها ، الرب يسوع القائم والمنتصر على الموت .
    ولم يكن موت الصليب مجرد أداة انتصار على الموت فى كيان الرب ، فقط ، بل لقد أصبح الصليب هو قوة الكنيسة وطريقها للشركة فى مجد القيامة بالشركة فى موت المسيح المحيى . أصبح الصليب معبرا للشركة فى مجد التجسد ، بتكميل الجسد الذى للكلمة المتجسد ، المسيح المستوعب لكنيسته .
    3- طبيعة الواقع القديم الذى تم تجاوزه بالتجسد :
    _____________________________________
    الواقع القديم هو ذلك الممتد منذ ظهور أول خلية بشرية حية فى رحم العذراء ، الى دخول جسد يسوع فى القبر . هذا هو واقع الألم والموت .هذا هو كياننا الطبيعى ، جسدا ونفسا ، أو الجسد النفسانى .ولكن هذا الواقع - الذى استمر لعدة سنوات قليلة، بتعداد زماننا - هى عمر الرب يسوع التاريخى على الأرض - كان قد تم تجاوزه تماما من خلال الظهور المتزامن والمتلازم - مع انطلاق الحدث- للطبيعة البشرية الجديدة عديمة الفساد والتى لها الحياة الأبدية .وقد ظل الواقع الجديد مستترا خلف العتيق الى أن توارى العتيق فى القبر فتم اعلان الواقع الأبدى الجديد الذى للبشرية الكائنة فى الكلمة ، فى اتحاد أقنومى ، والصائرة رأسا لجميع المختارين من البشر ليصيروا أعضاء المسيح .
    - موت الرب يسوع لا يمكن تفهمه بدون ادراك بعده الكونى ( وهذا ما أثنيتم عليه، مشكورين فى تعليقكم الرائع ) . والبعد الكونى لموت يسوع يعنى أنه فيما مات موتنا فهو قد مات موت الكون كله ،أى العدم ؛ لأننا حينما نموت ،بحكم طبيعتنا ، وذلك بانفصال النفس عن الجسد وضياع هيئة الاثنين وانحدارهما نحو العدم ، فانه ماتزال بقايا الأجساد فى الكون وبتحللها تدور العناصر ثانية فى الكون فى صور أخرى . تمام صورة الموت هو العدم الذى يحدث فى لحظة نهاية الكون بانحلال العناصر ، الأمر الذى تحدث عنه الرسول بطرس فى رسالته ، اذ قال :”( سيأتى كلص فى الليل ، يوم الرب ، الذى فيه تزول السماوات بضحيح ، وتنحل العناصر محترقة ، وتحترق الأرض والمصنوعات التى فيها .”( 2بط 3 :10).
    الرب يسوع التاريخى مات هذا الموت . مات موت الكون كله ، وبذلك هو لم يمت موتنا فقط بل قد أتم موتنا وأتم موت الكون ، وحينما أغلق على عتيقه بالحجر ، داخل القبر ، تهاوت الطبيعة المادية العتيقة التى لذلك الحجاب ، وانحلت جميع عناصرها وصار ظاهر شخص الرب يسوع - المادى ( اللحم والدم )- عدما ، لتتكشف حقيقة الجديد المستور ، ذلك الكيان الروحانى ، الذى للانسانية الجديدة الكائنة فى اتحاد شخصى مع الكلمة منذ أول لجظة للتجسد .
    واذا أردنا أن نرى - بالنعمة -منظورا أوسع لهذه القضية ، فاننا يجب أن ندرك أن مفهوم البعد الكونى لموت الرب يسوع هو جزء من سياق أوسع وأرحب هو مفهوم ” البعد الكونى للتجسد ” .تجسيد الأمر هو اعادة اكتشاف حضوره فى الاخر . الكون لم يكن يوما الا تجسيدا لحضور الكلمة ، وهذا هو عمق مفهوم النعمة . حضور الكلمة فى الكون - أى نعمة الخلق واستمرار الخليقة - هو حضور نسبى ، كمى ، موقوت ، رجعى ( reversible)، وبارادته وحده ، فى الزمن المحدد سوف ينهى الكلمة حضوره فى الكون فيتلاشى عائدا الى العدم . ولكن ماذا لو أن الكلمة قد حضر بكل ملء لاهوته - حضورا مطلقا - فى انسان ينتمى الى هذا الكون واتحد به أقنوميا ، متجسدا فيه - جاعلا منه رأس الانسانية الجديدة عديمة الموت - فماذا يعنى موته ، فى هذا السياق ؟ ألا يعنى ذلك أن الكلمة المتجسد - وفيما أراد أن يظهر الخليقة الجديدة ، التى ظهرت بفضل حضوره الأبدى فيها ( irreversible)، فانه أنهى حضوره فى ظاهر شخصه ، العتيق - كما سوف ينهى حضوره فى الكون - فصار عدما ؟ أليس هذا هو الموت ، كغياب لحضور الكلمة ؟ .
    - فى جديد يسوع - المتحد أقنوميا ، الى الأبد ، مع الكلمة - قد تم تجاوز واقع الحضور الزمنى للكلمة فى عتيق يسوع . وهو حينما خلع ذلك العتيق - فى القبر - مسلما اياه لمصيره الذى هو مصير الكون ، أى العدم - كان قد كشف عن كيانه الجديد ، الذى صار غطاء ورداء للكل ؛ لأن كل الذين اعتمدوا للمسيح قد لبسوا المسيح .( غل3 :27).
    - مفهوم البعد الكونى لموت الرب يسوع - والذى يأتى فى سياق البعد الكونى للتجسد - يعنى أن الرب يسوع ، حينما مات ، فقد مات موت الكون ، كله ، أى الفناء والعدم . وحينما أظهر قيامة جسده الخاص فقد كان ذلك اظهارا لبداية الكون الجديد ، الذى يتكمل الان بتكميل وامتلاء جسد المسيح ؛ فالكون الجديد ما هو الا الكنيسة :” السماء الجديدة والأرض الجديدة ، المدينة المقدسة أورشليم الجديدة النازلة من عند الله …مسكن الله مع الناس .”(رؤ21 : 1-3 )
    4- طبيعة العلاقة بين الجديد والعتيق :
    _________________________________
    من خلال تعمق الاصحاح الخامس عشر من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس ، نستطيع أن نرصد النقاط الرئيسة لهذه العلاقة :
    أولا : هى علاقة ذاتية :
    الجديد والعتيق ليسا طبيعتين أو شخصين مختلفين بل طبيعة واحدة لشخص واحد ومثلهما كعلاقة البذرة بالكيان المستزرع . البذرة هى الصورة المزمع موتها لحساب الكيان المستهدف زراعته ، الكيان الحى :” الذى تزرعه لا يحيا ان لم يمت . والذى تزرعه ، لست تزرع الجسم الذى سوف يصير ، بل حبة مجردة ، ربما من حنطة أو أحد البواقى . ولكن الله يعطيها جسما كما أراد ولكل واحد من البزور جسمه .”(1كو 15 : 36-38 ).
    ثانيا : هى علاقة تغير :
    1- جوهر التغيير : هو ظهور الطبيعة عديمة الفساد -الممجدة ، الجسم الروحانى ، صورة السماوى- عوضا عن الطبيعة الفاسدة ، الجسم الحيوانى ، صورة الترابى ، اللحم والدم .
    2- الية التغيير : هى الحدث المزدوج للحياة والموت . اذ ينشأ وجود الكيان الجديد - القائم من الموت - من العدم ، بفضل الشركة فى حياة الكلمة ، وفى ذات حدث التغير ، ينحدر العتيق نحو مصيره الطبيعى ، أى العدم . :” ان لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ، ولا يرث الفساد عدم الفساد . .. لا نرقد كلنا ، ولكننا كلنا نتغير ، .. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد ، وهذا المائت يلبس عدم موت .”( 1كو 15 : 50- 54 ).
    التغير هو عملة ذات وجهين ، الوجه الاول هو نشأة الجديد ، من العدم . والوجه الثانى هو انحدار العتيق الى العدم .
    3-التقاطع بين صورتى الجديد والعتيق :
    لدينا حالتان :- الحالة الأولى هى حالة التتابع الزمنى ، وهى حالة القديسين ، الذين فى المسيح . نبدأ الرحلة بطبيعة فاسدة ، عتيقة . يبدأ الجديد فى النشأة ، ينمو الى أن يكتمل ” لذلك لا نفشل ، بل وان كان انساننا الخارج يفنى ، فالداخل يتجدد يوما فيوما .”( 2كو 4 :16 ) .اذن الجديد يعقب العتيق زمنيا :” يزرع فى فساد ويقام فى عدم فساد . يزرع فى هوان ويقام فى مجد . يزرع فى ضعف ويقام فى قوة . يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا .” ( 1كو 15 : 42 - 44 ).
    - الحالة الثانية هى حالة التزامن والتلازم المطلق بين الظهور الكامل للجديد و ظهور العتيق ، فى شخص الرب يسوع التاريخى .
    واذا كان كيان انسانيتنا الجديد ، الذى نستهدفه ،أى الكيان الممجد ، القائم من الموت ، هو صورة السماوى - أى صورة ادم الأخير ، الروح المحيى ، الانسان الثانى الرب من السماء ( 1كو 15 :45-49 )- فعلينا أن نتبنى أحد اختيارين - لا ثالث لهما - الأول هو أن جديد يسوع أى انسانيته الممجدة - التى أظهرها فى فجر الأحد ، حينما أعلن القيامة للتاريخ - هى قائمة فى كيانه ، منذ أول لحظة للتجسد ، فى رحم العذراء. والثانى هو أن يسوع التاريخى لم يصر ربا ومسيحا الا فى فجر الأحد ، بعد أن قبر بثلاثة أيام !.
    5- طبيعة الفرق بين جديد وعتيق شخص الرب يسوع التاريخى :
    _________________________________________________
    -الجديد هو الحى عديم الفساد . العتيق هو طبيعتنا الأولى ، هو نحن ، جسدا ونفسا ، هو الفاسد بالطبيعة والمنحدر نحو العدم .وعندما يقال أن الرب ، بموته قد انفصلت نفسه عن جسده ، فانما يجب أن يفهم ذلك على مستوى الوجود العتيق ؛ فنفسه العتيقة قد انفصلت عن جسده العتيق (اللحم والدم) وعليه فقد تم الموت بتلاشى عنصرى الجسد النفسانى . وأما الوجه الاخر للحدث فهو أن هناك كيانا جديدا ، نفسا وجسدا ( الجسد الروحانى )، غير قابل للموت ، كائن فى اتحاد أقنومى مع الكلمة ، ومستزرع من تلك البذرة العتيقة ، منذ بداية انطلاق حدث التجسد .
    -الجديد هو التغير النوعى ،الكامل ، التام ، المنطلق من بداية الحدث ، والى الأبد ، كرأس للكنيسة . العتيق هو حدث تراكمى كمى - تغير ونمو ينطلق من بداية الحدث الى دفن القبر.
    -الجديد خفى مستتر، هو باطن الشخص . العتيق هو الحجاب الذى يستره، هو ظاهر الشخص .
    6- طبيعة العلاقة بين جديد يسوع وجديد القديسين (الذين فى المسيح ):
    _______________________________________________________
    يختلف المدلول اللاهوتى لشخص “الرب يسوع التاريخى “- من المنظور الكمى - عن المدلول اللاهوتى لشخص “المسيح”؛ فالأخير هوشخص كاثوليكى ( جماعى )، فيه تجتمع الكنيسة الكاملة - التى هى جميع المختارين من البشر ، الصائرين أبناء للاب بالتبنى ، بالشركة فى الابن المتجسد - كجسد واحد ، رأسه هو الرب يسوع التاريخى ، ذاته .
    السؤال ، اذن هو :كيف نفهم “الاتحاد الأقنومى “، فى سياق الحديث عن المسيح ، المستوعب لكنيسته ؟ .للاجابة ، نقول :لفهم الاتحاد الأقنومى بالنسبة لشخص المسيح ، هناك مستويان : المستوى الأول هو مستوى رأس الكيان ، الرب يسوع الذى يقوم شخصه بالاتحاد الأقنومى بين انسانية الكلمة المتجسد ولاهوته ، والمستوى الثانى هو مستوى الأعضاء.كل عضو هو شخص ، وكل شخص له اتحاده الأقنومى الخاص به ، بين انسانيته الجديدة - عديمة الفساد - وحضور الكلمة المنطوق فيه - تمايزا عضويا ، ومن المستحيل وجود اتحاد أقنومى بين الأعضاء وشخص المسيح ، رأس الكيان ، وذلك لسببين رئيسيين : الأول هو أن الاتحاد الأقنومى - لأى شخص -انما هو - دائما - اتحاد “كل” بكل ، وليس اتحاد جزء بكل ، ولأن العضو ، بالنسبة للجسد الكامل ، هو جزء من كل ، فلا مجال لاتحاد أقنومى من هذا المنظور . أما السبب الثانى فهو أن الاتحاد الأقنومى ، انما هو دائما اتحاد بين عنصرين متكافئين ، ونظرا لأن العضو لا يكافئ الرأس - اذ يستمد العضو وجوده من رأس كيانه ، المسيح الرب - فلا مجال لاتحاد أقنومى ، من هذا المنظور ،أيضا .
    7- طبيعة علاقة مفهوم الزمن بلحظة التجسد :
    ___________________________________
    كانت لحظة التجسد هى اخر لحظة - فى عمر وتاريخ الكون - من الممكن أن يطلق عليها مفهوم ” المستقبل ” . عندما صار الكلمة انسانا ، صائرا فى اتحاد أقنومى مع ما هو زمنى ، صلب الزمن فى المسيح ؛ اذ صار الزمن لحظة انية واحدة ، صار الزمن حاضرا أبديا وصار ما تبقى من عمر الكون - الذى نعتبره نحن مستقبل ، بحكم نقصنا - مجرد خادم للحاضر الأبدى ، الذى للحظة التجسد ، ياتى بكل أبناء الكنيسة المبعثرين لينضموا الى رأسهم ، الكائن فى ” الان الأبدى “.لم يعد المستقبل قاطرة تجر التاريخ خلفها . فقد المستقبل سطوته و أصبح الحاضر - فى المسيح - هو مصب الزمن ، ماضيا ومستقبلا ، وأصبحت لحظة التجسد هى الزمن الحقيقى الذى ينهار عنده أى مفهوم للزمن العتيق الذى نعرفه . “تأتى ساعة وهى الان ، حين يسمع الأموات صوت ابن الله ، والسامعون يحيون “( يو5 :25 ).
    لأننا زمنيون ، بطبيعتنا ، فنحن لا نستطيع أن ندرك الأحداث الا فى سياق التسلسل والتتابع الزمنى ، ولا يمكننا أن ندرك حقيقة أن كيان الرب قائم ، ومنتصر على الموت ، قبل حدوث الصلب والموت والدفن فى القبر ، المغلق باحكام . ولكن مفهوم الزمن والتاريخ لا يجب أن يعثرنا ، فنتخيل أن كيان الرب الممجد ، عديم الفساد - بفضل كونه جسد الكلمة- قد نشأ بطريقة مفاجئة ، فى القبر المغلق .
    اننا يجب أن نتحرر من جهالة مرثا ، التى كانت تظن أن القيامة هى حدث نهاية التاريخ . وحتى ان اعتقدنا أن القيامة هى حدث نهاية تاريخ يسوع - على الأرض - فاننا نعيد انتاج نفس جهالة مرثا . القيامة هى شخص ، وهذا هو ما قد أعلنه الرب لمرثا ، قائلا :”أنا هو القيامة “.
    الكلمة ، بتجسده قد أنشأ الزمن الأبدى فى جسده الخاص ، هكذا صارت القيامة .وهو قد صنع هذا منذ أن صار ذلك الجسد ، جسدا خاصا له ، أى منذ أن صار هناك ، تجسد .
    ان ما حدث فى فجر الأحد ، بعد ثلاثة أيام من موته ، ما هو الا اعلان للتاريخ عن حقيقة ما هو كائن بالفعل ، فى رحم العذراء ، فى يوم البشارة . القيامة هى بداية التاريخ الأبدى وليست نهاية التاريخ الزمنى ، والكلمة بتجسده قد لبس تاريخيتنا وزمنيتنا ، حتى اذا مااشتركنا فيه ، لبسنا انيته وحاضره الأبدى .

  29. m-david :

    تعليق على تعليق :
    - مجرد محاولة لاعادة اكتشاف مسلمات الخريستولوجيا .
    =====================================
    أستاذى الدكتور / جورج حبيب
    سعدت سعادة بالغة بتشريفكم لى بالتفضل بالتعليق الذى التمسته منكم . أيضا سعدت جدا بثنائكم ، الذى لا يدل الا على تواضع العالم العظيم فى خطابه مع مجرد تلميذ متواضع من تلاميذه ومريد من مريديه .
    وكعهد الدنيا بك فأنت دائما ذلك الكائن البشرى الذى لا يتنفس الا حكمة الاباء ولا ينطق ولا يفكر الا لغتهم التى تحمل عبق طزاجة الفكرة المسيحية ، فى منابعها الأولى .
    تعلمت منكم هذا العشق لتراث الاباء ، لاسيما فكر العظيم أثناسيوس ولكننى فى تشبسى بهذه المرجعية الابائية فان تشبسى لا يتوقف عند حدود ظاهر النص ، ولكننى أستميت فى التشبس بجوهر فكر الكاتب ككل ، ذلك الجوهر الذى يتبلور فى صيغة لا تقبل الجدل - تظهر من خلال بلورة لمشترك أعظم يمثل حبل المسبحة الذى يضم حبات لالئ مفردات النص . المثال الأوضح - وهو فى الواقع بيت القصيد لموضوعنا - هو موضوع التجسد بالنسبة لجل فكر القديس أثناسيوس .
    - ما نتعلمه من فكر أثناسيوس - لا سيما كتاب تجسد الكلمة - هو أن حدث الاحتفالية - الحدث المركزى - الحدث الأم - هو تجسد الكلمة ، هو صيرورة شخص الابن انسانا . فى التجسد نالت البشرية - فى جسد يسوع الخاص ، كرأس - كل ما يخص النعمة .
    - بالتجسد تحققت القيامة والنصرة على الموت . بالتجسد تحققت المغفرة . بالتجسد تحقق الخلاص . بالتجسد تكرس الملكوت ، اذ تكرس وجود الملك ، الرب يسوع .بالتجسد انطلق تأسيس الكنيسة بتحقق وجود رأسها ، الرب يسوع التاريخى. فلنتخيل ما نشاء من مفردات توصيف النعمة ، فلن نجد مفردة واحدة منها لا توصف ما هو قائم فى انسانية الكلمة المتجسد الرب يسوع .
    اذن ، محورية التجسد ومركزيته هى نقطة حاكمة ، ومن المستحيل الوصول لمفهوم صحيح للنعمة التى نالتها البشرية فى المسيح بدون تمركز التجسد داخل هذا المفهوم .
    النقاط الحاكمة ، لفهم ، صحيح لموضوع التجسد :
    ================================
    1- طبيعة كيان التجسد :
    ________________
    كيان التجسد هو شخص الكلمة المتأنس ، الاله الكامل والانسان الكامل بان واحد . هذه المعضلة الخريستولوجية ينبغى أن لا تكون بهذا القدر من الغرابة الذى تبدو عليه ، بالنسبة لنا ، فالعلاقة بين مختلفين - المكونة لكيان واحد بسيط ، بلا تركيب - هى قريبة جدا لنا ، أكثر مما نتخيل ، فهى حقيقة وجودنا ، هى حقيقة طبيعتنا ، فالشخص الانسانى هو ثمرة اتحاد سرى ، لا نستطيع ادراكه ، بين النفس البشرية العاقلة والجسد البشرى . النفس والجسد طبيعتان مختلفتان متمايزتان ولكن اتحادهما - الذى لم يكن غير كذلك يوما ما ، ولن يكون - بالنسبة للانسان الحى -هو سر وجود الشخص البشرى الواحد .
    - لقد كان”النموذج الانسانى ” ، بمثابة الوسيلة التمثيلية الناجحة والناجعة التى تبناها القديس الأنبا كيرلس الأول ، فى معرض شرحه وتأصيله لمفهوم مصطلح “الاتحاد الأقنومى “( hypostatic union) ، وذلك فى رسالته الثانية الى سكسينسوس وأيضا فى رسالته الثالثة الى نسطور .
    - الأقنوم هو الشخص ، والاتحاد الأقنومى هو الاتحاد الشخصى ، أى الاتحاد - بين عنصرى الشخص - الذى به يوجد الشخص ، ولاوجود للشخص أو لأى من عنصريه - فى حالة مستقلة - سواء قبل أوبعد ، الاتحاد الأقنومى .
    - الاتحاد الأقنومى هو طبيعة الرب يسوع التاريخى ، ألوهة كاملة وانسانية كاملة فى وحدة ، لا وجود فيها لاختلاط ، أو امتزاج ، أو تغيير- أو استقلال - لأى من الطبيعتين - سواء قبل أو بعد الاتحاد .
    - يعبر عن الاتحاد الأقنومى بمصطلح “الاحتواء المتبادل “(coinherence)( وهذا التعبير يختلف عن تعبير اخر ، يستخدم لشرح علاقة شخوص الثالوث الأقدس وهو :(perichoresis ).
    الاتحاد الأقنومى ، الذى يتحقق به الشخص الانسانى ، انما يعنى أن النفس البشرية والجسد البشرى كائنان فى حالة احتواء -وتواجد واستيعاب - متبادل .فالنفس ( الروح ) هى التعبير غير المادى عن الجسد ، والجسد هو التعبير المادى عن النفس . كل من العنصرين يتضمن الاخر ويحقق وجوده ، ولا وجود مستقل لأى منهما . الاستقلال - هنا - يعنى الموت والتلاشى لكليهما .
    - أما فى ما يخص الخريستولوجيا ، فاننا يجب أن ندرك أن لاهوت الكلمة المتجسد هو فى حالة احتواء متبادل مع ناسوت الكلمة المتجسد . الألوهة الكاملة التى للكلمة المتجسد هى فى حالة تواجد متبادل ، واستيعاب متبادل ،مع الانسانية الكاملة التى للكلمة المتجسد .
    هذا هو شخص الرب يسوع التاريخى ، شخص واحد ، بسيط ، غير مركب ، كائن فى اتحاد اقنومى - غير قابل للتقسيم - بين عنصريه ، الكلمة والانسان .لاهوت الكلمة المتجسد يتضمن ناسوته الكامل وهو”يكرم بسجدة واحدة “(بحسب تعبير ق/كيرلس فى رسالته الثالثة الى نسطور ) ، بينما ، ناسوت الكلمة المتجسد يتضمن لاهوته الكامل وهو يكرم بذات السجدة الواحدة .
    2- طبيعة الواقع الجديد الذى تحقق بالتجسد :
    ________________________________
    تحنى الصبية العذراء رأسها خضوعا لأمر الرب قائلة :” هوذا أنا أمة الرب.ليكن لى كقولك “( لو 1 :38) . قالت هذا ردا على رسالة المبشر العجيبة :” الروح القدس يحل عليك ، وقوة العلى تظللك ، فلذلك أيضا القدوس المولود يدعى ابن الله .”( لو 1 :35). وما أن أعلنت العذراء تسليمها الكامل لارادة الرب حتى زرع فى رحمها أول خلية حية تنتمى لطبيعتنا البشرية . تتكاثر الخلية وفقا لبيولوجيتنا. ينمو الجنين .يكتمل نموه . يولد . يسمى يسوع . ينمو الطفل .يصير رجلا . يخرج لقومه بخطاب جديد . يصطدم مع المؤسسة الدينية المتحجرة . يتامروا لقتله باسم الدين . ينفذون المؤامرة . يصلب .يموت . يتوارى فى القبر .
    مع ظهور الخلية الأولى التى رصدنا قصة وجودها يحدث أمر جلل اخر فى تواز وتلازم وتزامن مع هذا الظهور ؛ يحدث أمر هو بمثابة ثورة كونية تمثل ارتقاءا نوعيا بخصوص أعظم مخلوقات الكون أى الانسان . هذه الثورة النوعية هى ظهور خلقة جديدة للانسان ، ظهور الانسان عديم الفساد الذى له الحياة الأبدية .ظهرت الخليقة الجديدة كاملة - لحظيا - متزامنة مع ظهور الخلية الأولى من كيان يسوع فى رحم العذراء.
    - الانسانية الجديدة عديمة الفساد الكائنة فى الرب يسوع التاريخى هى ثمرة الاتحاد بحياة الكلمة .ظهور”جديد يسوع” هو الدليل الواقعى والعلامة الأكيدة للاتحاد الأقنومى بين الكلمة والانسان فى الرب يسوع التاريخى.
    - الاتحاد الأقنومى الذى لشخص الرب يسوع التاريخى هو اتحاد الكلمة بالانسان الكامل . الانسان الطبيعى ليس هو الانسان الكامل .الأخير هو ذلك النموذج الذى خلق الانسان ليكون اياه . فى الرب يسوع ظهر الانسان الكامل . لم يكن الاتحاد الأقنومى قائما بين الكلمة والانسان العتيق فقط . من المستحيل أن تظل طبيعتنا كما هى بالرغم من وجودها فى اتحاد أقنومى مع الكلمة فى شخص الرب يسوع .
    - جوهر شخص الرب يسوع التاريخى -وباطنه المستتر - هو انسانيته الجديدة غير القابلة للموت -ولا حتى للألم -وذلك بفضل كونها قد صارت شريكة فى حياة الكلمة باتحادها أقنوميا معه ، وهى قد صارت هكذا منذ أن صار هناك اتحاد ، أى منذ بدايةانطلاق الحدث فى رحم العذراء .أما ظاهر شخص الرب يسوع - المرصود تاريخيا فى الأناجيل - فهو طبيعتنا نحن .هو ما نحن عليه كبشر طبيعيين ، قبل الامتلاء بالنعمة .هو الانسان العتيق ، جسدا ونفسا ، لحما ودما ، ألما وموتا . هو ذلك الفاسد بالطبيعة . هو ذلك ، غير القابل بطبيعته أن يرث عدم الفساد . هو ذلك المحكوم عليه بالموت . هو ذلك العبد الذى ، نحن اياه .
    - ولكن الخلط بين ظاهر الشخص وباطنه هو حجر العثرة الذى يحول دون ادراك صحيح لمسلمات الخريستولوجيا ، وفى ذات الوقت فان الظاهر والباطن ليسا كيانين منفصلين بل هما كيان واحد ؛ فباطن الشخص - الانسانية الجديدة الكائنة فى الكلمة - هو الصيغة الممتلئة - هو الصيغة الجديدة -عديمة الفساد - لذلك الظاهر . والأخير هو العتيق هو الصيغة التى ننطلق منها نحو ملئنا الذى فى المسيح ، اى نحو تحقيق واظهار ذلك الباطن . الاثنان هما صيغتان متباينتان للوجود الانسانى الواحد . الجديد هو صيغة الحياة أما العتيق فهو الصيغة الطبيعية المحكوم عليها بالموت . والرب عندما زرع جديده - خفية ، بسر لاينطق به - فى عتيقنا فهو قد ظل لابسا ايانا ، حتى اذا مات فينا وأماتنا معه ، وأظهر باكورة قيامتنا ، كيانه الجديد الذى لم يستطع الموت أن يمسك به - استحققنا أن نشترك فى جديده الذى صارلنا رأسا وصرنا نحن له أعضاء.
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو كائن فى ذلك الوليد الذى قال عنه المبشر :” ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب . وهذه لكم العلامة : تجدون طفلا مقمطا مضجعا فى مذود .”( لو 2 : 11و 12 ).لقب “المسيح “يعنى كمال النعمة وكمال مجد الانسانية وكمال النصرة على الموت ، كما يتضح من كلمات بطرس الرسول يوم الخمسين :” فليعلم يقينا جميع بيت اسرائيل أن الله جعل يسوع هذا ، الذى صلبتموه انتم ، ربا ومسيحا .”( أع 2 :36 ) .وكما يتضح أيضا من تعقيب الرب على شهادة بطرس عنه بأنه هو المسيح ابن الله الحى ، اذ قال له :” أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى ، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها .”( مت 16 :18 ) .هو اذن المسيح الذى اتخذ من طبيعتنا جسدا ماسحا اياه حتى ما يصير باكورة لمسحتنا جميعا فيه . هو الرب الذى اتخذ من طبيعتنا جسدا معلنا فيه كمال الربوبية والاعتناء أى الحياة وعدم الموت ، حتى ما يصير لنا ربا ورأسا لوجودنا ، فيه. وقد كان الرب ، طيلة فترة خدمته على الأرض حريصا على أن تبقى حقيقة كونه المسيح ، سرا ؛ ففى نفس سياق شهادة بطرس - على سبيل المثال -”أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد انه المسيح .(مت16 : 20 ). لقب المسيح يحمل داخله كيان يسوع الجديد الذى كان حريصا على أن يبقيه مخفيا الى أن يسمح بظهوره للتاريخ فى فجر الأحد . هذا هو الصخرة,هذا هو حجر زاوية كنيستنا التى لن تقوى عليها أبواب الجحيم .
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك المستهدف من كلمات السماء :”هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت .”( مت3 :17 ).معمودية يسوع فى الأردن لم تكن ظهورا للثالوث - بطريقة مجردة عارية - بل كانت ظهورا للبشرية الجديدة -الكائنة فى كيان الرب يسوع -كصورة للثالوث الأقدس ، أى التى هى بحسب التعبير الابائى الأصيل :” من الاب بالابن فى الروح القدس “.
    مسرة الاب بالابن ، لا تأتى فى السياق المطلق للعلاقة بين شخوص الثالوث الأقدس ، بل فى سياق علاقة الاب بالابن المتجسد ، أى فى سياق الاشارة الى النعمة التى نالتها البشرية فى الكلمة المتجسد ؛ فأنشودة الملائكة -لحظة ولادة يسوع - كانت تزف بشرى حلول السلام فى البشر الذين قد سر الله بهم - على الأرض - بولادة رأس كيانهم الجديد - ليكونوا صورة للمجد الذى فى الأعالى ، أى مجد الثالوث الأقدس ذاته :” المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام فى أناس مسرته “( لو 2 : 14 ).المسرة هى بالابن الجامع للبشر فى كيانه عندما صار بشرا ،” لأنه فيه سر أن يحل كل الملء , وأن يصالح به الكل لنفسه .”( كو1 : 19 ,20 ).” اذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التى قصدها فى نفسه ، لتدبير ملء الأزمنة ، ليجمع كل شئ فى المسيح ، ما فى السماوات وما على الأرض ، فى ذاك الذى فيه أيضا نلنا نصيبا .”( أفس1 : 9-11 ).
    اذن , النازل فى مياه الأردن ، والمعتمد من يوحنا الصابغ هو بكر البشرية الجديدة ن الكائنة الى الأبد داخل شركة الثالوث الأقدس ن معمودية يسوع تكشف باكورة مسرة الاب فى البشر أى بشرية الرب يسوع ، ذلك الذى بواسطته تكتمل مسرة الله عندما يجتمع فيه الكل .
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى أظهره الرب للخاصة من تلاميذه ، على الجبل، واليه صار صوت السماء: ” هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت له اسمعوا .”( مت 17 :5 ). اذن هو نفس خطاب مسرة الاب - بالبشرية الجديدة التى للكلمة المتجسد - والذى سبق استخدامه فى معمودية الأردن ، وذلك لأننا، هنا ،أيضا ، بصدد استعلان نفس الحدث .
    الكيان المستعلن فى التجلى هو بشرية يسوع الممجدة بفضل الاتحاد الأقنومى وهذا هو ما أشار اليه أحد شهود التجلى وهو الرسول بطرس ، اذ قال فى رسالته الجامعة :”لأنه أخذ من الله الاب كرامة ومجدا اذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى :”هذا هو ابنى الحبيب الذى أنا سررت به “ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء اذ كنا معه فى الجبل المقدس .”( 2بط 1 :17و18 ).
    الفعل المستخدم للتعبير عن حدث التغير فى الهيئة والتجلى ، فى هذا السياق ، هو “metamorphoo”، وهو لم يرد فى العهد الجديد الا فى أربعة مواضع فقط : اثنان منهما بخصوص حادثة التجلى ، والاثنان الاخران لهما دلالة ذات صلة بنفس الحادثة ولعل هذه الدلالة هى كشف امتداد مضمون حدث التجلى فى أعضاء الكنيسة التى هى جسد الرب ، وبكلمات أخرى ، هى مضمون عبارة ” له اسمعوا ” التى تأتى فى نهاية خطاب السماء .والموضعان هما : 1- لا تشاكلوا هذا الدهر ، بل “تغيروا ” عن شكلكم بتجديد أذهانكم ، لتختبروا ما هى ارادة الله الصالحة المرضية الكاملة .( رو12 :2 ).2- ونحن جميعا عاكسين ” reflecting”( الترجمة الصحيحة ، كما أعتقد ) مجد الرب بوجه مكشوف “نتغير ” الى تلك الصورة عينها ، من مجد الى مجد ، كما من الرب الروح .( 2كو 3 :18 ).اذن هو مجد المسيح ، الابدى ، غير الزائل الذى نتغير اليه ، وهكذا ينعكس مجده علينا مثلما انعكس مجد الله قديما على وجه موسى ولكن الفرقان الأساسيان بين المجدين هما :1- مجد موسى زائل ومجد المسيح باق .2- مجد موسى كان محتجبا وراء برقع وأما مجد المسيح فينعكس علينا ونحن بوجه مكشوف ، وبدون برقع أو حجاب .
    كيان التجلى هو بشرية يسوع الممجدة ، والتى كان الرب حريصا على اخفائها ، خلف العتيق - طيلة خدمته - الى أن يعلنها فى فجر الأحد ، أى فى فجر القيامة : ” وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا :” لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الانسان من الأموات “.( مت17 :9 ).
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى شهد لذاته قائلا :”من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه . كما أرسلنى الاب الحى ، وأنا حى بالاب ، فمن يأكلنى فهو يحيا بى . هذا هو الخبز الذى نزل من السماء . ليس كما أكل اباؤكم المن وماتوا . من يأكل هذا الخبز فانه يحيا الى الأبد .”( يو 6 : 56-58 ).وفى العشاء الأخير ، فى عشية اعدامه، قدم كيانه، الجديد ، جاعلا منه الكيان الافخارستى الذى فيه تجتمع وتتحقق الكنيسة ، الخليقة الجديدة.
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى شهد لذاته قائلا :” أنا هو القيامة والحياة . من امن بى ولو مات فسيحيا ، وكل من كان حيا وامن بى فلن يموت الى الأبد .”( يو11 : 25 و26 ).
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو الكائن فى الابن - والذى فيه تم تبنى الجميع من قبل الاب صائرين وديعة أبدية فى يديه - وبخصوصه ، وفى لحظة موته ، التى هى شهادة حياته ، بان واحد - نادى بصوت عظيم وقال :” يا أبتاه ، فى يديك أستودع روحى .”( لو 23 :46 ) .وهكذا صار موت الصليب كشفا للنصرة الكائنة فى جديد يسوع ، الذى صار وديعة لدى الاب ، وحينما أسلم عتيقه لمصيره الطبيعى - الذى هو مصير الكون كله ، أى العدم - كان ذلك خلعا للحجاب الذى يستر مجد الانسانية ، ورأسها ، الرب يسوع القائم والمنتصر على الموت .
    ولم يكن موت الصليب مجرد أداة انتصار على الموت فى كيان الرب ، فقط ، بل لقد أصبح الصليب هو قوة الكنيسة وطريقها للشركة فى مجد القيامة بالشركة فى موت المسيح المحيى . أصبح الصليب معبرا للشركة فى مجد التجسد ، بتكميل الجسد الذى للكلمة المتجسد ، المسيح المستوعب لكنيسته .
    3- طبيعة الواقع القديم الذى تم تجاوزه بالتجسد :
    ______________________________________
    الواقع القديم هو ذلك الممتد منذ ظهور أول خلية بشرية حية فى رحم العذراء ، الى دخول جسد يسوع فى القبر . هذا هو واقع الألم والموت .هذا هو كياننا الطبيعى ، جسدا ونفسا ، أو الجسد النفسانى .ولكن هذا الواقع - الذى استمر لعدة سنوات قليلة، بتعداد زماننا - هى عمر الرب يسوع التاريخى على الأرض - كان قد تم تجاوزه تماما من خلال الظهور المتزامن والمتلازم - مع انطلاق الحدث- للطبيعة البشرية الجديدة عديمة الفساد والتى لها الحياة الأبدية .وقد ظل الواقع الجديد مستترا خلف العتيق الى أن توارى العتيق فى القبر فتم اعلان الواقع الأبدى الجديد الذى للبشرية الكائنة فى الكلمة ، فى اتحاد أقنومى ، والصائرة رأسا لجميع المختارين من البشر ليصيروا أعضاء المسيح .
    - موت الرب يسوع لا يمكن تفهمه بدون ادراك بعده الكونى ( وهذا ما أثنيتم عليه، مشكورين فى تعليقكم الرائع ) . والبعد الكونى لموت يسوع يعنى أنه فيما مات موتنا فهو قد مات موت الكون كله ،أى العدم ؛ لأننا حينما نموت ،بحكم طبيعتنا ، وذلك بانفصال النفس عن الجسد وضياع هيئة الاثنين وانحدارهما نحو العدم ، فانه ماتزال بقايا الأجساد فى الكون وبتحللها تدور العناصر ثانية فى الكون فى صور أخرى . تمام صورة الموت هو العدم الذى يحدث فى لحظة نهاية الكون بانحلال العناصر ، الأمر الذى تحدث عنه الرسول بطرس فى رسالته ، اذ قال :”( سيأتى كلص فى الليل ، يوم الرب ، الذى فيه تزول السماوات بضحيح ، وتنحل العناصر محترقة ، وتحترق الأرض والمصنوعات التى فيها .”( 2بط 3 :10).
    الرب يسوع التاريخى مات هذا الموت . مات موت الكون كله ، وبذلك هو لم يمت موتنا فقط بل قد أتم موتنا وأتم موت الكون ، وحينما أغلق على عتيقه بالحجر ، داخل القبر ، تهاوت الطبيعة المادية العتيقة التى لذلك الحجاب ، وانحلت جميع عناصرها وصار ظاهر شخص الرب يسوع - المادى ( اللحم والدم )- عدما ، لتتكشف حقيقة الجديد المستور ، ذلك الكيان الروحانى ، الذى للانسانية الجديدة الكائنة فى اتحاد شخصى مع الكلمة منذ أول لجظة للتجسد .
    واذا أردنا أن نرى - بالنعمة -منظورا أوسع لهذه القضية ، فاننا يجب أن ندرك أن مفهوم البعد الكونى لموت الرب يسوع هو جزء من سياق أوسع وأرحب هو مفهوم ” البعد الكونى للتجسد ” .تجسيد الأمر هو اعادة اكتشاف حضوره فى الاخر . الكون لم يكن يوما الا تجسيدا لحضور الكلمة ، وهذا هو عمق مفهوم النعمة . حضور الكلمة فى الكون - أى نعمة الخلق واستمرار الخليقة - هو حضور نسبى ، كمى ، موقوت ، رجعى ( reversible)، وبارادته وحده ، فى الزمن المحدد سوف ينهى الكلمة حضوره فى الكون فيتلاشى عائدا الى العدم . ولكن ماذا لو أن الكلمة قد حضر بكل ملء لاهوته - حضورا مطلقا - فى انسان ينتمى الى هذا الكون واتحد به أقنوميا ، متجسدا فيه - جاعلا منه رأس الانسانية الجديدة عديمة الموت - فماذا يعنى موته ، فى هذا السياق ؟ ألا يعنى ذلك أن الكلمة المتجسد - وفيما أراد أن يظهر الخليقة الجديدة ، التى ظهرت بفضل حضوره الأبدى فيها ( irreversible)، فانه أنهى حضوره فى ظاهر شخصه ، العتيق - كما سوف ينهى حضوره فى الكون - فصار عدما ؟ أليس هذا هو الموت ، كغياب لحضور الكلمة ؟ .
    - فى جديد يسوع - المتحد أقنوميا ، الى الأبد ، مع الكلمة - قد تم تجاوز واقع الحضور الزمنى للكلمة فى عتيق يسوع . وهو حينما خلع ذلك العتيق - فى القبر - مسلما اياه لمصيره الذى هو مصير الكون ، أى العدم - كان قد كشف عن كيانه الجديد ، الذى صار غطاء ورداء للكل ؛ لأن كل الذين اعتمدوا للمسيح قد لبسوا المسيح .( غل3 :27).
    - مفهوم البعد الكونى لموت الرب يسوع - والذى يأتى فى سياق البعد الكونى للتجسد - يعنى أن الرب يسوع ، حينما مات ، فقد مات موت الكون ، كله ، أى الفناء والعدم . وحينما أظهر قيامة جسده الخاص فقد كان ذلك اظهارا لبداية الكون الجديد ، الذى يتكمل الان بتكميل وامتلاء جسد المسيح ؛ فالكون الجديد ما هو الا الكنيسة :” السماء الجديدة والأرض الجديدة ، المدينة المقدسة أورشليم الجديدة النازلة من عند الله …مسكن الله مع الناس .”(رؤ21 : 1-3 )
    4- طبيعة العلاقة بين الجديد والعتيق :
    _______________________________
    من خلال تعمق الاصحاح الخامس عشر من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس ، نستطيع أن نرصد النقاط الرئيسة لهذه العلاقة :
    أولا : هى علاقة ذاتية :
    الجديد والعتيق ليسا طبيعتين أو شخصين مختلفين بل طبيعة واحدة لشخص واحد ومثلهما كعلاقة البذرة بالكيان المستزرع . البذرة هى الصورة المزمع موتها لحساب الكيان المستهدف زراعته ، الكيان الحى :” الذى تزرعه لا يحيا ان لم يمت . والذى تزرعه ، لست تزرع الجسم الذى سوف يصير ، بل حبة مجردة ، ربما من حنطة أو أحد البواقى . ولكن الله يعطيها جسما كما أراد ولكل واحد من البزور جسمه .”(1كو 15 : 36-38 ).
    ثانيا : هى علاقة تغير :
    1- جوهر التغيير : هو ظهور الطبيعة عديمة الفساد -الممجدة ، الجسم الروحانى ، صورة السماوى- عوضا عن الطبيعة الفاسدة ، الجسم الحيوانى ، صورة الترابى ، اللحم والدم .
    2- الية التغيير : هى الحدث المزدوج للحياة والموت . اذ ينشأ وجود الكيان الجديد - القائم من الموت - من العدم ، بفضل الشركة فى حياة الكلمة ، وفى ذات حدث التغير ، ينحدر العتيق نحو مصيره الطبيعى ، أى العدم . :” ان لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ، ولا يرث الفساد عدم الفساد . .. لا نرقد كلنا ، ولكننا كلنا نتغير ، .. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد ، وهذا المائت يلبس عدم موت .”( 1كو 15 : 50- 54 ).
    التغير هو عملة ذات وجهين ، الوجه الاول هو نشأة الجديد ، من العدم . والوجه الثانى هو انحدار العتيق الى العدم .
    3-التقاطع بين صورتى الجديد والعتيق :
    لدينا حالتان :- الحالة الأولى هى حالة التتابع الزمنى ، وهى حالة القديسين ، الذين فى المسيح . نبدأ الرحلة بطبيعة فاسدة ، عتيقة . يبدأ الجديد فى النشأة ، ينمو الى أن يكتمل ” لذلك لا نفشل ، بل وان كان انساننا الخارج يفنى ، فالداخل يتجدد يوما فيوما .”( 2كو 4 :16 ) .اذن الجديد يعقب العتيق زمنيا :” يزرع فى فساد ويقام فى عدم فساد . يزرع فى هوان ويقام فى مجد . يزرع فى ضعف ويقام فى قوة . يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا .” ( 1كو 15 : 42 - 44 ).
    - الحالة الثانية هى حالة التزامن والتلازم المطلق بين الظهور الكامل للجديد و ظهور العتيق ، فى شخص الرب يسوع التاريخى .
    واذا كان كيان انسانيتنا الجديد ، الذى نستهدفه ،أى الكيان الممجد ، القائم من الموت ، هو صورة السماوى - أى صورة ادم الأخير ، الروح المحيى ، الانسان الثانى الرب من السماء ( 1كو 15 :45-49 )- فعلينا أن نتبنى أحد اختيارين - لا ثالث لهما - الأول هو أن جديد يسوع أى انسانيته الممجدة - التى أظهرها فى فجر الأحد ، حينما أعلن القيامة للتاريخ - هى قائمة فى كيانه ، منذ أول لحظة للتجسد ، فى رحم العذراء. والثانى هو أن يسوع التاريخى لم يصر ربا ومسيحا الا فى فجر الأحد ، بعد أن قبر بثلاثة أيام !.
    5- طبيعة الفرق بين جديد وعتيق شخص الرب يسوع التاريخى :
    _____________________________________________
    -الجديد هو الحى عديم الفساد . العتيق هو طبيعتنا الأولى ، هو نحن ، جسدا ونفسا ، هو الفاسد بالطبيعة والمنحدر نحو العدم .وعندما يقال أن الرب ، بموته قد انفصلت نفسه عن جسده ، فانما يجب أن يفهم ذلك على مستوى الوجود العتيق ؛ فنفسه العتيقة قد انفصلت عن جسده العتيق (اللحم والدم) وعليه فقد تم الموت بتلاشى عنصرى الجسد النفسانى . وأما الوجه الاخر للحدث فهو أن هناك كيانا جديدا ، نفسا وجسدا ( الجسد الروحانى )، غير قابل للموت ، كائن فى اتحاد أقنومى مع الكلمة ، ومستزرع من تلك البذرة العتيقة ، منذ بداية انطلاق حدث التجسد .
    -الجديد هو التغير النوعى ،الكامل ، التام ، المنطلق من بداية الحدث ، والى الأبد ، كرأس للكنيسة . العتيق هو حدث تراكمى كمى - تغير ونمو ينطلق من بداية الحدث الى دفن القبر.
    -الجديد خفى مستتر، هو باطن الشخص . العتيق هو الحجاب الذى يستره، هو ظاهر الشخص .
    6- طبيعة العلاقة بين جديد يسوع وجديد القديسين (الذين فى المسيح ):
    ______________________________________________________
    يختلف المدلول اللاهوتى لشخص “الرب يسوع التاريخى “- من المنظور الكمى - عن المدلول اللاهوتى لشخص “المسيح”؛ فالأخير هوشخص كاثوليكى ( جماعى )، فيه تجتمع الكنيسة الكاملة - التى هى جميع المختارين من البشر ، الصائرين أبناء للاب بالتبنى ، بالشركة فى الابن المتجسد - كجسد واحد ، رأسه هو الرب يسوع التاريخى ، ذاته .
    السؤال ، اذن هو :كيف نفهم “الاتحاد الأقنومى “، فى سياق الحديث عن المسيح ، المستوعب لكنيسته ؟ .للاجابة ، نقول :لفهم الاتحاد الأقنومى بالنسبة لشخص المسيح ، هناك مستويان : المستوى الأول هو مستوى رأس الكيان ، الرب يسوع الذى يقوم شخصه بالاتحاد الأقنومى بين انسانية الكلمة المتجسد ولاهوته ، والمستوى الثانى هو مستوى الأعضاء.كل عضو هو شخص ، وكل شخص له اتحاده الأقنومى الخاص به ، بين انسانيته الجديدة - عديمة الفساد - وحضور الكلمة المنطوق فيه - تمايزا عضويا ، ومن المستحيل وجود اتحاد أقنومى بين الأعضاء وشخص المسيح ، رأس الكيان ، وذلك لسببين رئيسيين : الأول هو أن الاتحاد الأقنومى - لأى شخص -انما هو - دائما - اتحاد “كل” بكل ، وليس اتحاد جزء بكل ، ولأن العضو ، بالنسبة للجسد الكامل ، هو جزء من كل ، فلا مجال لاتحاد أقنومى من هذا المنظور . أما السبب الثانى فهو أن الاتحاد الأقنومى ، انما هو دائما اتحاد بين عنصرين متكافئين ، ونظرا لأن العضو لا يكافئ الرأس - اذ يستمد العضو وجوده من رأس كيانه ، المسيح الرب - فلا مجال لاتحاد أقنومى ، من هذا المنظور ،أيضا .
    7- طبيعة علاقة مفهوم الزمن بلحظة التجسد :
    ____________________________________
    كانت لحظة التجسد هى اخر لحظة - فى عمر وتاريخ الكون - من الممكن أن يطلق عليها مفهوم ” المستقبل ” . عندما صار الكلمة انسانا ، صائرا فى اتحاد أقنومى مع ما هو زمنى ، صلب الزمن فى المسيح ؛ اذ صار الزمن لحظة انية واحدة ، صار الزمن حاضرا أبديا وصار ما تبقى من عمر الكون - الذى نعتبره نحن مستقبل ، بحكم نقصنا - مجرد خادم للحاضر الأبدى ، الذى للحظة التجسد ، ياتى بكل أبناء الكنيسة المبعثرين لينضموا الى رأسهم ، الكائن فى ” الان الأبدى “.لم يعد المستقبل قاطرة تجر التاريخ خلفها . فقد المستقبل سطوته و أصبح الحاضر - فى المسيح - هو مصب الزمن ، ماضيا ومستقبلا ، وأصبحت لحظة التجسد هى الزمن الحقيقى الذى ينهار عنده أى مفهوم للزمن العتيق الذى نعرفه . “تأتى ساعة وهى الان ، حين يسمع الأموات صوت ابن الله ، والسامعون يحيون “( يو5 :25 ).
    لأننا زمنيون ، بطبيعتنا ، فنحن لا نستطيع أن ندرك الأحداث الا فى سياق التسلسل والتتابع الزمنى ، ولا يمكننا أن ندرك حقيقة أن كيان الرب قائم ، ومنتصر على الموت ، قبل حدوث الصلب والموت والدفن فى القبر ، المغلق باحكام . ولكن مفهوم الزمن والتاريخ لا يجب أن يعثرنا ، فنتخيل أن كيان الرب الممجد ، عديم الفساد - بفضل كونه جسد الكلمة- قد نشأ بطريقة مفاجئة ، فى القبر المغلق .
    اننا يجب أن نتحرر من جهالة مرثا ، التى كانت تظن أن القيامة هى حدث نهاية التاريخ . وحتى ان اعتقدنا أن القيامة هى حدث نهاية تاريخ يسوع - على الأرض - فاننا نعيد انتاج نفس جهالة مرثا . القيامة هى شخص ، وهذا هو ما قد أعلنه الرب لمرثا ، قائلا :”أنا هو القيامة “.
    الكلمة ، بتجسده قد أنشأ الزمن الأبدى فى جسده الخاص ، هكذا صارت القيامة .وهو قد صنع هذا منذ أن صار ذلك الجسد ، جسدا خاصا له ، أى منذ أن صار هناك ، تجسد .
    ان ما حدث فى فجر الأحد ، بعد ثلاثة أيام من موته ، ما هو الا اعلان للتاريخ عن حقيقة ما هو كائن بالفعل ، فى رحم العذراء ، فى يوم البشارة . القيامة هى بداية التاريخ الأبدى وليست نهاية التاريخ الزمنى ، والكلمة بتجسده قد لبس تاريخيتنا وزمنيتنا ، حتى اذا مااشتركنا فيه ، لبسنا انيته وحاضره الأبدى .

  30. m-david :

    تعليق على تعليق :
    - مجرد محاولة لاعادة اكتشاف مسلمات الخريستولوجيا .
    =====================================
    أستاذى الدكتور / جورج حبيب
    سعدت سعادة بالغة بتشريفكم لى بالتفضل بالتعليق الذى التمسته منكم . أيضا سعدت جدا بثنائكم ، الذى لا يدل الا على تواضع العالم العظيم فى خطابه مع مجرد تلميذ متواضع من تلاميذه ومريد من مريديه .
    وكعهد الدنيا بك فأنت دائما ذلك الكائن البشرى الذى لا يتنفس الا حكمة الاباء ولا ينطق ولا يفكر الا لغتهم التى تحمل عبق طزاجة الفكرة المسيحية ، فى منابعها الأولى .
    تعلمت منكم هذا العشق لتراث الاباء ، لاسيما فكر العظيم أثناسيوس ولكننى فى تشبسى بهذه المرجعية الابائية فان تشبسى لا يتوقف عند حدود ظاهر النص ، ولكننى أستميت فى التشبس بجوهر فكر الكاتب ككل ، ذلك الجوهر الذى يتبلور فى صيغة لا تقبل الجدل - تظهر من خلال بلورة لمشترك أعظم يمثل حبل المسبحة الذى يضم حبات لالئ مفردات النص . المثال الأوضح - وهو فى الواقع بيت القصيد لموضوعنا - هو موضوع التجسد بالنسبة لجل فكر القديس أثناسيوس .
    - ما نتعلمه من فكر أثناسيوس - لا سيما كتاب تجسد الكلمة - هو أن حدث الاحتفالية - الحدث المركزى - الحدث الأم - هو تجسد الكلمة ، هو صيرورة شخص الابن انسانا . فى التجسد نالت البشرية - فى جسد يسوع الخاص ، كرأس - كل ما يخص النعمة .
    - بالتجسد تحققت القيامة والنصرة على الموت . بالتجسد تحققت المغفرة . بالتجسد تحقق الخلاص . بالتجسد تكرس الملكوت ، اذ تكرس وجود الملك ، الرب يسوع .بالتجسد انطلق تأسيس الكنيسة بتحقق وجود رأسها ، الرب يسوع التاريخى. فلنتخيل ما نشاء من مفردات توصيف النعمة ، فلن نجد مفردة واحدة منها لا توصف ما هو قائم فى انسانية الكلمة المتجسد الرب يسوع .
    اذن ، محورية التجسد ومركزيته هى نقطة حاكمة ، ومن المستحيل الوصول لمفهوم صحيح للنعمة التى نالتها البشرية فى المسيح بدون تمركز التجسد داخل هذا المفهوم .
    النقاط الحاكمة لفهم صحيح لموضوع التجسد :
    ——————————————————————
    1- طبيعة كيان التجسد :
    ________________
    كيان التجسد هو شخص الكلمة المتأنس ، الاله الكامل والانسان الكامل بان واحد . هذه المعضلة الخريستولوجية ينبغى أن لا تكون بهذا القدر من الغرابة الذى تبدو عليه ، بالنسبة لنا ، فالعلاقة بين مختلفين - المكونة لكيان واحد بسيط ، بلا تركيب - هى قريبة جدا لنا ، أكثر مما نتخيل ، فهى حقيقة وجودنا ، هى حقيقة طبيعتنا ، فالشخص الانسانى هو ثمرة اتحاد سرى ، لا نستطيع ادراكه ، بين النفس البشرية العاقلة والجسد البشرى . النفس والجسد طبيعتان مختلفتان متمايزتان ولكن اتحادهما - الذى لم يكن غير كذلك يوما ما ، ولن يكون - بالنسبة للانسان الحى -هو سر وجود الشخص البشرى الواحد .
    - لقد كان”النموذج الانسانى ” ، بمثابة الوسيلة التمثيلية الناجحة والناجعة التى تبناها القديس الأنبا كيرلس الأول ، فى معرض شرحه وتأصيله لمفهوم مصطلح “الاتحاد الأقنومى “( hypostatic union) ، وذلك فى رسالته الثانية الى سكسينسوس وأيضا فى رسالته الثالثة الى نسطور .
    - الأقنوم هو الشخص ، والاتحاد الأقنومى هو الاتحاد الشخصى ، أى الاتحاد - بين عنصرى الشخص - الذى به يوجد الشخص ، ولاوجود للشخص أو لأى من عنصريه - فى حالة مستقلة - سواء قبل أوبعد ، الاتحاد الأقنومى .
    - الاتحاد الأقنومى هو طبيعة الرب يسوع التاريخى ، ألوهة كاملة وانسانية كاملة فى وحدة ، لا وجود فيها لاختلاط ، أو امتزاج ، أو تغيير- أو استقلال - لأى من الطبيعتين - سواء قبل أو بعد الاتحاد .
    - يعبر عن الاتحاد الأقنومى بمصطلح “الاحتواء المتبادل “(coinherence)( وهذا التعبير يختلف عن تعبير اخر ، يستخدم لشرح علاقة شخوص الثالوث الأقدس وهو :(perichoresis ).
    الاتحاد الأقنومى ، الذى يتحقق به الشخص الانسانى ، انما يعنى أن النفس البشرية والجسد البشرى كائنان فى حالة احتواء -وتواجد واستيعاب - متبادل .فالنفس ( الروح ) هى التعبير غير المادى عن الجسد ، والجسد هو التعبير المادى عن النفس . كل من العنصرين يتضمن الاخر ويحقق وجوده ، ولا وجود مستقل لأى منهما . الاستقلال - هنا - يعنى الموت والتلاشى لكليهما .
    - أما فى ما يخص الخريستولوجيا ، فاننا يجب أن ندرك أن لاهوت الكلمة المتجسد هو فى حالة احتواء متبادل مع ناسوت الكلمة المتجسد . الألوهة الكاملة التى للكلمة المتجسد هى فى حالة تواجد متبادل ، واستيعاب متبادل ،مع الانسانية الكاملة التى للكلمة المتجسد .
    هذا هو شخص الرب يسوع التاريخى ، شخص واحد ، بسيط ، غير مركب ، كائن فى اتحاد اقنومى - غير قابل للتقسيم - بين عنصريه ، الكلمة والانسان .لاهوت الكلمة المتجسد يتضمن ناسوته الكامل وهو”يكرم بسجدة واحدة “(بحسب تعبير ق/كيرلس فى رسالته الثالثة الى نسطور ) ، بينما ، ناسوت الكلمة المتجسد يتضمن لاهوته الكامل وهو يكرم بذات السجدة الواحدة .
    2- طبيعةالواقع الجديد الذى تحقق بالتجسد :
    —————————————————————
    تحنى الصبية العذراء رأسها خضوعا لأمر الرب قائلة :” هوذا أنا أمة الرب.ليكن لى كقولك “( لو 1 :38) . قالت هذا ردا على رسالة المبشر العجيبة :” الروح القدس يحل عليك ، وقوة العلى تظللك ، فلذلك أيضا القدوس المولود يدعى ابن الله .”( لو 1 :35). وما أن أعلنت العذراء تسليمها الكامل لارادة الرب حتى زرع فى رحمها أول خلية حية تنتمى لطبيعتنا البشرية . تتكاثر الخلية وفقا لبيولوجيتنا. ينمو الجنين .يكتمل نموه . يولد . يسمى يسوع . ينمو الطفل .يصير رجلا . يخرج لقومه بخطاب جديد . يصطدم مع المؤسسة الدينية المتحجرة . يتامروا لقتله باسم الدين . ينفذون المؤامرة . يصلب .يموت . يتوارى فى القبر .
    مع ظهور الخلية الأولى التى رصدنا قصة وجودها يحدث أمر جلل اخر فى تواز وتلازم وتزامن مع هذا الظهور ؛ يحدث أمر هو بمثابة ثورة كونية تمثل ارتقاءا نوعيا بخصوص أعظم مخلوقات الكون أى الانسان . هذه الثورة النوعية هى ظهور خلقة جديدة للانسان ، ظهور الانسان عديم الفساد الذى له الحياة الأبدية .ظهرت الخليقة الجديدة كاملة - لحظيا - متزامنة مع ظهور الخلية الأولى من كيان يسوع فى رحم العذراء.
    - الانسانية الجديدة عديمة الفساد الكائنة فى الرب يسوع التاريخى هى ثمرة الاتحاد بحياة الكلمة .ظهور”جديد يسوع” هو الدليل الواقعى والعلامة الأكيدة للاتحاد الأقنومى بين الكلمة والانسان فى الرب يسوع التاريخى.
    - الاتحاد الأقنومى الذى لشخص الرب يسوع التاريخى هو اتحاد الكلمة بالانسان الكامل . الانسان الطبيعى ليس هو الانسان الكامل .الأخير هو ذلك النموذج الذى خلق الانسان ليكون اياه . فى الرب يسوع ظهر الانسان الكامل . لم يكن الاتحاد الأقنومى قائما بين الكلمة والانسان العتيق فقط . من المستحيل أن تظل طبيعتنا كما هى بالرغم من وجودها فى اتحاد أقنومى مع الكلمة فى شخص الرب يسوع .
    - جوهر شخص الرب يسوع التاريخى -وباطنه المستتر - هو انسانيته الجديدة غير القابلة للموت -ولا حتى للألم -وذلك بفضل كونها قد صارت شريكة فى حياة الكلمة باتحادها أقنوميا معه ، وهى قد صارت هكذا منذ أن صار هناك اتحاد ، أى منذ بدايةانطلاق الحدث فى رحم العذراء .أما ظاهر شخص الرب يسوع - المرصود تاريخيا فى الأناجيل - فهو طبيعتنا نحن .هو ما نحن عليه كبشر طبيعيين ، قبل الامتلاء بالنعمة .هو الانسان العتيق ، جسدا ونفسا ، لحما ودما ، ألما وموتا . هو ذلك الفاسد بالطبيعة . هو ذلك ، غير القابل بطبيعته أن يرث عدم الفساد . هو ذلك المحكوم عليه بالموت . هو ذلك العبد الذى ، نحن اياه .
    - ولكن الخلط بين ظاهر الشخص وباطنه هو حجر العثرة الذى يحول دون ادراك صحيح لمسلمات الخريستولوجيا ، وفى ذات الوقت فان الظاهر والباطن ليسا كيانين منفصلين بل هما كيان واحد ؛ فباطن الشخص - الانسانية الجديدة الكائنة فى الكلمة - هو الصيغة الممتلئة - هو الصيغة الجديدة -عديمة الفساد - لذلك الظاهر . والأخير هو العتيق هو الصيغة التى ننطلق منها نحو ملئنا الذى فى المسيح ، اى نحو تحقيق واظهار ذلك الباطن . الاثنان هما صيغتان متباينتان للوجود الانسانى الواحد . الجديد هو صيغة الحياة أما العتيق فهو الصيغة الطبيعية المحكوم عليها بالموت . والرب عندما زرع جديده - خفية ، بسر لاينطق به - فى عتيقنا فهو قد ظل لابسا ايانا ، حتى اذا مات فينا وأماتنا معه ، وأظهر باكورة قيامتنا ، كيانه الجديد الذى لم يستطع الموت أن يمسك به - استحققنا أن نشترك فى جديده الذى صارلنا رأسا وصرنا نحن له أعضاء.
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو كائن فى ذلك الوليد الذى قال عنه المبشر :” ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب . وهذه لكم العلامة : تجدون طفلا مقمطا مضجعا فى مذود .”( لو 2 : 11و 12 ).لقب “المسيح “يعنى كمال النعمة وكمال مجد الانسانية وكمال النصرة على الموت ، كما يتضح من كلمات بطرس الرسول يوم الخمسين :” فليعلم يقينا جميع بيت اسرائيل أن الله جعل يسوع هذا ، الذى صلبتموه انتم ، ربا ومسيحا .”( أع 2 :36 ) .وكما يتضح أيضا من تعقيب الرب على شهادة بطرس عنه بأنه هو المسيح ابن الله الحى ، اذ قال له :” أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى ، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها .”( مت 16 :18 ) .هو اذن المسيح الذى اتخذ من طبيعتنا جسدا ماسحا اياه حتى ما يصير باكورة لمسحتنا جميعا فيه . هو الرب الذى اتخذ من طبيعتنا جسدا معلنا فيه كمال الربوبية والاعتناء أى الحياة وعدم الموت ، حتى ما يصير لنا ربا ورأسا لوجودنا ، فيه. وقد كان الرب ، طيلة فترة خدمته على الأرض حريصا على أن تبقى حقيقة كونه المسيح ، سرا ؛ ففى نفس سياق شهادة بطرس - على سبيل المثال -”أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد انه المسيح .(مت16 : 20 ). لقب المسيح يحمل داخله كيان يسوع الجديد الذى كان حريصا على أن يبقيه مخفيا الى أن يسمح بظهوره للتاريخ فى فجر الأحد . هذا هو الصخرة,هذا هو حجر زاوية كنيستنا التى لن تقوى عليها أبواب الجحيم .
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك المستهدف من كلمات السماء :”هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت .”( مت3 :17 ).معمودية يسوع فى الأردن لم تكن ظهورا للثالوث - بطريقة مجردة عارية - بل كانت ظهورا للبشرية الجديدة -الكائنة فى كيان الرب يسوع -كصورة للثالوث الأقدس ، أى التى هى بحسب التعبير الابائى الأصيل :” من الاب بالابن فى الروح القدس “.
    مسرة الاب بالابن ، لا تأتى فى السياق المطلق للعلاقة بين شخوص الثالوث الأقدس ، بل فى سياق علاقة الاب بالابن المتجسد ، أى فى سياق الاشارة الى النعمة التى نالتها البشرية فى الكلمة المتجسد ؛ فأنشودة الملائكة -لحظة ولادة يسوع - كانت تزف بشرى حلول السلام فى البشر الذين قد سر الله بهم - على الأرض - بولادة رأس كيانهم الجديد - ليكونوا صورة للمجد الذى فى الأعالى ، أى مجد الثالوث الأقدس ذاته :” المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام فى أناس مسرته “( لو 2 : 14 ).المسرة هى بالابن الجامع للبشر فى كيانه عندما صار بشرا ،” لأنه فيه سر أن يحل كل الملء , وأن يصالح به الكل لنفسه .”( كو1 : 19 ,20 ).” اذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التى قصدها فى نفسه ، لتدبير ملء الأزمنة ، ليجمع كل شئ فى المسيح ، ما فى السماوات وما على الأرض ، فى ذاك الذى فيه أيضا نلنا نصيبا .”( أفس1 : 9-11 ).
    اذن , النازل فى مياه الأردن ، والمعتمد من يوحنا الصابغ هو بكر البشرية الجديدة ن الكائنة الى الأبد داخل شركة الثالوث الأقدس ن معمودية يسوع تكشف باكورة مسرة الاب فى البشر أى بشرية الرب يسوع ، ذلك الذى بواسطته تكتمل مسرة الله عندما يجتمع فيه الكل .
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى أظهره الرب للخاصة من تلاميذه ، على الجبل، واليه صار صوت السماء: ” هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت له اسمعوا .”( مت 17 :5 ). اذن هو نفس خطاب مسرة الاب - بالبشرية الجديدة التى للكلمة المتجسد - والذى سبق استخدامه فى معمودية الأردن ، وذلك لأننا، هنا ،أيضا ، بصدد استعلان نفس الحدث .
    الكيان المستعلن فى التجلى هو بشرية يسوع الممجدة بفضل الاتحاد الأقنومى وهذا هو ما أشار اليه أحد شهود التجلى وهو الرسول بطرس ، اذ قال فى رسالته الجامعة :”لأنه أخذ من الله الاب كرامة ومجدا اذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى :”هذا هو ابنى الحبيب الذى أنا سررت به “ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء اذ كنا معه فى الجبل المقدس .”( 2بط 1 :17و18 ).
    الفعل المستخدم للتعبير عن حدث التغير فى الهيئة والتجلى ، فى هذا السياق ، هو “metamorphoo”، وهو لم يرد فى العهد الجديد الا فى أربعة مواضع فقط : اثنان منهما بخصوص حادثة التجلى ، والاثنان الاخران لهما دلالة ذات صلة بنفس الحادثة ولعل هذه الدلالة هى كشف امتداد مضمون حدث التجلى فى أعضاء الكنيسة التى هى جسد الرب ، وبكلمات أخرى ، هى مضمون عبارة ” له اسمعوا ” التى تأتى فى نهاية خطاب السماء .والموضعان هما : 1- لا تشاكلوا هذا الدهر ، بل “تغيروا ” عن شكلكم بتجديد أذهانكم ، لتختبروا ما هى ارادة الله الصالحة المرضية الكاملة .( رو12 :2 ).2- ونحن جميعا عاكسين ” reflecting”( الترجمة الصحيحة ، كما أعتقد ) مجد الرب بوجه مكشوف “نتغير ” الى تلك الصورة عينها ، من مجد الى مجد ، كما من الرب الروح .( 2كو 3 :18 ).اذن هو مجد المسيح ، الابدى ، غير الزائل الذى نتغير اليه ، وهكذا ينعكس مجده علينا مثلما انعكس مجد الله قديما على وجه موسى ولكن الفرقان الأساسيان بين المجدين هما :1- مجد موسى زائل ومجد المسيح باق .2- مجد موسى كان محتجبا وراء برقع وأما مجد المسيح فينعكس علينا ونحن بوجه مكشوف ، وبدون برقع أو حجاب .
    كيان التجلى هو بشرية يسوع الممجدة ، والتى كان الرب حريصا على اخفائها ، خلف العتيق - طيلة خدمته - الى أن يعلنها فى فجر الأحد ، أى فى فجر القيامة : ” وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا :” لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الانسان من الأموات “.( مت17 :9 ).
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى شهد لذاته قائلا :”من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه . كما أرسلنى الاب الحى ، وأنا حى بالاب ، فمن يأكلنى فهو يحيا بى . هذا هو الخبز الذى نزل من السماء . ليس كما أكل اباؤكم المن وماتوا . من يأكل هذا الخبز فانه يحيا الى الأبد .”( يو 6 : 56-58 ).وفى العشاء الأخير ، فى عشية اعدامه، قدم كيانه، الجديد ، جاعلا منه الكيان الافخارستى الذى فيه تجتمع وتتحقق الكنيسة ، الخليقة الجديدة.
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى شهد لذاته قائلا :” أنا هو القيامة والحياة . من امن بى ولو مات فسيحيا ، وكل من كان حيا وامن بى فلن يموت الى الأبد .”( يو11 : 25 و26 ).
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو الكائن فى الابن - والذى فيه تم تبنى الجميع من قبل الاب صائرين وديعة أبدية فى يديه - وبخصوصه ، وفى لحظة موته ، التى هى شهادة حياته ، بان واحد - نادى بصوت عظيم وقال :” يا أبتاه ، فى يديك أستودع روحى .”( لو 23 :46 ) .وهكذا صار موت الصليب كشفا للنصرة الكائنة فى جديد يسوع ، الذى صار وديعة لدى الاب ، وحينما أسلم عتيقه لمصيره الطبيعى - الذى هو مصير الكون كله ، أى العدم - كان ذلك خلعا للحجاب الذى يستر مجد الانسانية ، ورأسها ، الرب يسوع القائم والمنتصر على الموت .
    ولم يكن موت الصليب مجرد أداة انتصار على الموت فى كيان الرب ، فقط ، بل لقد أصبح الصليب هو قوة الكنيسة وطريقها للشركة فى مجد القيامة بالشركة فى موت المسيح المحيى . أصبح الصليب معبرا للشركة فى مجد التجسد ، بتكميل الجسد الذى للكلمة المتجسد ، المسيح المستوعب لكنيسته .
    3- طبيعة الواقع القديم الذى تم تجاوزه بالتجسد :
    —————————————————————–
    الواقع القديم هو ذلك الممتد منذ ظهور أول خلية بشرية حية فى رحم العذراء ، الى دخول جسد يسوع فى القبر . هذا هو واقع الألم والموت .هذا هو كياننا الطبيعى ، جسدا ونفسا ، أو الجسد النفسانى .ولكن هذا الواقع - الذى استمر لعدة سنوات قليلة، بتعداد زماننا - هى عمر الرب يسوع التاريخى على الأرض - كان قد تم تجاوزه تماما من خلال الظهور المتزامن والمتلازم - مع انطلاق الحدث- للطبيعة البشرية الجديدة عديمة الفساد والتى لها الحياة الأبدية .وقد ظل الواقع الجديد مستترا خلف العتيق الى أن توارى العتيق فى القبر فتم اعلان الواقع الأبدى الجديد الذى للبشرية الكائنة فى الكلمة ، فى اتحاد أقنومى ، والصائرة رأسا لجميع المختارين من البشر ليصيروا أعضاء المسيح .
    - موت الرب يسوع لا يمكن تفهمه بدون ادراك بعده الكونى ( وهذا ما أثنيتم عليه، مشكورين فى تعليقكم الرائع ) . والبعد الكونى لموت يسوع يعنى أنه فيما مات موتنا فهو قد مات موت الكون كله ،أى العدم ؛ لأننا حينما نموت ،بحكم طبيعتنا ، وذلك بانفصال النفس عن الجسد وضياع هيئة الاثنين وانحدارهما نحو العدم ، فانه ماتزال بقايا الأجساد فى الكون وبتحللها تدور العناصر ثانية فى الكون فى صور أخرى . تمام صورة الموت هو العدم الذى يحدث فى لحظة نهاية الكون بانحلال العناصر ، الأمر الذى تحدث عنه الرسول بطرس فى رسالته ، اذ قال :”( سيأتى كلص فى الليل ، يوم الرب ، الذى فيه تزول السماوات بضحيح ، وتنحل العناصر محترقة ، وتحترق الأرض والمصنوعات التى فيها .”( 2بط 3 :10).
    الرب يسوع التاريخى مات هذا الموت . مات موت الكون كله ، وبذلك هو لم يمت موتنا فقط بل قد أتم موتنا وأتم موت الكون ، وحينما أغلق على عتيقه بالحجر ، داخل القبر ، تهاوت الطبيعة المادية العتيقة التى لذلك الحجاب ، وانحلت جميع عناصرها وصار ظاهر شخص الرب يسوع - المادى ( اللحم والدم )- عدما ، لتتكشف حقيقة الجديد المستور ، ذلك الكيان الروحانى ، الذى للانسانية الجديدة الكائنة فى اتحاد شخصى مع الكلمة منذ أول لجظة للتجسد .
    واذا أردنا أن نرى - بالنعمة -منظورا أوسع لهذه القضية ، فاننا يجب أن ندرك أن مفهوم البعد الكونى لموت الرب يسوع هو جزء من سياق أوسع وأرحب هو مفهوم ” البعد الكونى للتجسد ” .تجسيد الأمر هو اعادة اكتشاف حضوره فى الاخر . الكون لم يكن يوما الا تجسيدا لحضور الكلمة ، وهذا هو عمق مفهوم النعمة . حضور الكلمة فى الكون - أى نعمة الخلق واستمرار الخليقة - هو حضور نسبى ، كمى ، موقوت ، رجعى ( reversible)، وبارادته وحده ، فى الزمن المحدد سوف ينهى الكلمة حضوره فى الكون فيتلاشى عائدا الى العدم . ولكن ماذا لو أن الكلمة قد حضر بكل ملء لاهوته - حضورا مطلقا - فى انسان ينتمى الى هذا الكون واتحد به أقنوميا ، متجسدا فيه - جاعلا منه رأس الانسانية الجديدة عديمة الموت - فماذا يعنى موته ، فى هذا السياق ؟ ألا يعنى ذلك أن الكلمة المتجسد - وفيما أراد أن يظهر الخليقة الجديدة ، التى ظهرت بفضل حضوره الأبدى فيها ( irreversible)، فانه أنهى حضوره فى ظاهر شخصه ، العتيق - كما سوف ينهى حضوره فى الكون - فصار عدما ؟ أليس هذا هو الموت ، كغياب لحضور الكلمة ؟ .
    - فى جديد يسوع - المتحد أقنوميا ، الى الأبد ، مع الكلمة - قد تم تجاوز واقع الحضور الزمنى للكلمة فى عتيق يسوع . وهو حينما خلع ذلك العتيق - فى القبر - مسلما اياه لمصيره الذى هو مصير الكون ، أى العدم - كان قد كشف عن كيانه الجديد ، الذى صار غطاء ورداء للكل ؛ لأن كل الذين اعتمدوا للمسيح قد لبسوا المسيح .( غل3 :27).
    - مفهوم البعد الكونى لموت الرب يسوع - والذى يأتى فى سياق البعد الكونى للتجسد - يعنى أن الرب يسوع ، حينما مات ، فقد مات موت الكون ، كله ، أى الفناء والعدم . وحينما أظهر قيامة جسده الخاص فقد كان ذلك اظهارا لبداية الكون الجديد ، الذى يتكمل الان بتكميل وامتلاء جسد المسيح ؛ فالكون الجديد ما هو الا الكنيسة :” السماء الجديدة والأرض الجديدة ، المدينة المقدسة أورشليم الجديدة النازلة من عند الله …مسكن الله مع الناس .”(رؤ21 : 1-3 )
    4- طبيعة العلاقة بين الجديد والعتيق :
    —————————————————-
    من خلال تعمق الاصحاح الخامس عشر من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس ، نستطيع أن نرصد النقاط الرئيسة لهذه العلاقة :
    أولا : هى علاقة ذاتية :
    الجديد والعتيق ليسا طبيعتين أو شخصين مختلفين بل طبيعة واحدة لشخص واحد ومثلهما كعلاقة البذرة بالكيان المستزرع . البذرة هى الصورة المزمع موتها لحساب الكيان المستهدف زراعته ، الكيان الحى :” الذى تزرعه لا يحيا ان لم يمت . والذى تزرعه ، لست تزرع الجسم الذى سوف يصير ، بل حبة مجردة ، ربما من حنطة أو أحد البواقى . ولكن الله يعطيها جسما كما أراد ولكل واحد من البزور جسمه .”(1كو 15 : 36-38 ).
    ثانيا : هى علاقة تغير :
    1- جوهر التغيير : هو ظهور الطبيعة عديمة الفساد -الممجدة ، الجسم الروحانى ، صورة السماوى- عوضا عن الطبيعة الفاسدة ، الجسم الحيوانى ، صورة الترابى ، اللحم والدم .
    2- الية التغيير : هى الحدث المزدوج للحياة والموت . اذ ينشأ وجود الكيان الجديد - القائم من الموت - من العدم ، بفضل الشركة فى حياة الكلمة ، وفى ذات حدث التغير ، ينحدر العتيق نحو مصيره الطبيعى ، أى العدم . :” ان لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ، ولا يرث الفساد عدم الفساد . .. لا نرقد كلنا ، ولكننا كلنا نتغير ، .. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد ، وهذا المائت يلبس عدم موت .”( 1كو 15 : 50- 54 ).
    التغير هو عملة ذات وجهين ، الوجه الاول هو نشأة الجديد ، من العدم . والوجه الثانى هو انحدار العتيق الى العدم .
    3-التقاطع بين صورتى الجديد والعتيق :
    لدينا حالتان :- الحالة الأولى هى حالة التتابع الزمنى ، وهى حالة القديسين ، الذين فى المسيح . نبدأ الرحلة بطبيعة فاسدة ، عتيقة . يبدأ الجديد فى النشأة ، ينمو الى أن يكتمل ” لذلك لا نفشل ، بل وان كان انساننا الخارج يفنى ، فالداخل يتجدد يوما فيوما .”( 2كو 4 :16 ) .اذن الجديد يعقب العتيق زمنيا :” يزرع فى فساد ويقام فى عدم فساد . يزرع فى هوان ويقام فى مجد . يزرع فى ضعف ويقام فى قوة . يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا .” ( 1كو 15 : 42 - 44 ).
    - الحالة الثانية هى حالة التزامن والتلازم المطلق بين الظهور الكامل للجديد و ظهور العتيق ، فى شخص الرب يسوع التاريخى .
    واذا كان كيان انسانيتنا الجديد ، الذى نستهدفه ،أى الكيان الممجد ، القائم من الموت ، هو صورة السماوى - أى صورة ادم الأخير ، الروح المحيى ، الانسان الثانى الرب من السماء ( 1كو 15 :45-49 )- فعلينا أن نتبنى أحد اختيارين - لا ثالث لهما - الأول هو أن جديد يسوع أى انسانيته الممجدة - التى أظهرها فى فجر الأحد ، حينما أعلن القيامة للتاريخ - هى قائمة فى كيانه ، منذ أول لحظة للتجسد ، فى رحم العذراء. والثانى هو أن يسوع التاريخى لم يصر ربا ومسيحا الا فى فجر الأحد ، بعد أن قبر بثلاثة أيام !.
    5- طبيعة الفرق بين جديد وعتيق شخص الرب يسوع التاريخى :
    —————————————————————————
    -الجديد هو الحى عديم الفساد . العتيق هو طبيعتنا الأولى ، هو نحن ، جسدا ونفسا ، هو الفاسد بالطبيعة والمنحدر نحو العدم .وعندما يقال أن الرب ، بموته قد انفصلت نفسه عن جسده ، فانما يجب أن يفهم ذلك على مستوى الوجود العتيق ؛ فنفسه العتيقة قد انفصلت عن جسده العتيق (اللحم والدم) وعليه فقد تم الموت بتلاشى عنصرى الجسد النفسانى . وأما الوجه الاخر للحدث فهو أن هناك كيانا جديدا ، نفسا وجسدا ( الجسد الروحانى )، غير قابل للموت ، كائن فى اتحاد أقنومى مع الكلمة ، ومستزرع من تلك البذرة العتيقة ، منذ بداية انطلاق حدث التجسد .
    -الجديد هو التغير النوعى ،الكامل ، التام ، المنطلق من بداية الحدث ، والى الأبد ، كرأس للكنيسة . العتيق هو حدث تراكمى كمى - تغير ونمو ينطلق من بداية الحدث الى دفن القبر.
    -الجديد خفى مستتر، هو باطن الشخص . العتيق هو الحجاب الذى يستره، هو ظاهر الشخص .
    6- طبيعة العلاقة بين جديد يسوع وجديد القديسين (الذين فى المسيح ):
    ———————————————————————————————
    يختلف المدلول اللاهوتى لشخص “الرب يسوع التاريخى “- من المنظور الكمى - عن المدلول اللاهوتى لشخص “المسيح”؛ فالأخير هوشخص كاثوليكى ( جماعى )، فيه تجتمع الكنيسة الكاملة - التى هى جميع المختارين من البشر ، الصائرين أبناء للاب بالتبنى ، بالشركة فى الابن المتجسد - كجسد واحد ، رأسه هو الرب يسوع التاريخى ، ذاته .
    السؤال ، اذن هو :كيف نفهم “الاتحاد الأقنومى “، فى سياق الحديث عن المسيح ، المستوعب لكنيسته ؟ .للاجابة ، نقول :لفهم الاتحاد الأقنومى بالنسبة لشخص المسيح ، هناك مستويان : المستوى الأول هو مستوى رأس الكيان ، الرب يسوع الذى يقوم شخصه بالاتحاد الأقنومى بين انسانية الكلمة المتجسد ولاهوته ، والمستوى الثانى هو مستوى الأعضاء.كل عضو هو شخص ، وكل شخص له اتحاده الأقنومى الخاص به ، بين انسانيته الجديدة - عديمة الفساد - وحضور الكلمة المنطوق فيه - تمايزا عضويا ، ومن المستحيل وجود اتحاد أقنومى بين الأعضاء وشخص المسيح ، رأس الكيان ، وذلك لسببين رئيسيين : الأول هو أن الاتحاد الأقنومى - لأى شخص -انما هو - دائما - اتحاد “كل” بكل ، وليس اتحاد جزء بكل ، ولأن العضو ، بالنسبة للجسد الكامل ، هو جزء من كل ، فلا مجال لاتحاد أقنومى من هذا المنظور . أما السبب الثانى فهو أن الاتحاد الأقنومى ، انما هو دائما اتحاد بين عنصرين متكافئين ، ونظرا لأن العضو لا يكافئ الرأس - اذ يستمد العضو وجوده من رأس كيانه ، المسيح الرب - فلا مجال لاتحاد أقنومى ، من هذا المنظور ،أيضا .
    7- طبيعة علاقة مفهوم الزمن بلحظة التجسد :
    ———————————————————–
    كانت لحظة التجسد هى اخر لحظة - فى عمر وتاريخ الكون - من الممكن أن يطلق عليها مفهوم ” المستقبل ” . عندما صار الكلمة انسانا ، صائرا فى اتحاد أقنومى مع ما هو زمنى ، صلب الزمن فى المسيح ؛ اذ صار الزمن لحظة انية واحدة ، صار الزمن حاضرا أبديا وصار ما تبقى من عمر الكون - الذى نعتبره نحن مستقبل ، بحكم نقصنا - مجرد خادم للحاضر الأبدى ، الذى للحظة التجسد ، ياتى بكل أبناء الكنيسة المبعثرين لينضموا الى رأسهم ، الكائن فى ” الان الأبدى “.لم يعد المستقبل قاطرة تجر التاريخ خلفها . فقد المستقبل سطوته و أصبح الحاضر - فى المسيح - هو مصب الزمن ، ماضيا ومستقبلا ، وأصبحت لحظة التجسد هى الزمن الحقيقى الذى ينهار عنده أى مفهوم للزمن العتيق الذى نعرفه . “تأتى ساعة وهى الان ، حين يسمع الأموات صوت ابن الله ، والسامعون يحيون “( يو5 :25 ).
    لأننا زمنيون ، بطبيعتنا ، فنحن لا نستطيع أن ندرك الأحداث الا فى سياق التسلسل والتتابع الزمنى ، ولا يمكننا أن ندرك حقيقة أن كيان الرب قائم ، ومنتصر على الموت ، قبل حدوث الصلب والموت والدفن فى القبر ، المغلق باحكام . ولكن مفهوم الزمن والتاريخ لا يجب أن يعثرنا ، فنتخيل أن كيان الرب الممجد ، عديم الفساد - بفضل كونه جسد الكلمة- قد نشأ بطريقة مفاجئة ، فى القبر المغلق .
    اننا يجب أن نتحرر من جهالة مرثا ، التى كانت تظن أن القيامة هى حدث نهاية التاريخ . وحتى ان اعتقدنا أن القيامة هى حدث نهاية تاريخ يسوع - على الأرض - فاننا نعيد انتاج نفس جهالة مرثا . القيامة هى شخص ، وهذا هو ما قد أعلنه الرب لمرثا ، قائلا :”أنا هو القيامة “.

    الكلمة ، بتجسده قد أنشأ الزمن الأبدى فى جسده الخاص ، هكذا صارت القيامة .وهو قد صنع هذا منذ أن صار ذلك الجسد ، جسدا خاصا له ، أى منذ أن صار هناك ، تجسد .
    ان ما حدث فى فجر الأحد ، بعد ثلاثة أيام من موته ، ما هو الا اعلان للتاريخ عن حقيقة ما هو كائن بالفعل ، فى رحم العذراء ، فى يوم البشارة . القيامة هى بداية التاريخ الأبدى وليست نهاية التاريخ الزمنى ، والكلمة بتجسده قد لبس تاريخيتنا وزمنيتنا ، حتى اذا مااشتركنا فيه ، لبسنا انيته وحاضره الأبدى .

  31. m-david :

    تعليق على تعليق :
    - مجرد محاولة لاعادة اكتشاف مسلمات الخريستولوجيا .
    =====================================
    أستاذى الدكتور / جورج حبيب
    سعدت سعادة بالغة بتشريفكم لى بالتفضل بالتعليق الذى التمسته منكم . أيضا سعدت جدا بثنائكم ، الذى لا يدل الا على تواضع العالم العظيم فى خطابه مع مجرد تلميذ متواضع من تلاميذه ومريد من مريديه .
    وكعهد الدنيا بك فأنت دائما ذلك الكائن البشرى الذى لا يتنفس الا حكمة الاباء ولا ينطق ولا يفكر الا لغتهم التى تحمل عبق طزاجة الفكرة المسيحية ، فى منابعها الأولى .
    تعلمت منكم هذا العشق لتراث الاباء ، لاسيما فكر العظيم أثناسيوس ولكننى فى تشبسى بهذه المرجعية الابائية فان تشبسى لا يتوقف عند حدود ظاهر النص ، ولكننى أستميت فى التشبس بجوهر فكر الكاتب ككل ، ذلك الجوهر الذى يتبلور فى صيغة لا تقبل الجدل - تظهر من خلال بلورة لمشترك أعظم يمثل حبل المسبحة الذى يضم حبات لالئ مفردات النص . المثال الأوضح - وهو فى الواقع بيت القصيد لموضوعنا - هو موضوع التجسد بالنسبة لجل فكر القديس أثناسيوس .
    - ما نتعلمه من فكر أثناسيوس - لا سيما كتاب تجسد الكلمة - هو أن حدث الاحتفالية - الحدث المركزى - الحدث الأم - هو تجسد الكلمة ، هو صيرورة شخص الابن انسانا . فى التجسد نالت البشرية - فى جسد يسوع الخاص ، كرأس - كل ما يخص النعمة .
    - بالتجسد تحققت القيامة والنصرة على الموت . بالتجسد تحققت المغفرة . بالتجسد تحقق الخلاص . بالتجسد تكرس الملكوت ، اذ تكرس وجود الملك ، الرب يسوع .بالتجسد انطلق تأسيس الكنيسة بتحقق وجود رأسها ، الرب يسوع التاريخى. فلنتخيل ما نشاء من مفردات توصيف النعمة ، فلن نجد مفردة واحدة منها لا توصف ما هو قائم فى انسانية الكلمة المتجسد الرب يسوع .
    اذن ، محورية التجسد ومركزيته هى نقطة حاكمة ، ومن المستحيل الوصول لمفهوم صحيح للنعمة التى نالتها البشرية فى المسيح بدون تمركز التجسد داخل هذا المفهوم .
    النقاط الحاكمة لفهم صحيح لموضوع التجسد :
    —————————————————————–
    1- طبيعة كيان التجسد :
    ________________
    كيان التجسد هو شخص الكلمة المتأنس ، الاله الكامل والانسان الكامل بان واحد . هذه المعضلة الخريستولوجية ينبغى أن لا تكون بهذا القدر من الغرابة الذى تبدو عليه ، بالنسبة لنا ، فالعلاقة بين مختلفين - المكونة لكيان واحد بسيط ، بلا تركيب - هى قريبة جدا لنا ، أكثر مما نتخيل ، فهى حقيقة وجودنا ، هى حقيقة طبيعتنا ، فالشخص الانسانى هو ثمرة اتحاد سرى ، لا نستطيع ادراكه ، بين النفس البشرية العاقلة والجسد البشرى . النفس والجسد طبيعتان مختلفتان متمايزتان ولكن اتحادهما - الذى لم يكن غير كذلك يوما ما ، ولن يكون - بالنسبة للانسان الحى -هو سر وجود الشخص البشرى الواحد .
    - لقد كان”النموذج الانسانى ” ، بمثابة الوسيلة التمثيلية الناجحة والناجعة التى تبناها القديس الأنبا كيرلس الأول ، فى معرض شرحه وتأصيله لمفهوم مصطلح “الاتحاد الأقنومى “( hypostatic union) ، وذلك فى رسالته الثانية الى سكسينسوس وأيضا فى رسالته الثالثة الى نسطور .
    - الأقنوم هو الشخص ، والاتحاد الأقنومى هو الاتحاد الشخصى ، أى الاتحاد - بين عنصرى الشخص - الذى به يوجد الشخص ، ولاوجود للشخص أو لأى من عنصريه - فى حالة مستقلة - سواء قبل أوبعد ، الاتحاد الأقنومى .
    - الاتحاد الأقنومى هو طبيعة الرب يسوع التاريخى ، ألوهة كاملة وانسانية كاملة فى وحدة ، لا وجود فيها لاختلاط ، أو امتزاج ، أو تغيير- أو استقلال - لأى من الطبيعتين - سواء قبل أو بعد الاتحاد .
    - يعبر عن الاتحاد الأقنومى بمصطلح “الاحتواء المتبادل “(coinherence)( وهذا التعبير يختلف عن تعبير اخر ، يستخدم لشرح علاقة شخوص الثالوث الأقدس وهو :(perichoresis ).
    الاتحاد الأقنومى ، الذى يتحقق به الشخص الانسانى ، انما يعنى أن النفس البشرية والجسد البشرى كائنان فى حالة احتواء -وتواجد واستيعاب - متبادل .فالنفس ( الروح ) هى التعبير غير المادى عن الجسد ، والجسد هو التعبير المادى عن النفس . كل من العنصرين يتضمن الاخر ويحقق وجوده ، ولا وجود مستقل لأى منهما . الاستقلال - هنا - يعنى الموت والتلاشى لكليهما .
    - أما فى ما يخص الخريستولوجيا ، فاننا يجب أن ندرك أن لاهوت الكلمة المتجسد هو فى حالة احتواء متبادل مع ناسوت الكلمة المتجسد . الألوهة الكاملة التى للكلمة المتجسد هى فى حالة تواجد متبادل ، واستيعاب متبادل ،مع الانسانية الكاملة التى للكلمة المتجسد .
    هذا هو شخص الرب يسوع التاريخى ، شخص واحد ، بسيط ، غير مركب ، كائن فى اتحاد اقنومى - غير قابل للتقسيم - بين عنصريه ، الكلمة والانسان .لاهوت الكلمة المتجسد يتضمن ناسوته الكامل وهو”يكرم بسجدة واحدة “(بحسب تعبير ق/كيرلس فى رسالته الثالثة الى نسطور ) ، بينما ، ناسوت الكلمة المتجسد يتضمن لاهوته الكامل وهو يكرم بذات السجدة الواحدة .
    2- طبيعةالواقع الجديد الذى تحقق بالتجسد :
    —————————————————————
    تحنى الصبية العذراء رأسها خضوعا لأمر الرب قائلة :” هوذا أنا أمة الرب.ليكن لى كقولك “( لو 1 :38) . قالت هذا ردا على رسالة المبشر العجيبة :” الروح القدس يحل عليك ، وقوة العلى تظللك ، فلذلك أيضا القدوس المولود يدعى ابن الله .”( لو 1 :35). وما أن أعلنت العذراء تسليمها الكامل لارادة الرب حتى زرع فى رحمها أول خلية حية تنتمى لطبيعتنا البشرية . تتكاثر الخلية وفقا لبيولوجيتنا. ينمو الجنين .يكتمل نموه . يولد . يسمى يسوع . ينمو الطفل .يصير رجلا . يخرج لقومه بخطاب جديد . يصطدم مع المؤسسة الدينية المتحجرة . يتامروا لقتله باسم الدين . ينفذون المؤامرة . يصلب .يموت . يتوارى فى القبر .
    مع ظهور الخلية الأولى التى رصدنا قصة وجودها يحدث أمر جلل اخر فى تواز وتلازم وتزامن مع هذا الظهور ؛ يحدث أمر هو بمثابة ثورة كونية تمثل ارتقاءا نوعيا بخصوص أعظم مخلوقات الكون أى الانسان . هذه الثورة النوعية هى ظهور خلقة جديدة للانسان ، ظهور الانسان عديم الفساد الذى له الحياة الأبدية .ظهرت الخليقة الجديدة كاملة - لحظيا - متزامنة مع ظهور الخلية الأولى من كيان يسوع فى رحم العذراء.
    - الانسانية الجديدة عديمة الفساد الكائنة فى الرب يسوع التاريخى هى ثمرة الاتحاد بحياة الكلمة .ظهور”جديد يسوع” هو الدليل الواقعى والعلامة الأكيدة للاتحاد الأقنومى بين الكلمة والانسان فى الرب يسوع التاريخى.
    - الاتحاد الأقنومى الذى لشخص الرب يسوع التاريخى هو اتحاد الكلمة بالانسان الكامل . الانسان الطبيعى ليس هو الانسان الكامل .الأخير هو ذلك النموذج الذى خلق الانسان ليكون اياه . فى الرب يسوع ظهر الانسان الكامل . لم يكن الاتحاد الأقنومى قائما بين الكلمة والانسان العتيق فقط . من المستحيل أن تظل طبيعتنا كما هى بالرغم من وجودها فى اتحاد أقنومى مع الكلمة فى شخص الرب يسوع .
    - جوهر شخص الرب يسوع التاريخى -وباطنه المستتر - هو انسانيته الجديدة غير القابلة للموت -ولا حتى للألم -وذلك بفضل كونها قد صارت شريكة فى حياة الكلمة باتحادها أقنوميا معه ، وهى قد صارت هكذا منذ أن صار هناك اتحاد ، أى منذ بدايةانطلاق الحدث فى رحم العذراء .أما ظاهر شخص الرب يسوع - المرصود تاريخيا فى الأناجيل - فهو طبيعتنا نحن .هو ما نحن عليه كبشر طبيعيين ، قبل الامتلاء بالنعمة .هو الانسان العتيق ، جسدا ونفسا ، لحما ودما ، ألما وموتا . هو ذلك الفاسد بالطبيعة . هو ذلك ، غير القابل بطبيعته أن يرث عدم الفساد . هو ذلك المحكوم عليه بالموت . هو ذلك العبد الذى ، نحن اياه .
    - ولكن الخلط بين ظاهر الشخص وباطنه هو حجر العثرة الذى يحول دون ادراك صحيح لمسلمات الخريستولوجيا ، وفى ذات الوقت فان الظاهر والباطن ليسا كيانين منفصلين بل هما كيان واحد ؛ فباطن الشخص - الانسانية الجديدة الكائنة فى الكلمة - هو الصيغة الممتلئة - هو الصيغة الجديدة -عديمة الفساد - لذلك الظاهر . والأخير هو العتيق هو الصيغة التى ننطلق منها نحو ملئنا الذى فى المسيح ، اى نحو تحقيق واظهار ذلك الباطن . الاثنان هما صيغتان متباينتان للوجود الانسانى الواحد . الجديد هو صيغة الحياة أما العتيق فهو الصيغة الطبيعية المحكوم عليها بالموت . والرب عندما زرع جديده - خفية ، بسر لاينطق به - فى عتيقنا فهو قد ظل لابسا ايانا ، حتى اذا مات فينا وأماتنا معه ، وأظهر باكورة قيامتنا ، كيانه الجديد الذى لم يستطع الموت أن يمسك به - استحققنا أن نشترك فى جديده الذى صارلنا رأسا وصرنا نحن له أعضاء.
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو كائن فى ذلك الوليد الذى قال عنه المبشر :” ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب . وهذه لكم العلامة : تجدون طفلا مقمطا مضجعا فى مذود .”( لو 2 : 11و 12 ).لقب “المسيح “يعنى كمال النعمة وكمال مجد الانسانية وكمال النصرة على الموت ، كما يتضح من كلمات بطرس الرسول يوم الخمسين :” فليعلم يقينا جميع بيت اسرائيل أن الله جعل يسوع هذا ، الذى صلبتموه انتم ، ربا ومسيحا .”( أع 2 :36 ) .وكما يتضح أيضا من تعقيب الرب على شهادة بطرس عنه بأنه هو المسيح ابن الله الحى ، اذ قال له :” أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى ، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها .”( مت 16 :18 ) .هو اذن المسيح الذى اتخذ من طبيعتنا جسدا ماسحا اياه حتى ما يصير باكورة لمسحتنا جميعا فيه . هو الرب الذى اتخذ من طبيعتنا جسدا معلنا فيه كمال الربوبية والاعتناء أى الحياة وعدم الموت ، حتى ما يصير لنا ربا ورأسا لوجودنا ، فيه. وقد كان الرب ، طيلة فترة خدمته على الأرض حريصا على أن تبقى حقيقة كونه المسيح ، سرا ؛ ففى نفس سياق شهادة بطرس - على سبيل المثال -”أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد انه المسيح .(مت16 : 20 ). لقب المسيح يحمل داخله كيان يسوع الجديد الذى كان حريصا على أن يبقيه مخفيا الى أن يسمح بظهوره للتاريخ فى فجر الأحد . هذا هو الصخرة,هذا هو حجر زاوية كنيستنا التى لن تقوى عليها أبواب الجحيم .
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك المستهدف من كلمات السماء :”هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت .”( مت3 :17 ).معمودية يسوع فى الأردن لم تكن ظهورا للثالوث - بطريقة مجردة عارية - بل كانت ظهورا للبشرية الجديدة -الكائنة فى كيان الرب يسوع -كصورة للثالوث الأقدس ، أى التى هى بحسب التعبير الابائى الأصيل :” من الاب بالابن فى الروح القدس “.
    مسرة الاب بالابن ، لا تأتى فى السياق المطلق للعلاقة بين شخوص الثالوث الأقدس ، بل فى سياق علاقة الاب بالابن المتجسد ، أى فى سياق الاشارة الى النعمة التى نالتها البشرية فى الكلمة المتجسد ؛ فأنشودة الملائكة -لحظة ولادة يسوع - كانت تزف بشرى حلول السلام فى البشر الذين قد سر الله بهم - على الأرض - بولادة رأس كيانهم الجديد - ليكونوا صورة للمجد الذى فى الأعالى ، أى مجد الثالوث الأقدس ذاته :” المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام فى أناس مسرته “( لو 2 : 14 ).المسرة هى بالابن الجامع للبشر فى كيانه عندما صار بشرا ،” لأنه فيه سر أن يحل كل الملء , وأن يصالح به الكل لنفسه .”( كو1 : 19 ,20 ).” اذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التى قصدها فى نفسه ، لتدبير ملء الأزمنة ، ليجمع كل شئ فى المسيح ، ما فى السماوات وما على الأرض ، فى ذاك الذى فيه أيضا نلنا نصيبا .”( أفس1 : 9-11 ).
    اذن , النازل فى مياه الأردن ، والمعتمد من يوحنا الصابغ هو بكر البشرية الجديدة ن الكائنة الى الأبد داخل شركة الثالوث الأقدس ن معمودية يسوع تكشف باكورة مسرة الاب فى البشر أى بشرية الرب يسوع ، ذلك الذى بواسطته تكتمل مسرة الله عندما يجتمع فيه الكل .
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى أظهره الرب للخاصة من تلاميذه ، على الجبل، واليه صار صوت السماء: ” هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت له اسمعوا .”( مت 17 :5 ). اذن هو نفس خطاب مسرة الاب - بالبشرية الجديدة التى للكلمة المتجسد - والذى سبق استخدامه فى معمودية الأردن ، وذلك لأننا، هنا ،أيضا ، بصدد استعلان نفس الحدث .
    الكيان المستعلن فى التجلى هو بشرية يسوع الممجدة بفضل الاتحاد الأقنومى وهذا هو ما أشار اليه أحد شهود التجلى وهو الرسول بطرس ، اذ قال فى رسالته الجامعة :”لأنه أخذ من الله الاب كرامة ومجدا اذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى :”هذا هو ابنى الحبيب الذى أنا سررت به “ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء اذ كنا معه فى الجبل المقدس .”( 2بط 1 :17و18 ).
    الفعل المستخدم للتعبير عن حدث التغير فى الهيئة والتجلى ، فى هذا السياق ، هو “metamorphoo”، وهو لم يرد فى العهد الجديد الا فى أربعة مواضع فقط : اثنان منهما بخصوص حادثة التجلى ، والاثنان الاخران لهما دلالة ذات صلة بنفس الحادثة ولعل هذه الدلالة هى كشف امتداد مضمون حدث التجلى فى أعضاء الكنيسة التى هى جسد الرب ، وبكلمات أخرى ، هى مضمون عبارة ” له اسمعوا ” التى تأتى فى نهاية خطاب السماء .والموضعان هما : 1- لا تشاكلوا هذا الدهر ، بل “تغيروا ” عن شكلكم بتجديد أذهانكم ، لتختبروا ما هى ارادة الله الصالحة المرضية الكاملة .( رو12 :2 ).2- ونحن جميعا عاكسين ” reflecting”( الترجمة الصحيحة ، كما أعتقد ) مجد الرب بوجه مكشوف “نتغير ” الى تلك الصورة عينها ، من مجد الى مجد ، كما من الرب الروح .( 2كو 3 :18 ).اذن هو مجد المسيح ، الابدى ، غير الزائل الذى نتغير اليه ، وهكذا ينعكس مجده علينا مثلما انعكس مجد الله قديما على وجه موسى ولكن الفرقان الأساسيان بين المجدين هما :1- مجد موسى زائل ومجد المسيح باق .2- مجد موسى كان محتجبا وراء برقع وأما مجد المسيح فينعكس علينا ونحن بوجه مكشوف ، وبدون برقع أو حجاب .
    كيان التجلى هو بشرية يسوع الممجدة ، والتى كان الرب حريصا على اخفائها ، خلف العتيق - طيلة خدمته - الى أن يعلنها فى فجر الأحد ، أى فى فجر القيامة : ” وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا :” لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الانسان من الأموات “.( مت17 :9 ).
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى شهد لذاته قائلا :”من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فى وأنا فيه . كما أرسلنى الاب الحى ، وأنا حى بالاب ، فمن يأكلنى فهو يحيا بى . هذا هو الخبز الذى نزل من السماء . ليس كما أكل اباؤكم المن وماتوا . من يأكل هذا الخبز فانه يحيا الى الأبد .”( يو 6 : 56-58 ).وفى العشاء الأخير ، فى عشية اعدامه، قدم كيانه، الجديد ، جاعلا منه الكيان الافخارستى الذى فيه تجتمع وتتحقق الكنيسة ، الخليقة الجديدة.
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو ذلك الذى شهد لذاته قائلا :” أنا هو القيامة والحياة . من امن بى ولو مات فسيحيا ، وكل من كان حيا وامن بى فلن يموت الى الأبد .”( يو11 : 25 و26 ).
    - كيان يسوع الجديد ، رأس خلقتنا الجديدة هو الكائن فى الابن - والذى فيه تم تبنى الجميع من قبل الاب صائرين وديعة أبدية فى يديه - وبخصوصه ، وفى لحظة موته ، التى هى شهادة حياته ، بان واحد - نادى بصوت عظيم وقال :” يا أبتاه ، فى يديك أستودع روحى .”( لو 23 :46 ) .وهكذا صار موت الصليب كشفا للنصرة الكائنة فى جديد يسوع ، الذى صار وديعة لدى الاب ، وحينما أسلم عتيقه لمصيره الطبيعى - الذى هو مصير الكون كله ، أى العدم - كان ذلك خلعا للحجاب الذى يستر مجد الانسانية ، ورأسها ، الرب يسوع القائم والمنتصر على الموت .
    ولم يكن موت الصليب مجرد أداة انتصار على الموت فى كيان الرب ، فقط ، بل لقد أصبح الصليب هو قوة الكنيسة وطريقها للشركة فى مجد القيامة بالشركة فى موت المسيح المحيى . أصبح الصليب معبرا للشركة فى مجد التجسد ، بتكميل الجسد الذى للكلمة المتجسد ، المسيح المستوعب لكنيسته .
    3- طبيعة الواقع القديم الذى تم تجاوزه بالتجسد :
    —————————————————————
    الواقع القديم هو ذلك الممتد منذ ظهور أول خلية بشرية حية فى رحم العذراء ، الى دخول جسد يسوع فى القبر . هذا هو واقع الألم والموت .هذا هو كياننا الطبيعى ، جسدا ونفسا ، أو الجسد النفسانى .ولكن هذا الواقع - الذى استمر لعدة سنوات قليلة، بتعداد زماننا - هى عمر الرب يسوع التاريخى على الأرض - كان قد تم تجاوزه تماما من خلال الظهور المتزامن والمتلازم - مع انطلاق الحدث- للطبيعة البشرية الجديدة عديمة الفساد والتى لها الحياة الأبدية .وقد ظل الواقع الجديد مستترا خلف العتيق الى أن توارى العتيق فى القبر فتم اعلان الواقع الأبدى الجديد الذى للبشرية الكائنة فى الكلمة ، فى اتحاد أقنومى ، والصائرة رأسا لجميع المختارين من البشر ليصيروا أعضاء المسيح .
    - موت الرب يسوع لا يمكن تفهمه بدون ادراك بعده الكونى ( وهذا ما أثنيتم عليه، مشكورين فى تعليقكم الرائع ) . والبعد الكونى لموت يسوع يعنى أنه فيما مات موتنا فهو قد مات موت الكون كله ،أى العدم ؛ لأننا حينما نموت ،بحكم طبيعتنا ، وذلك بانفصال النفس عن الجسد وضياع هيئة الاثنين وانحدارهما نحو العدم ، فانه ماتزال بقايا الأجساد فى الكون وبتحللها تدور العناصر ثانية فى الكون فى صور أخرى . تمام صورة الموت هو العدم الذى يحدث فى لحظة نهاية الكون بانحلال العناصر ، الأمر الذى تحدث عنه الرسول بطرس فى رسالته ، اذ قال :”( سيأتى كلص فى الليل ، يوم الرب ، الذى فيه تزول السماوات بضحيح ، وتنحل العناصر محترقة ، وتحترق الأرض والمصنوعات التى فيها .”( 2بط 3 :10).
    الرب يسوع التاريخى مات هذا الموت . مات موت الكون كله ، وبذلك هو لم يمت موتنا فقط بل قد أتم موتنا وأتم موت الكون ، وحينما أغلق على عتيقه بالحجر ، داخل القبر ، تهاوت الطبيعة المادية العتيقة التى لذلك الحجاب ، وانحلت جميع عناصرها وصار ظاهر شخص الرب يسوع - المادى ( اللحم والدم )- عدما ، لتتكشف حقيقة الجديد المستور ، ذلك الكيان الروحانى ، الذى للانسانية الجديدة الكائنة فى اتحاد شخصى مع الكلمة منذ أول لجظة للتجسد .
    واذا أردنا أن نرى - بالنعمة -منظورا أوسع لهذه القضية ، فاننا يجب أن ندرك أن مفهوم البعد الكونى لموت الرب يسوع هو جزء من سياق أوسع وأرحب هو مفهوم ” البعد الكونى للتجسد ” .تجسيد الأمر هو اعادة اكتشاف حضوره فى الاخر . الكون لم يكن يوما الا تجسيدا لحضور الكلمة ، وهذا هو عمق مفهوم النعمة . حضور الكلمة فى الكون - أى نعمة الخلق واستمرار الخليقة - هو حضور نسبى ، كمى ، موقوت ، رجعى ( reversible)، وبارادته وحده ، فى الزمن المحدد سوف ينهى الكلمة حضوره فى الكون فيتلاشى عائدا الى العدم . ولكن ماذا لو أن الكلمة قد حضر بكل ملء لاهوته - حضورا مطلقا - فى انسان ينتمى الى هذا الكون واتحد به أقنوميا ، متجسدا فيه - جاعلا منه رأس الانسانية الجديدة عديمة الموت - فماذا يعنى موته ، فى هذا السياق ؟ ألا يعنى ذلك أن الكلمة المتجسد - وفيما أراد أن يظهر الخليقة الجديدة ، التى ظهرت بفضل حضوره الأبدى فيها ( irreversible)، فانه أنهى حضوره فى ظاهر شخصه ، العتيق - كما سوف ينهى حضوره فى الكون - فصار عدما ؟ أليس هذا هو الموت ، كغياب لحضور الكلمة ؟ .
    - فى جديد يسوع - المتحد أقنوميا ، الى الأبد ، مع الكلمة - قد تم تجاوز واقع الحضور الزمنى للكلمة فى عتيق يسوع . وهو حينما خلع ذلك العتيق - فى القبر - مسلما اياه لمصيره الذى هو مصير الكون ، أى العدم - كان قد كشف عن كيانه الجديد ، الذى صار غطاء ورداء للكل ؛ لأن كل الذين اعتمدوا للمسيح قد لبسوا المسيح .( غل3 :27).
    - مفهوم البعد الكونى لموت الرب يسوع - والذى يأتى فى سياق البعد الكونى للتجسد - يعنى أن الرب يسوع ، حينما مات ، فقد مات موت الكون ، كله ، أى الفناء والعدم . وحينما أظهر قيامة جسده الخاص فقد كان ذلك اظهارا لبداية الكون الجديد ، الذى يتكمل الان بتكميل وامتلاء جسد المسيح ؛ فالكون الجديد ما هو الا الكنيسة :” السماء الجديدة والأرض الجديدة ، المدينة المقدسة أورشليم الجديدة النازلة من عند الله …مسكن الله مع الناس .”(رؤ21 : 1-3 )
    4- طبيعة العلاقة بين الجديد والعتيق :
    ______________________
    من خلال تعمق الاصحاح الخامس عشر من رسالة بولس الرسول الأولى الى أهل كورنثوس ، نستطيع أن نرصد النقاط الرئيسة لهذه العلاقة :
    أولا : هى علاقة ذاتية :
    الجديد والعتيق ليسا طبيعتين أو شخصين مختلفين بل طبيعة واحدة لشخص واحد ومثلهما كعلاقة البذرة بالكيان المستزرع . البذرة هى الصورة المزمع موتها لحساب الكيان المستهدف زراعته ، الكيان الحى :” الذى تزرعه لا يحيا ان لم يمت . والذى تزرعه ، لست تزرع الجسم الذى سوف يصير ، بل حبة مجردة ، ربما من حنطة أو أحد البواقى . ولكن الله يعطيها جسما كما أراد ولكل واحد من البزور جسمه .”(1كو 15 : 36-38 ).
    ثانيا : هى علاقة تغير :
    1- جوهر التغيير : هو ظهور الطبيعة عديمة الفساد -الممجدة ، الجسم الروحانى ، صورة السماوى- عوضا عن الطبيعة الفاسدة ، الجسم الحيوانى ، صورة الترابى ، اللحم والدم .
    2- الية التغيير : هى الحدث المزدوج للحياة والموت . اذ ينشأ وجود الكيان الجديد - القائم من الموت - من العدم ، بفضل الشركة فى حياة الكلمة ، وفى ذات حدث التغير ، ينحدر العتيق نحو مصيره الطبيعى ، أى العدم . :” ان لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ، ولا يرث الفساد عدم الفساد . .. لا نرقد كلنا ، ولكننا كلنا نتغير ، .. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد ، وهذا المائت يلبس عدم موت .”( 1كو 15 : 50- 54 ).
    التغير هو عملة ذات وجهين ، الوجه الاول هو نشأة الجديد ، من العدم . والوجه الثانى هو انحدار العتيق الى العدم .
    3-التقاطع بين صورتى الجديد والعتيق :
    لدينا حالتان :- الحالة الأولى هى حالة التتابع الزمنى ، وهى حالة القديسين ، الذين فى المسيح . نبدأ الرحلة بطبيعة فاسدة ، عتيقة . يبدأ الجديد فى النشأة ، ينمو الى أن يكتمل ” لذلك لا نفشل ، بل وان كان انساننا الخارج يفنى ، فالداخل يتجدد يوما فيوما .”( 2كو 4 :16 ) .اذن الجديد يعقب العتيق زمنيا :” يزرع فى فساد ويقام فى عدم فساد . يزرع فى هوان ويقام فى مجد . يزرع فى ضعف ويقام فى قوة . يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا .” ( 1كو 15 : 42 - 44 ).
    - الحالة الثانية هى حالة التزامن والتلازم المطلق بين الظهور الكامل للجديد و ظهور العتيق ، فى شخص الرب يسوع التاريخى .
    واذا كان كيان انسانيتنا الجديد ، الذى نستهدفه ،أى الكيان الممجد ، القائم من الموت ، هو صورة السماوى - أى صورة ادم الأخير ، الروح المحيى ، الانسان الثانى الرب من السماء ( 1كو 15 :45-49 )- فعلينا أن نتبنى أحد اختيارين - لا ثالث لهما - الأول هو أن جديد يسوع أى انسانيته الممجدة - التى أظهرها فى فجر الأحد ، حينما أعلن القيامة للتاريخ - هى قائمة فى كيانه ، منذ أول لحظة للتجسد ، فى رحم العذراء. والثانى هو أن يسوع التاريخى لم يصر ربا ومسيحا الا فى فجر الأحد ، بعد أن قبر بثلاثة أيام !.
    5- طبيعة الفرق بين جديد وعتيق شخص الرب يسوع التاريخى :
    ——————————————————————————–
    -الجديد هو الحى عديم الفساد . العتيق هو طبيعتنا الأولى ، هو نحن ، جسدا ونفسا ، هو الفاسد بالطبيعة والمنحدر نحو العدم .وعندما يقال أن الرب ، بموته قد انفصلت نفسه عن جسده ، فانما يجب أن يفهم ذلك على مستوى الوجود العتيق ؛ فنفسه العتيقة قد انفصلت عن جسده العتيق (اللحم والدم) وعليه فقد تم الموت بتلاشى عنصرى الجسد النفسانى . وأما الوجه الاخر للحدث فهو أن هناك كيانا جديدا ، نفسا وجسدا ( الجسد الروحانى )، غير قابل للموت ، كائن فى اتحاد أقنومى مع الكلمة ، ومستزرع من تلك البذرة العتيقة ، منذ بداية انطلاق حدث التجسد .
    -الجديد هو التغير النوعى ،الكامل ، التام ، المنطلق من بداية الحدث ، والى الأبد ، كرأس للكنيسة . العتيق هو حدث تراكمى كمى - تغير ونمو ينطلق من بداية الحدث الى دفن القبر.
    -الجديد خفى مستتر، هو باطن الشخص . العتيق هو الحجاب الذى يستره، هو ظاهر الشخص .
    6- طبيعة العلاقة بين جديد يسوع وجديد القديسين (الذين فى المسيح ):
    ————————————————————————————————
    يختلف المدلول اللاهوتى لشخص “الرب يسوع التاريخى “- من المنظور الكمى - عن المدلول اللاهوتى لشخص “المسيح”؛ فالأخير هوشخص كاثوليكى ( جماعى )، فيه تجتمع الكنيسة الكاملة - التى هى جميع المختارين من البشر ، الصائرين أبناء للاب بالتبنى ، بالشركة فى الابن المتجسد - كجسد واحد ، رأسه هو الرب يسوع التاريخى ، ذاته .
    السؤال ، اذن هو :كيف نفهم “الاتحاد الأقنومى “، فى سياق الحديث عن المسيح ، المستوعب لكنيسته ؟ .للاجابة ، نقول :لفهم الاتحاد الأقنومى بالنسبة لشخص المسيح ، هناك مستويان : المستوى الأول هو مستوى رأس الكيان ، الرب يسوع الذى يقوم شخصه بالاتحاد الأقنومى بين انسانية الكلمة المتجسد ولاهوته ، والمستوى الثانى هو مستوى الأعضاء.كل عضو هو شخص ، وكل شخص له اتحاده الأقنومى الخاص به ، بين انسانيته الجديدة - عديمة الفساد - وحضور الكلمة المنطوق فيه - تمايزا عضويا ، ومن المستحيل وجود اتحاد أقنومى بين الأعضاء وشخص المسيح ، رأس الكيان ، وذلك لسببين رئيسيين : الأول هو أن الاتحاد الأقنومى - لأى شخص -انما هو - دائما - اتحاد “كل” بكل ، وليس اتحاد جزء بكل ، ولأن العضو ، بالنسبة للجسد الكامل ، هو جزء من كل ، فلا مجال لاتحاد أقنومى من هذا المنظور . أما السبب الثانى فهو أن الاتحاد الأقنومى ، انما هو دائما اتحاد بين عنصرين متكافئين ، ونظرا لأن العضو لا يكافئ الرأس - اذ يستمد العضو وجوده من رأس كيانه ، المسيح الرب - فلا مجال لاتحاد أقنومى ، من هذا المنظور ،أيضا .
    7- طبيعة علاقة الزمن بلحظة التجسد :
    _________________________
    كانت لحظة التجسد هى اخر لحظة - فى عمر وتاريخ الكون - من الممكن أن يطلق عليها مفهوم ” المستقبل ” . عندما صار الكلمة انسانا ، صائرا فى اتحاد أقنومى مع ما هو زمنى ، صلب الزمن فى المسيح ؛ اذ صار الزمن لحظة انية واحدة ، صار الزمن حاضرا أبديا وصار ما تبقى من عمر الكون - الذى نعتبره نحن مستقبل ، بحكم نقصنا - مجرد خادم للحاضر الأبدى ، الذى للحظة التجسد ، ياتى بكل أبناء الكنيسة المبعثرين لينضموا الى رأسهم ، الكائن فى ” الان الأبدى “.لم يعد المستقبل قاطرة تجر التاريخ خلفها . فقد المستقبل سطوته و أصبح الحاضر - فى المسيح - هو مصب الزمن ، ماضيا ومستقبلا ، وأصبحت لحظة التجسد هى الزمن الحقيقى الذى ينهار عنده أى مفهوم للزمن العتيق الذى نعرفه . “تأتى ساعة وهى الان ، حين يسمع الأموات صوت ابن الله ، والسامعون يحيون “( يو5 :25 ).
    لأننا زمنيون ، بطبيعتنا ، فنحن لا نستطيع أن ندرك الأحداث الا فى سياق التسلسل والتتابع الزمنى ، ولا يمكننا أن ندرك حقيقة أن كيان الرب قائم ، ومنتصر على الموت ، قبل حدوث الصلب والموت والدفن فى القبر ، المغلق باحكام . ولكن مفهوم الزمن والتاريخ لا يجب أن يعثرنا ، فنتخيل أن كيان الرب الممجد ، عديم الفساد - بفضل كونه جسد الكلمة- قد نشأ بطريقة مفاجئة ، فى القبر المغلق .
    اننا يجب أن نتحرر من جهالة مرثا ، التى كانت تظن أن القيامة هى حدث نهاية التاريخ . وحتى ان اعتقدنا أن القيامة هى حدث نهاية تاريخ يسوع - على الأرض - فاننا نعيد انتاج نفس جهالة مرثا . القيامة هى شخص ، وهذا هو ما قد أعلنه الرب لمرثا ، قائلا :”أنا هو القيامة “.
    الكلمة ، بتجسده قد أنشأ الزمن الأبدى فى جسده الخاص ، هكذا صارت القيامة .وهو قد صنع هذا منذ أن صار ذلك الجسد ، جسدا خاصا له ، أى منذ أن صار هناك ، تجسد .
    ان ما حدث فى فجر الأحد ، بعد ثلاثة أيام من موته ، ما هو الا اعلان للتاريخ عن حقيقة ما هو كائن بالفعل ، فى رحم العذراء ، فى يوم البشارة . القيامة هى بداية التاريخ الأبدى وليست نهاية التاريخ الزمنى ، والكلمة بتجسده قد لبس تاريخيتنا وزمنيتنا ، حتى اذا مااشتركنا فيه ، لبسنا انيته وحاضره الأبدى .

  32. ashrafishak :

    الى الاستاذ الدكتور جورج حبيب بباوى سلام المسيح ونعمته معكم جعلتنا نعشق الابائيات وحبك فى القلوب يذداد واستعير كلمات الاستاذ مجدى داود نحن من مريديك نصلى من اجل انتشار التعليم الاصيل الصحيح في الكنيسه القبطيه ونصلى من اجل ان يمتعكم الرب بالصحه والعافيه وبالمناسبه مركز دراسات الاباء انتهي من ترجمه يوحنا لكيرلس صلي من اجلي دمتم واسرتكم معافين في الثالوث القدوس

  33. mena metry :

    dear m- david
    this is a very good articl
    please i want to call u 4 important thing
    menametry@yahoo.com
    thanks

  34. C. Mark :

    نقطة همّ!
    هل سيفاجئنا د. جورج ذات يوم بدفاعه عن فكرة أبوكاتاستاسيس*؟

    لديّ تصور مزعج، تشكله خطوط عدة من منتجات د. جورج وأصدقائه، أنه يحمل داخله قناعة بهذه الفكرة ولا يجد الوقت مناسباً لإعلانها.. لا أحب أن آخذ شكل المتذاكي وأطرح معطيات وتحليلات تقفز فوق الظاهر، ولكن لا أملك ألا أطرح التخوف نفسه: هل يؤمن د. جورج بـ أبوكاتاستاسيس تلك؟ وهل سيفاجئنا يوماً بحديث عن أزمنة رد كل شئ بحسب التصور الأبوكاتاستاسيّ، مع ما يلزمه من فقرات آبائية من غريغوريوس النيصي وديديموس وأوريجين، وينزل خلف فكرته بثقله العلميّ؟
    في البداية كان حدود اختلافي مع الموقع هو التمسك بالمرجعية الآبائية الأرثوذكسية (من قِبَل الموقع) مقابل لزوم النقد الكتابي من حيث المبدأ لأعمال الآباء (من وجهة نظري - مع محبتي وتقديري وعرفاني لهم)، وأما الآن ومع ما يلوح لي من أبوكاتاستاسيس تلك فيزداد شعوري بالغربة!

    * في إيجاز غير مخل: أبوكاتاستاسيس هي التسمية الاصطلاحية لفكرة خلاص جميع البشر في نهاية الأزمنة - والنظرة الأكثر تطرفاً فيها تشمل خلاص الشيطان…

أكتب تعليقاً