يسوع

بقلم المطران جورج خضر
كانون الثاني 1992

portrait_of_christ_sall.jpgهكذا سماه صحبه، بلا نعت. لما كشف لهم سره صاروا يجيئون إليه من الأنبياء. قبل ذلك ذهبوا منه إلى الكتب. كان فيه هذا السحر الذي جعل واحدًا من أتباعه يقول لصديقه: “تعال وانظر”. كيف استطاع هذا الرجل أن يجذب إليه أجيالاً تعاقبت منذ ألفي عام في عطاء لهم بلا شرط، بلا حساب وعاملوه على أنه بدء مطلق ونهاية مطلقة فاستغنوا به عن كل شيء آخر؟ بدا في ثلاث سنين أو دونها وتفوه بكليمات أحس ناس كثيرون أنهم قادرون أن يحيوا عليها وحدها طوال أعمارهم. لكن كلماته لا تفسر الحب كله الذي تفجر في قلوب مَن كان له. كان قلبه أبعد مما قال وأسطع ضياء.

كل عظماء الحياة الروحية اختفوا وراء ما بلَّغوا. وحده الناصري لا يحتجب دون كلماته. قوتها أو مداها أو تفسيرها في شخصه. فقد قيلت أقوال قبله في تراث بلاده وما كان، هنا وثمة، إلاَّ معيداً. وإذا أحببت أن تلتقط الشرارات أو توخيت الشعر الديني فأيوب واشعيا يهزانك أكثر من الأناجيل الثلاثة الأولى. وإن رمت التصوف في ألق تعابيره، في حدة روآه العشقية فتجد عند أكابر المسيحية ما لا تعثر عليه في ما نُقل عن الجليلي. ولكن كل هذا الإرث العظيم لم يكن إلاّ صدى لما قاله هو ببساطة حتى إذا كنت قادرًا أن تغوص على الأناجيل حتى القاع لا تطلب نفسك شيئًا آخر.

ذلك أن السر يكمن في هذا أن هذه الأسفار ليس لك أن تلجها إلاَّ من بابها والمسيح بابها. الحب هنا هو الفهم. هو الذي يوصلك إلى بلورية الرؤية. لذلك كما قال احدهم عنه: “لم يتكلم أحد مثل هذا الإنسان”. لم يقصد بذلك بلاغةً ما كان الناصري يملكها، ولكنه أراد “إنه كان يعلمهم كمن له سلطان”. كيف أشعرهم هذا لو كان ثمة هوة بين ما كانه وما كان يقوله، لو بدا لهم مباينة بين تعليمه وأخلاقه. إن ما يحس به أي داعية ديني إذا دعا انه موعوظ بين الموعوظين، إن كلمته تجلده قبل أن تلوم الآخرين. يسوع وحده جرؤ على القول: “مَن منكم يعيب عليّ خطيئة؟”. وبسبب من هذا الوعي استطاع أن يجهر بأني: “أنا هو الطريق والحق والحياة”. هذا لم يكن مناقضًا فيه لرؤية نفسه “وديعًا متواضع القلب”.

نفسٌ ما كان فيها أثر لنتؤ أو لتلك العدوانية التي كثيرًا ما ترافقنا إن بسطنا دعوة حق. نفسٌ لاتضاعها أمام الله تغسل أرجل التلاميذ وتحتضن العشارين والبغايا في توبتهم وتكسر بذا كل الحواجز التي أقامها بين الناس إسرائيل في طهريته.

ذلك أن يسوع عشير كل الأذلة. صدَّاعٌ فقط لمن استكبر. يعنفهم: “الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون، فإنكم تقفلون ملكوت السموات في وجوه الناس… ويل لكم أيها القادة العميان، يا أيها الذين يصفّون الماء من البعوضة ويبتلعون الجمل… ويل لكم فإنكم أشبه بالقبور المكلسة… أيها الحيات أولاد الأفاعي، كيف لكم أن تهربوا من عقاب جهنم؟”.

هذه الشدة إزاء المنتفخين، وهذا اللين بالمهمَلين وجهان لعملة واحدة . كذا عنده الرفعة بسبب من الحقيقة فيه والتنازل إلى مَن ألقي على دركات الأرض. هذا الوجه الناظر إلى الآب في حرارة الصلاة والملتفت أبدًا إلى الناس بحنو، هذه الفضائل المتضادة أقامته على توازن في الشخصية وهدأة سلام داخلي جعلاه أمام لا نهائية الله وآفاق الإنسانية بحيث أنه كان دائمًا يذهب إليها مفتقدًا شافيًا يتغذى من إلفة الآب ليسكب نفسه في قلوب مَن أحب. ودعم هذا شعوره بأن “الناس جميعًا أخوة وان لهم أبًا واحدًا هو الآب السماوي”. يبدو مرافقًا إياهم في طريق تقودهم إلى هذه الضيعة أو تلك ولكنها كانت طريقًا لا تنتهي. كيف استطاع هذا الرجل أن يقول، بأمثال، كل الحقيقة المكنونة في جوهر الآب والنازلة على الناس ضماد جراح كأن الحقيقة التحام السماء والأرض، كأن حضرة الله لا يرقى إليها المرء رقياً ولكنها تهبط إليه فحوى لحياته فتنبسط هذه الأرض عرشًا للإله. وهذا كله يقال بكلمات لا زخرف فيها ولا صناعة.

ذلك لأن المسيح لا يرى للناس نجاة إلاَّ إذا أقاموا في الحقيقة. والحقيقة عنده تتم لك إن دخلت في ملكوت الله أو دخل هو إليك، أي إذا كان وجهك إليه وقبلت وجهه إليك. عند يسوع الناصري هذا كل الوجود. ولهذا كان يقوّم تلاميذه باستمرار على غير طريق الفلاسفة إذ لم يكن للعقل عنده كيان مستقل عن القلب، وما كانت دعوة القلب أن يكون مجال التأثر وحسب. أجل يستنير الفكر بالكلمة، ولكن الكلمة لا تفعل ما لم تكن محبوبة. القلب مكان الشهوة المؤذية حتى تنزل فيه الكلمة فيشتاقها. مسيرة صاعدة ونازلة بين القلب والعقل. ذلك عنده ينبوع التجليات. شعر إذا شئت صاح محتشم. إنه شعر الله في عمق الكيان يقال. يصدر عن صفاء التوبة. ولهذا لا يخاطبك المسيح إلا من نور فيه ابتغاء توبة فيك تجعلك وحدها مخاطبًا الآب.

صفة الله الأولى أن يكون أبًا. أن يكون الله هذا وأن نكون له بنين وبنات شيء اتخذه المعلم من العهد القديم ولكنه أعطاه امتدادًا وزخمًا ما كان للإنسانية قبله عهد بهما. لم يبقَ إلهه هذا الذي يخاطبنا من النار والزلزال. فقد قتل المسيح إله الحرب. أي قائد فذ قادر على البطولات. أن يكون الله أبًا يلدنا إذا انسكب فينا ويجعلنا قادرين عليه بالحب، هذا هو الفتح الحق.

أبوة الله أنشأتنا عائلة الله يرتفع فيها مَن جعله القانون عبدًا إلى مرتبة السيد، عائلة ينظر فيها إلى المرأة من حيث علاقتها بالله لا من حيث علاقتها بالرجل ولا يقال لإنسان بربريًا لأنه ليس بيوناني ولا للغريب أمميًا لكونه ليس بيهودي. المرأة تمسي كائنًا قائمًا بنفسه تزوجت أم لم تتزوج. لقد بطل العنس في المسيح ذلك أن النساء اتبعن السيد بلا رفقة أزواجهن. والسامرية الزانية يكلمها المعلم عند بئر يعقوب بخلاف القواعد التي وضعها علماء الشريعة. لقد اخرج يسوع المرأة من نطاق الجنس إلى لا نهائية الرؤية الإلهية بعد أن كانت جسدًا محضًا في كل الحضارات، وهو الذي يذهب بها إلى كرامة الكيان الإنساني غير المذيل كلما صبا الشعر إليها فقط موضع غزل أو أنها موطن السر الذي لا يُكتنه. وقد رفع المسيح الجنس إلى جعله في امرأة واحدة عرشًا للإله. ووضع في البغايا قدرة الرجوع إليه لما رفض أن تقتلهن الشريعة. “مَن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجرٍ” حتى قال أتباعه إن البغي تستعيد عذريتها بالتوبة.
وجاءت العبادات تقول إن المسيح “خرج من القبر كالبازغ من الخدر” أي أنها رأته عريسًا للجماعة التي تحبه، بذا أطلق هذا البتول العشق في الكون. أن يتخذ الإنسان لنفسه حبيبة واحدة يذهب في حبه لها حتى الموت، أن يصير الحب البشري تبتلاً وارتفاعًا في الوحدانية، هذا جاء تاريخيًا من خارج نطاق العشق من المحبة التي كشف المسيح سرها على الصليب. هذه المحبة التي لا علاقة لها بالجسد جعلت كل مؤمن يقول: “إن المسيح أحبني وأسلم نفسه عني”. وأشرق ذلك على العلاقة بين الرجل والمرأة بحيث أمكنها أن تقول بعد أن ذاق الناصري الموت: حبيبي يحبني وحدي ويجعلني بذا كائنًا مطلقًا، أي خليقة جديدة ينتهي عندها الكون ويدرَك بها الكون.

وما عاش المسيح ذلك إلاّ لإيمانه بأن “الله محبة” أي أنه ليس ذلك الكائن الأسمى الذي نعبد إلا لكونه في ذاته حركة حب. وهنا قتل المسيح الإله المستعلي، القابع في سموات لا يدنى منها والمتصدق علينا بشرائع. قتل المسيح إله اللغة وبتنا لا يهمنا في الإلهيات مقولات الفلاسفة، ولا تهمنا صفات لله أُعطيناها من اجل التربية ولكن يهمنا منه اسمه الواحد الذي هو المحبة.

وكان لنا أن نتفلسف في صفات الإله، نتسابق في معرفته لنعليه ولا نبلغه، ونعطي لأنفسنا عذر ضعفاتنا، حتى مات إنسان قال لنا بموته، هذه لعبة الله إنه أرسل إلى البشرية مَن يموت عنها لأنه كان لا يعي أنه يملك شيئًا. على صورة المسيح عرفنا الله فقيرًا كل عظمته أنه مبذولٌ، فعلمنا بذلك إننا غدونا قادرين على مجانية كاملة قادرة أن تنشئ لله لا لنا أحبةً. لم يبق لله مضمون ولا نكهة إلاَّ إذا كان على صورة المسيح.

أنا ماذا يعنيني الإله؟ هل أؤمن به لأنه منشئ الكون إرضاءً لعقلي الذي يتخذ الخليقة دليلاً على الخالق؟ أنا، واقعيًا، لا تهمني الأدلة البينات. الدنيا لما تفشت من بعد التفجر الكوني رأيتها آية قائمة في الزمان. أيعني ذلك أن هناك مبدعًا قبل الزمان وله؟ أفهم معقولية هذا العالم وأهم ما فيه معقولية الأجسام المطروحة بين عالم النبات وعالم الإنسان. ولكن فرضية الله خالقًا أو ممدودًا في هذا الكون لا توحي إلي بشيء، ذلك أن البحر لا يحركني والسماء لا تحركني وكذلك ما بينهما. عندك هنا إنسان لا يتحسس لهذه المادة المرمية. إله الفلسفة لا يهمني والفلسفة كلها لا تعنيني. بعض منها أداتي ولكني لست منها أو لست فيها. ولذلك لا يخاطبني إلهها.
أنا لا أجيء من الله. أجيء من يسوع الذي يُقال له المسيح. هذا الذي تحلَّق حوله في العشاء السري تلاميذه قال لهم: “إن أحدكم سوف يسلمني. تبادل التلاميذ النظرات لا يدرون مَن يعني. وكان احد تلاميذ يسوع، وأحبهم إليه، فاتكأ التلميذ على صدر يسوع وسأله: مَن هو يا رب؟”
مَن عرف فلسفة الساميين يفهم هذا: أن الحضن مقر الحب، وأن الصدر أو القلب مقر الفهم. التلميذ الحبيب اتكأ في حضن المعلم ثم اتكأ على صدره. القراءة السطحية للنص تقول إنه ارتفع ليطرح على المعلم سؤالاً. مَن يعرف انجيل يوحنا راوي هذه الرواية يذهب إلى الأعمق فيقول إن الحضن يقود إلى الصدر أو إن الحب أساس الفهم إن لم نقل مع بقية الأدب اليوحنائي إنه كل الفهم. إن أنت عاشرت المسيح معاشرة يوحنا له فهو يكشف لك الله لأنه يقول إن الله أبوه. الأعمى والفيلسوف أو المتفلسف منهجيًا أو العقلاني العابد عقله بحاجة إلى دليل. لهذا يذهبون من الكون إلى الله وقد يصلون إلى المسيح. وما يفترضونه أن حسية الكون نصيب كل الناس، واليوم نعرف بعد تذري الذرة أن هذا كلام غير علمي. كل هذه الأدلة الكونية لا يتحرك لها عقلي. أنا استغني عن الله كليًا برهانًا على تكوين الدنيا. أنا اسكن مملكة الحب. وضعني فيها الناصري وهي أعظم من الكون وأقوى من الموت وأعمق وأبهى واسطع ضياء واشد فاعلية من كل الدنى. والحب كونًا هو المسيح. هذا قال لي إن الله أبوه. فبعد أن تعريت من الدنى وأعرضت عن رؤية لعبة الله فيها واستغنيت عن عَدْوه في جنة عدن وزهدت بالجنات ورأيت المحبة وحدها الدنيا وفهمت أن الله الذي ارتضيه هو هذا الذي يحبه يسوع ويتحدث عنه كلمات ومسالك وموتاً أدركت إني أجيء فقط من هنا وأن ما نقوله عن المسيح قولاً أو شرحًا أو ديانة أو تاريخ فكر إن هو إلا من باب شرح العاشق الذي لا يعطي عن عشقه إلا تفاهة التعبير.

وإن رأيت إلى ابن الإنسان يصير أمامك قامة من نور. ليس فقط لأنه “أتى بأمور كثيرة، لو فُصلت، وفي كتب دُونت، لما اتسع العالم نفسه، في ظني، وحواها”. ولكن تأتي ساعة وقد أتت لكثيرين حيث السكر به هو الكلمة الأخيرة.

أكتب تعليقاً