الكنيسة في أحوالها

بقلم: المطران جورج خضر

الكنيسة كما الكتاب يصفها شيء يجيء من المسيح، وهي في أحوالها مجتمع بشري له هشاشة المؤسسات كلها. فأنت فيها تنال ما يهبط عليها من جمال ومن جلال وحق، وفيها تعاني خطاياك والظلم الذي يحل بأبنائها الخُلَّص. إنها مكان التعاسة التي تجعلك في تقيؤ متواتر. تلك هي المفارقة أن الكنيسة موطن البهاء وقداسات مذهلة من جهة، والقهر والتفاهة البشرية من جهة أخرى. ويحق لمؤرخ اسودت الدنيا في عينيه أن يرى فيها الشقاء سائداً، وما كانت تخلو منه في حقبة منذ أن كان المعلم معنا مروراً بكنيسة الرسل الأوائل. فالواقع أن الطُّهرَ نادرٌ يذكره الطاهرون وهو على تلك الكثافة التي تجعلك توقن أن الكنيسة جسد المسيح. فإذا رأيت إلى الشهادة وإلى توالي الأبرار والجهد الموصول في النسك وجدية المؤمنين المنتشرين في الدنيا لقلت إن هذا كله ليس من بشر. وإذا عرفت الدأب والكد والقلوب التي تخشع في ركيعات الليل وما يرافق ذلك من تطويع الطبيعة لقلت إنَّ هؤلاء آلهة إنْ لم يكونوا مجانين.

من تابع القديسين سيرةً سيرة، أو انكشفت له فضائل القوم العاديين، لما تردد من الجهر بأن الله في وسط هؤلاء وبأنهم منائره أو مرتكزاته في هذا العالم. وهذا أقوى من مجرد “الآدمية” والاستقامة. هذه أعماق لا يسبر غورها إلاَّ من قدر على الرؤية لتشف أمام بصيرته النفوس. الكنيسة جسد المسيح ما في ذلك ريب. الذين زهدوا بكل عشق، بهوى المال والسلطة واحتقروا الأمجاد وغدت أجسامهم نحيلة لا أثر فيها لاستلذاذ الطيبات، وأولئك الذين يتوارون حتى لا يعلق بقلوبهم أثر من الافتخار، والذين يغفرون على الدوام وتبلغ فيهم السماحة ألاَّ يعرفوا شيئا من الحقد أو التذمر، الذين يفرحون في الملمّات ويعبرون أوجاع الجسد والنفس بذلك الصبر الذي هو ارتماء في حضن الله، هؤلاء يدلونك على أن الله في وسط الكنيسة إلى الأبد.

وإذا رأيت أنهم أصحاب عافية سيكولوجية وذوو عقول حصيفة وألسنة عفيفة لا بد لك أن تقول إن هذه المسيحية التي يدينون بها ليست شيئاً عادياً؛ لأنها عند أكابرها أرض التعزيات البكر وموضع عطاء تلطف القلوب به في وسط وجود ممرمر. فتُشفى، إذ ذاك، من تعبك وتواصل المسيرة أو ما أمكنك منها وأنت ترجو أن تدرك بعد أن أدرك سواك. وهذا ليس حلماً ولا أمنية. أنت في الراهن الروحي الذي يقيمك من الهزالة ويتحدى السقوط.

وقمة الدهش إذا رأيت إلى ذلك أن هؤلاء القوم يقولون إنهم لا شيء ويقفون أمام ربهم “في خوف ورعدة” ويشعرون إذا استشرفوا الموت أنهم لم يصلوا بعد إلى التوبة. أنا لا أفسرهم تفسيرا. هذا لسان حالهم وتحس إذا دعوك أنك قادر أن تسمع إلى الدعوة وأن الطاقات الإلهية يمكن أن تتفجر فيك. وإذا اقتنعت بقدرتك على التحول تشرع بالكد وتنتقل من بر إلى بر وتغوص على الأنوار ويصير الضياء الإلهي ضياء فيك. الكنيسة جسد المسيح حقاً.

***

وكانت الكنيسة الأولى تحس نفسها ملكوت الله أو كالملكوت، عتبة إليه يقول اللاهوت الحديث. ولذلك فرضت رياضات كبيرة لمن أراد الدخول إليها. يتتلمذ فيها المريد على الشيوخ ويقتبس نورهم الساطع ولا يتعلم منهم أقوالاً وأحاديث وحسب. ويأتيك الإرشاد الدقيق والحب الذي يرافقه فتتهيأ نفسك للمعمودية المطهِّرة حتى إذا نلتها تلبس المسيح. وكان بعضٌ منهم، خشيةً من سقوط، لا يعمِّدون أطفالهم. “صبغة الله” من ينالها إلاَّ الأوفياء للعهد، الملتزمون الطهارة الكاملة عملاً بقول الكتاب: “وقد اعتمدنا جميعا في يسوع المسيح، إنما اعتمدنا في موته فدُفنا معه بالمعمودية لنحيا نحن أيضاً حياة جديدة” (رومية 6: 3، 4)؟

ثم كانت الكنيسة تقصي عن عضويتها مَن يرتكب المعاصي الجسام، فيحرم الزاني والقاتل والذي وقع في الوثنية من بعد اهتداء، وما كان يُقبَل في الكنيسة إلاَّ التائبون عن هذه الكبائر ليبقى للكنيسة نقاؤها. ولكن فَتَرَت المحبة فيما بعد وتراكم في الكنيسة المزاول لخطيئته والراجع عنها. جماهير من الذين يؤمنون بعمق والذين لا يؤمنون. كل هؤلاء اعتُبروا مسيحيين بالكرامة نفسها. وبعد أن كان الإبسال أو الحرم نظاماً يفرق الملتزم عن غير الملتزم، ألغي فعليا هذا النظام. وباتت الكنيسة بعثرة من الناس لا يجمع بينهم ولاء. فكل من ولدتهم أمهاتهم على المسيحية هم فيها اليوم لا فاصل بين أهل الحق وبين الخوارج. هل ظلّت الكنيسة مع هذه الجمهرة جسد المسيح؟ عند ذاك قيل - تعزية للناس - هناك كنيسة منظورة وكنيسة غير منظورة. المهتدون قلة مترامية في كثرة تأبى أن تهتدي. “الكنيسة جسد المسيح” لم تبقَ واقعاً. صارت تأملاً نظرياً وأضحى الفتور يرافق الحماسة في مجتمع واحد، والمشهد تعس جدا. وقد شملت التعاسة القيادة الروحية نفسها بعد أن قالت الكتب إن من كان من التائبين يصبح شماساً، ومن استنار قساً، ومن بلغ التأله أسقفاً. فإذا بنا نشهد أن الكهنة كثيرا ما كانوا من الأميين ولا تدريب لهم حقيقيا مع أنهم أصلاً “خدام للكلمة”، فلا هم يدرسونها ولا أحد يبالي بتدريسهم، فما كان الكاهن يتناول إلاَّ بعض العلم لأداء العبادات وذلك بتمرسه على كاهن ممارس. وكانت تلك هي الحال في الشرق والغرب. البروتستانتية وحدها التي نشأت في القرن السادس عشر أخذت تُنشئ مدارس لاهوت، وسارت على هذا النهج الكنيسة الكاثوليكية، ومن بعد هذا بقرن افتتحت مدارس اللاهوت في روسيا، وفي القرن التاسع عشر في بقية العالم الأرثوذكسي ومنذ عشرين سنة فقط في لبنان. الرعية وخادمها تساويا في الجهل خلال ستة عشر قرنا في الدنيا المسيحية! وهكذا أعرضنا عن المعرفة وأضحت المسيحية بلا مفسر يلازم المؤمنين ما خلا بعض العلماء الذين كانوا يبلغون المقام الأسقفي. وقد لاحظ مجمع ترولو في أواخر القرن السابع أن ثمة أساقفة غير قادرين على الوعظ فنبههم إلى ضرورة الاستعانة بمن يعظ.

وهذه ليست التعاسة كلها، فنشأ بيننا في صفوف القيادة مَن كان غير حساس لضرورة ربط كل شيء باللاهوت. وطغت المعالجة البراغماتية على كثير من المسالك وكثير من القرارات ولم يبق الهاجس أن يأتي قرار نتيجة الرؤية اللاهوتية؛ لأن اللاهوت غيبي والرعاية تقتضي بنظر هؤلاء ملازمة الواقع وتدبير شؤون الناس، كما الناس هم لا كما يطلب إليهم أن يكونوا. وتحولت الرعاية إلى سياسة والمجتمع الكنسي واحد من المجتمعات، الله ليس مرجعه. مجتمع على صورة أهل الدنيا وما يحبونه من نفوذ ومنافع.

أمام هذا المشهد كان ارمياء يتساءل: “كيف اكدرَّ الذهب الناضر”؟

تسألي أنا: هل كان هذا ذهباً في البدء، أم كان نحاساً وشُبِّه لصاحبه ذهباً، وما بانت هزالة الراعي إلاَّ بعد فوات الأوان؟

كيف يبدو شابٌ لنفسه وللآخرين في مطلع عمره رسولاً، ثم يبدو كعامة الناس متشهياً للمال والسلطة يحارب بهما الموت؟ أأخطأ العنوان وقد ركب مركب الحماسة واندفع في سبيل تطهير العالم وأن يجعل الله مهيمنا عليه؟ أأمام شبح الموت أراد أن يؤكد نفسه بسلطانه على المال أو سلطانه على الآخرين فيقهر من يقهر بواقعية السياسة ويعتبر كل ذلك آيلا إلى مجد الله؟

وتختلط الشهوة بالمقاصد الإلهية في الإنسان ويحسب نفسه وكيلاً لله، ولكن باتت فعلاً رغائبه تقوده. ولكنه ذو سلطان ويصوِّر لك إذا لم تطعه أنك تعصى الله. ثم يأتي المفسرون المتزلفون ويضعون له لاهوت المقام الذي هو فيه أو يضعه لنفسه ليتحكم باسم الله، وما كان إلا حاكماً باسم بشرةٍ فيه ترابية هشة كالخزف. وينكسر الخزف في أعين الإلهيين، ولكن يقول لك لاهوت الكتب إن رفضك للمقام رفض لله. وتجتر الأكذوبة نفسها والإلهيون مقهورون أو كذا يبدون. وليست الأزمنة لهم لأن الملكوت لم يأت بعد ولكن يجب أن تلعب اللعبة.

وعلى ذلك كله فالمسيح ماشٍ على المياه المتموجة، وهو وحده مُنقذك من العاصفة. وأنت لك الشهادة، وأن تكون مع البسطاء الذين لا نفوذ لكلمتهم في الأرض ومع المسحوقين الذين يرثون وحدهم الملكوت، وحسبك في دنياك كليمات تتساقط من الإنجيل ومحبة تتابعها لأن المعلم هكذا أمر. هذه خلوتك مع السيد ومن حولك خيبات وأنت في خيبة من نفسك وقد شاخت ولم تطهر. وتبقى الكنيسة جسد المسيح.

 السبت – النهار - 29 آب 1992

أكتب تعليقاً