الفائدة، الربا، والرأسمالية

الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، مطران نافباكتوس
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

تأليه المال والسعي وراء اللذة والعيش السهل هي الأمور السائدة في زمننا. إن استعمال المال واستغلاله تطوّرا في الدوائر البروتستانتية، ضمن أخلاقيةٍ افترضت أن المال هو بركة من الله وأن الأغنياء هم مبارَكوه. لقد فصّل ماكس وابر هذا الموضوع في أثره الأدبي المعروف "الأخلاقية البروتستانتية وروح الرأسمالية"، حيث اعتبر أنّ الرأسمالية، أي الاستعمال المعقلَن للمال والحياة، هي نتاج كل المبادئ التي طوّرتها المجموعات البروتستانتية المختلفة في أوروبا.

يستشهد وابر، بشكل خاص يتعلّق بقيمة المال، بالتوجيهات التي أعطاها بنيامين فرانكلين في كتابيه "إلماحات ضرورية للذين يرغبون في أن يكونوا أغنياء"، و"إرشاد لتاجر شاب…". في هذين الكتابين، ينصح فرانكلين: "تذكّر أن الوقت هو المال… تذكّر أنّ الدَين هو المال… تذكّر أن طبيعة المال خصيبة منتِجة. يمكن للمال أن يلِد المال، ويمكن لأبنائه أن يولّدوا أكثر، وهكذا دواليك… تذكّر هذا القول: صرّاف الرواتب هو سيّد كيس دراهم الآخرين. مَن هو معروف بأنّه يدفع على نحو دقيق وصحيح في الوقت الذي وعد به، يمكنه في أي وقت وفي أي مناسبة أن يجمع كل المال الذي يوفره أصدقاؤه…"

هذا هو المبدأ الأساسي في السوق المالية التي تعاني من أزمة في هذه الأيام.

يرى ماكس وابر أن الإنسان محكوم بعطشه لاكتساب المال، اكتساب يُنظَر إليه كهدف للحياة. في سؤاله عن سبب وجوب أن يجمع الناس المال، يعلّق وابر على النصيحة المعطاة لبنيامين فرانكلين من والده الكالفيني الصارم حيث يشير إلى كتاب الأمثال "أَرَأَيْتَ رَجُلاً مُجْتَهِدًا فِي عَمَلِهِ؟ أَمَامَ الْمُلُوكِ يَقِفُ. لاَ يَقِفُ أَمَامَ الرَّعَاعِ!" (أمثال 29:22). بحسب وابر، "كسب المال ضمن النظام المالي الحالي، في حال كان شرعياً، هو نتيجة الفضيلة وتعبير عنها وعن التقدّم المهني، وهذان الفضيلة والتقدم هما، كما يُظَنّ بسهولة، الألف والياء لأخلاقية فرانكلين".

واضح أنّ عقلية الإنسان المعاصر هذه رأسمالية. إنّها تُلاحَظ في الغرب وقد أثّرت في كثيرين، في كل المسكونة. هذا ما لاحظه اللاهوتيون المعاصرون من الذين حلّلوا تعاليم آباء الكنيسة حول هذه القضايا.

السيدة برندا إهسن، أستاذة في جامعة تاكوما اللوثرية، كتبت مقالين حلّلت فيهما هذه القضية. عنوان المقالة الأولى "الربا والباترولوجيا الهلينية ومجمل التعليم الاجتماعي"، فيها قاربت مواضيع مثل: "ماذا يقول الكتّاب الآبائيون عن الأخلاقية الاجتماعية؟"، "مَن هم المرابون؟"، "ما هي الأسئلة المهمة التي ينبغي طرحها حتى يدركها الباحث عند مقاربته نصاً آبائياً اجتماعياً أخلاقياً؟"، "في ظلّ أي متطلبات وإلى أي نقطة يمكن اعتبار المراجع الآبائية مساهِمة في التعليم الاجتماعي بشكل عام؟" ضمن هذه الفصول المركزية يمكننا أن نجد تفرّعات كثيرة، مثل: "تحريم الربا في الإنجيل"، "المرابي كخطر على الجماعة (خبيث، وحش، كاذب، وحتّى قاتل)"، "الفقر الروحي عند المرابي"، "المرابون كأعضاء في الجماعة"، "إمكانية وجود استثناءات للإستدانة". إلى هذا، تجيب على أسئلة أساسية ثلاثة: "هل لنصوص الآباء الهلينيين أي تأثير على الواقع؟"، "هل الآباء مهتمون بأن يكون لنصوصهم أي تأثير؟"، "هل وجود الشؤون الهلينية - الرومانية لا يقبل الجدل؟"

عنوان مقالتها الثانية "عظات باسيليوس وغريغوريوس حول الربا: الدَين حيث يجب الدَين". في هذه المقالة تعالج حوافزهما للاهتمام بموضوع الربا، والتأثيرات التي تعرضوا لها من الفلاسفة؛ استعمال الإنجيل في ما يتعلّق بطلب الفائدة أو بالربا كشكل من أشكال السرقة أو بالاضطراب الذي يسببه الربا؛ الصور المستعمَلة لوصف المرابي، وللفائدة السماوية.

عند هذه النقطة، أريد أن أقدّم مقدمة برندا إهسن وخاتمة دراستها الأولى، ومقطعاً أساسياً من الفكرة الرئيسية عندها. أرى ذلك شيئاً مفيداً لكونها وُلدَت وتربّت وتعلِّم في جامعة في أميركا حيث استغلال المال هو علم بحدّ ذاته. تكتب في المقدّمة:

"إنه لأمر محقق لا يمكن إنكاره بأن مناقشة النتائج الأخلاقية للفائدة والربا لم تعد تثير اهتمام المواطن العادي. فالفائدة لم تعد ينظَر إليها كمشكلة بل كعنصر طبيعي في الحياة. نحن سعداء بدفع 4% طالما يمكننا شراء وسائد العطلة التي يشدد الأخصائي على أننا بحاجة إليها". للأسف، ملايين من الناس على الأرض يعانون على يدي الآخرين الذين يسعدون بتركهم في فقرهم، عن طريق الفائدة المركّبة الباهظة المضنية.

يفكّر الطلاّب في صفي: أين المشكلة إذا استدان الإنسان المال وردّه مع فائدة، إذا كان راشداً ومدركاً لما يفعل. أنا مقتنعة أن المشكلة تكمن في حقيقة أن القرن الحادي والعشرين يحمل بشكل فاحش الفقر والجوع والتشرّد والموت للمدينين وعائلاتهم. الأمر الأبعد هو العبودية للمرابي الذي يمنع المدين عن رؤية الله بأعماله.

في الماضي، كان تقاضي الفائدة على الدين مُداناً في المجتمع اليهودي، بينما كان يُحسَب جزءاً طبيعياً من المعاملات في النظام الهليني والروماني، على الرغم من عدم قبوله بشكل كامل في الأول. وهكذا، مع أن أفلاطون أدانه معتبراً إياه أمراً "سوقياً"، كان يُنظَر إلى الفائدة كتعويض عادل عن الوقت والخطر اللذين يتكبدهما الدائن. فطالما أن الدائن لا يستطيع أن يستعمل المال الذي يقرضه، فالفائدة هي شكل من "الامتنان" عن الوقت لإعادته. كان "الخطر" يعني أن الدائن قد لا يرى ماله مجدداً وبالتالي بقدر ما يزداد الخطر تزداد الفائدة المركّبة. مع ذلك، لم يكن للوقت والخطر قيمة عند الآباء الهلينيين. كل الضمانات كانت تُعتَبَر غشاً، وكل نسبة فوق الأساس المدين كانت تشكل ربَاً. حتى اشتهاء واحد في المئة من الربح كان يعرّض خلاص الإنسان للخطر".

تشير عند نقطة ما من نصّها إلى تأثير تعليم آباء الكنيسة ضد الربا على الواقع، فتكتب:

"المقاطع التي تظهِر أنّ لاهوتيينا يخاطبون معارفاً في جماعتهم تقودنا إلى الاستنتاج بأنّهم يشيرون إلى مشكلة مرتبطة بالواقع المحيط بهم. في ما يتعلّق بعصرنا، عليّ الاعتراف بأن تأثيرهم على الواقع مستمر للسبب التالي: دائماً وفي كل جماعة أشخاص مستعدون للاستفادة على حساب غيرهم. بالتالي، أرى أن بإمكاننا أن نتعلّم ما أراد هؤلاء الكتّاب قوله عن نتائج الطمع ضمن الجماعة. تتضمّن هذه الكتابات أيضاً تأملاً في مثال اللاهوتيين النسكي حيث الأهمية الأساسية للنص هي في استنتاج المعنى الأخلاقي لتطبيقه. ختاماً، كل هؤلاء اللاهوتيين آمنوا بأنّ المال، سواء امتلكه المرء أم لا، وسواء أدانه المرء أو لا، يشكّل عائقاً أمام العلاقة الفاعلة مع الله".

أما في الخاتمة فكتبَت:

"فضيلة العطاء هي مسلك مستمر لا يبلغ الكمال أبداً. بحسب لاهوتيينا، مَن يعطي بدل الإدانة يبعِد العوائق التي أوجدتها الخطيئة؛ العوائق التي لا تسمح للناس بأن يقيم الناس علاقات مفيدة وقابلة للحفظ مع بعضهم. المحبة الحقيقية تشتهي أن تقتسم كلّ ما تملك، بينما الطمع الحقيقي يشتهي كل شيء لمصلحته. الربا يمثّل بالضبط ضدّ المحبة، مع واجهة ظاهرها خيّر. المسيحي المهتمّ بذاته يمكن أن يؤكّد حقّه بالإدانة مع فائدة، حتى ولو كانت مركّبة ومرتفعة جداً، أولاً لأنها قانونية، وثانياً لأن المسيحي متحرر من الناموس. هذا هو نفس المنطق الذي واجهه الرسول بولس في كورنثوس حيث كان جوابه "كل شيء يحلّ لي وليس كل شيء يناسب".

للتلخيص، نظر الآباء الهللينيون إلى الربا كأمر غير أخلاقي، لا يمكن تبريره ولا ينفع. يدافع الكتّاب المعاصرون عن أنّ موضوع الربا قد مات في زماننا، على اعتبار أن كل الناس يدينون ويستدينون مع فائدة، من دون أن يفكروا بالأمر. أرجو أن يكونوا مخطئين. الفقر منتشر عالمياً حتى أنّ موضوع الربا يكتسب معنى لدى كل الذين يدرسون الكوارث المالية الحالية الناتجة عن ممارسات الإقراض غير العادلة. لقد أخضعت الرأسمالية صحةَ الإنسان وكرامتَه لأهداف مالية تمتد لفترة طويلة جداً. لا يثير الربا المناقشات كموضوعٍ، بل الفقر هو ما يثيرها. علينا أن نهتمّ بعمق بالشرّ الذي تسببه الفوائد على القروض للناس، للعائلات، للجماعات، للبلدان، وحتى لخلاص كل واحد منا، إذا كان لاهوتيونا على حق" (ص: 8).

نحن نعيش في زمن يسيطر عليه الإقراض، الرسمي القانوني عبر البنوك، ويُعتَبَر أخلاقياً. يسعى الكثيرون إلى اكتساب البيوت وتعليم أولادهم وتأمين مصاريف الفرصة السنوية وغيرها… في بعض الحالات كشراء البيت، يمكن القول بأن القروض مفيدة. في هذه الحالات، يكون المجتمع العادل عوناً للمحتاج، بالطبع من دون أذية غير المحتاجين. يمكن لعلم الاقتصاد أن يوازن الأشياء، حتى تربح البنوك بشكل شرعي محدد، وفي الوقت عينه، يستفيد المحتاجون لحلّ المشاكل في حياتهم من دون أن يخسروا حريتهم. إذا تأمّن هذا بطريقة قانونية وعادلة، يمكن أن يسير بحسب مبدأ المحبة الأخوية.

إلى هذا، عندما يرتبط الاقتراض بمبدأ السعي إلى اللذة والعيش السهل والرغد والبحث عن الثروة وغيرها… لا يمكن قبوله. علينا أن ندرس الأمر والأهواء التي يثيرها، إلى جانب مجمل العقلية التي ينمّيها عندما يكون فكرنا مركّزاً فقط على المال والممتلكات من دون أن يُسمَح له بالتوقّف عند الأمور الأخرى الأكثر أهمية. علينا أن نَصِم المرابين الذين يستغلّون ضيق الآخرين من دون أن يتأثّروا أمام سوء أحوالهم.

الأوصاف التي يعطيها الآباء لهؤلاء الناس مهمة جداً. في هذه الحالات، على مَن معهم المال أن يمارسوا الإحسان ويقدّموا قروضاً من دون فائدة لمَن يحتاجون المال لمواجهة صعوبات الحياة. إلى هذا، بحسب الواقع المعاصر، يُعتَبَر اكتناز المال في البنوك ضرورة والفائدة أمر عادل وشرعي. لا يستطيع أحد أن يرفض هذه الإمكانية المنطقية، خاصة لأرباب البيوت، مع أن الموضوع الحاسم هو في النظر إلى مدخّرات البنوك في إطار هوى التملّك والبخل، وأكثر من ذلك عندما يكون الإحسان والمحبة محجوبين وآمال الإنسان معلّقة على المال وإيمانه بحكمة الله مهمَلاً، عندها لا يمكن تبرير الأمر بالأخلاقية الكنسية. بالإجمال، علينا ألا نزيد "احتياجاتنا". لا ينبغي أن نجاهد للعيش ببذخ؛ كي لا نضطر للاستدانة لأنها تفقدنا حريتنا. الحياة المقتصدة هي حياة محترمة. إلى هذا، "الفقير" ليس مَن لا يملك المال، بل بالدرجة الأولى مَن لا يولّد الطلب على حاجات كثيرة ويصير مرغماً على الاستدانة من البنوك والناس، وكنتيجة يخسر حريته. نعرف الكثيرين ممن خسروا ثرواتهم وبيوتهم بسبب هذه القروض.

نمط الحياة النسكي الذي ينطوي على تجنّب الرفاهية والبذخ، يمكن أن يفيدنا في هذا المجال حتى نتمكّن من الحفاظ على حريتنا الروحية وعدم اعتمادنا على مواقف قد تخضعنا. في مجتمع رأسمالي، حيث يعيش الكلّ مع حلم المال وعروضات تلفزيون الواقع، وهي ما توحي به مختلف أشكال اليانصيب، علينا أن نعيش نسكياً ونعمل بصدق وبالتالي نلتزم بكلمة الإنجيل. وعلى فكرنا أن يكون موجهاً بشكل دائم إلى حياة الإنسان ما قبل السقوط وإلى الحياة الأخروية؛ بتعبير آخر، بحسب كلام القديس غريغوريوس اللاهوتي، علينا أن نتطلّع لا نحو حالة الانقسام الطارئة بل نحو حالة الوحدة والمساواة الأصلية.

نقلا عن:
مجلة التراث الأرثوذكسي - السنة الخامسة – العدد الرابع – كانون الثاني 2009

أكتب تعليقاً