التربية اللاهوتية في القرن الحادي والعشرين

الأسقف هيلاريون ألفاييف
مختارات من محاضرة في كلية وايكليف في جامعة تورونتو، كندا
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

بحسب تحديد كلاسيكي لأفاغريوس "إذا كنتَ لاهوتياً فأنت تصلّي بحق. وإذا صلّيت بحق فأنت لاهوتي". في الفهم الأرثوذكسي التقليدي، اللاهوت ليس علماً، ولا دراسة، ولا اجتهاداً أكاديمياً. أن تكون لاهوتياً يعني أن تختبر لقاءً شخصياً مع الله من خلال الصلاة والعبادة. ينبغي أن يكون اللاهوت ملهَماً من الله، لا أن يكون كلمة إنسان، بل كلمة الروح معلَنَة بشفاه بشرية. اللاهوتي المسيحي الحقيقي هو مَن يستطيع أن يصمت إلى أن يلمس الروح القدس سيور نفسه، ولا تنبثق كلمة الروح من نفسه إلاّ متى صمتت الكلمة البشرية، وعندها يُولَد اللاهوت الحقيقي. من تلك اللحظة يتحوّل "محبّ الكلمة" إلى "محبٍ للكلمة" والخطيب إلى لاهوتي.

بحسب القديس غريغوريوس النزينزي، لا يمكن اعتبار أيّاً كان لاهوتياً، بل فقط ذاك الذي يطهّر نفسه لله. لا يستطيع الكلّ أن يشاركوا في مناقشات لاهوتية، بل فقط أولئك القادرين على القيام بذلك بشكل صحيح. ختاماً، لا يمكن مناقشة كل الهموم اللاهوتية بشكل مكشوف. مناقشة اللاهوت ليست للجميع، أقول، ليست للجميع، فهي ليست حرفة رخيصة ولا جهد فيها… ينبغي إفرادها لمناسبات محددة، وجماهير محددة، كما ينبغي احترام حدود محددة. فهي ليست لكل الناس، بل فقط للذين تمّ اختبارهم ووُجِدوا موقعَ قدم راسخاً في الدراسة، وأهمّ من هذا، اجتازوا اختبار تطهير الجسد والنفس، أو أقلّه هم في طور اجتيازه.

اللاهوت، بحسب القديس غريغوريوس، ما هو إلا الصعود إلى الله. يستعمل القديس غرغوريوس الصورة التقليدية لموسى إلى جبل سيناء ليشدد على أن اللاهوتي الحقيقي ما هو إلاّ الإنسان القادر على ولوج السحابة ولقاء الله وجهاً لوجه. في هذه الصورة المجازية المتعددة الأبعاد يرمز موسى إلى الشخص الذي ينبع لاهوته من خبرة لقاء الله. هارون يمثّل مَن لاهوته يقوم على ما سمع من الآخرين. ناداب وأبيهود يرمزان إلى الذين يدّعون أنّهم لاهوتيون بسبب درجتهم العالية في هرمية الكهنوت في الكنيسة. لكن لا الاطّلاع على خبرة الآخرين ولا الرتبة الكهنوتية تعطي الحق لأحد بأن يعلن نفسه لاهوتياً. المسيحيون الذين يطهّرون أنفسهم بحسب وصايا الله لهم أن يشاركوا في مناقشة لاهوتية، بينما غير المتطهرين فلا.

وهكذا، فإن تطهير النفس شرط مسبق ضروري لممارسة اللاهوت، تتجمّع نقطته المحورية في القول التالي: "هل الكلام عن الله أمر عظيم؟ لكن الأعظم هو تطهير النفس لله". هنا، التطهّر، ليس في مواجهة اللاهوت، بل بالأحرى اللاهوت هو الصعود إلى قمّة جبل سيناء الذي يستحيل تحقيقه من دون التطهّر. المطلوب لممارسة اللاهوت ليس المجهود العقلي ولا المعرفة الخارجية ولا القراءة المستفيضة بقدر ما هو بالدرجة الأولى التواضع والاعتدال. بحسب القديس غريغوريوس، لا يكون التواضع في مظهر الإنسان الخارجي، الذي قد يكون مخادعاً، ولا حتّى في كيفية ارتباط الإنسان بالآخرين، بل في موقفه من الله. المتواضع، بحسب القديس غريغوريوس، ليس قليل الكلام عن نفسه، ولا الذي يحكي بحضور القليلين وحسب بل الذي يحكي نادراً، ليس مَن "يحكي عن الله باعتدال، بل مَن يعرف عمّا يحكي وعمّا يسكت".

بتعبير آخر، باستطاعة كل إنسان أن يكون مسيحياً صالحاً، لكن ليس كل إنسان قادر على التحقيق في أعماق العقيدة، حيث الكثير من الأمور ينبغي حجبها في الصمت الحاسم. باستطاعة كل إنسان أن يتأمّل في أمور اللاهوت، لكن لا يمكن تلقين هذه الأسرار لكل إنسان. ينبغي على كل المسيحيين أن يطهّروا أنفسهم لله: بقدر ما يتطهّر الإنسان، تصير كلمات الروح قابلة للإدراك في فمه. يولَد اللاهوت الحقيقي من الوقفة الصامتة المتواضعة أمام الله أكثر منه من التأمّلات في الأمور اللاهوتية. يمكننا أن نرى أن هذا الفهم مختلف جذرياً عن معنى اللاهوت الذي نستعمله عادةً. إحدى النتائج المأساوية للطلاق بين النظرية والممارسة المسيحيتين، بين الإيمان والمعرفة، هو أن المعرفة اليوم حول الأمور اللاهوتية لا تفترض الإيمان مسبقاً. بإمكانك أن تكون لاهوتياً ولا تنتمي إلى أي جماعة كنسية. بالمبدأ، أنت لا تحتاج للإيمان بالله للحصول على شهادة لاهوتية. لقد تمّ تخفيض مكانة اللاهوت إلى أحد مواضيع المعرفة البشرية إلى جانب الكيمياء والرياضيات والبيولوجيا.

طلاق آخر ينبغي الإشارة إليه هو بين اللاهوت والليتورجيا. بالنسبة للاهوتي أرثوذكسي، النصوص اللاهوتية ليست مجرّد أعمال للاهوتيين وشعراء بارزين، بل أيضاً ثمار الخبرة الصلاتية التي اكتسبها الذين بلغوا القداسة والتألّه. السلطة اللاهوتية للنصوص الليتورجية هي، برأيي، أسمى من أعمال آباء الكنيسة، إذ ليس كل شيء في أعمالهم على نفس القيمة اللاهوتية وليس كل شيء مقبولاً من كل الكنيسة. النصوص الليتورجية، على العكس، قبلتها كل الكنيسة كقانون إيمان، لأنها تُقرأ وتُرَتَّل في كل الكنائس الأرثوذكسية في كلّ الأجيال. إلى هذا الوقت، كل الأفكار الخاطئة الغريبة على الأرثوذكسية التي قد تكون انسلّت إمّا عِبر سوء الفهم أو السهو قد أقصاها التقليد بذاته، تاركاً فقط العقيدة النقيّة الجديرة بالوثوق في لباس الأشكال الشعرية لترانيم الكنيسة.

قبل بعض السنوات، وقعتُ على مقال قصير من الأقباط، حيث يذكر أنهم قرروا حذف الصلوات من أجل المحتَجَزين في الجحيم من كتب الخدمة، لأن هذه الصلوات "تتعارض مع التعليم الأرثوذكسي". إذ أربكني هذا المقال، قررت أن اسأل ممثلاً للكنيسة القبطية عن أسباب هذه الحركة. عندما سنحت الفرصة، طرحت السؤال على ميتروبوليت قبطي أجاب بأن القرار اتّخذه مجمعه إذ، بحسب عقيدتهم الرسمية، ما من صلاة يمكن أن تساعد الذين في الجحيم. أخبرت الميتروبوليت أنّ في الممارسة الليتورجية للكنيسة الأرثوذكسية الروسية وغيرها من الكنائس الأرثوذكسية المحلية هناك صلوات للمحتَجَزين في الجحيم، وأننا نؤمن بقوتها الخلاصية. هذا الأمر فاجأ الميتروبوليت، ووَعَد بدراسة هذا الموضوع بتفصيل أكثر.

خلال هذه المحادثة مع الميتروبوليت عبّرت عن أفكاري حول كيف يمكن أن يذهب الإنسان بعيداً وحتى أن يخسر تعاليم عقائدية مهمّة في سعيه لتصحيح النصوص الليتورجية. النصوص الليتورجية الأرثوذكسية مهمة لقدرتها على تقديم معايير دقيقة للحقيقة اللاهوتية، وعلى المرء أن يؤكّد اللاهوت دائماً باستعمال النصوص الليتورجية كدليل وليس العكس. ينمو قانون الإيمان من قانون الصلاة وتُعتَبَر العقائد ملهَمة من الله لأنها تولَد في حياة الصلاة وتُعلَن للكنيسة عِبرَ خدمها الإلهية. وهكذا، إذا كان هناك اختلافات في فهم العقيدة بين مرجعية لاهوتية ما والنصوص الليتورجية، أنا أميل إلى إعطاء الأفضلية للنصوص. وإذا احتوى أحد كتب اللاهوت العقائدي نظرات مختلفة عن تلك التي في النصوص الليتورجية، فالكتاب هو ما يحتاج للتصحيح وليس النصوص.

ما ليس مقبولاً أكثر من هذا، من وجهة نظري، هو تصحيح النصوص الليتورجية بما يتماشى مع المعايير المعاصرة. مؤخراً قررت الكثلكة حذف النصوص "المعادية للسامية" من خدم الجمعة العظيمة. كثيرون من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية بدؤوا يروّجون لفكرة مراجعة الخِدَم الأرثوذكسية لتقريبها من المعايير المعاصرة للتوافق السياسي. على سبيل المثال، المتقدّم في الكهنة سيرج هاكل من بريطانيا، وهو مشارك ناشط في الحوار اليهودي - المسيحي، اقترح حذف كل نصوص خدم الأسبوع العظيم التي تتكلّم عن ذنب اليهود في موت المسيح، كما يضيف بأنّ وحدها القراءة السطحية الانتقائية للكتاب المقدس تحمل القارئ إلى الاستنتاج بأن اليهود صلبوا المسيح. وفي الحقيقة، هو يناقش أن بيلاطس البنطي والإدارة الرومانية هما المسؤولان بشكل أساسي عن إدانة يسوع وصلبه.

هذا واحد من أمثلة لا تُحصى عن كيف أنّ تشويه قانون الإيمان يقود بشكل لا يمكن تلافيه إلى "تصحيحات" في قانون الصلاة، وبالعكس. هذا ليس مسألة إعادة النظر بالنصوص الليتورجية وحسب، بل أيضاً إعادة تفحّص التاريخ والعقيدة المسيحيين. الموضوع الأول في الأناجيل الأربعة هو الصراع بين المسيحيين واليهود، الذين طلبوا ليسوع في نهاية الأمر عقوبة الإعدام. لم يكن الصراع بين المسيح والإدارة الرومانية التي صارت معنية بالأمر لأن اليهود لم يكونوا مخوّلين بتنفيذ عقوبة الإعدام. يبدو أن كل هذا بديهي حتى أن لا حاجة لتفسيره. على هذا المنوال بالضبط فهمت الكنيسة القديمة قصّة الإنجيل، وهذا هو الفهم الذي تعكسه النصوص الليتورجية. مع هذا، إن قوانين "الانضباط السياسي" المعاصرة تستدعي تفسيراً آخراً لكي تضع في خط النزعات المعاصرة نفسه لا خدم الكنيسة وحَسْب، بل وأيضاً الإيمان المسيحي نفسه.

يمتلك التقليد الأرثوذكسي عدداً كافياً من "آليات الدفاع" التي تمنع العناصر الغريبة من التسلل إلى الممارسة الليتورجية. في فكري هذه الآليات التي حُرِّكَت عند إدخال الآراء الخاطئة أو الهرطوقية إلى النصوص الليتورجية بذريعة المراجعة. قد نتذكّر كيف أن النساطرة بدؤوا باقتراح استبدال اسم والدة الإله بوالدة المسيح، وهذا ما رآه نسطوريوس أكثر ملاءمة. عندما طرح اقتراحه، تمّ تفعيل أحد الآليات: احتج الشعب الأرثوذكسي ناقماً. من بعدها، وُضِعَت آلية أخرى في العمل إذ اجتمع اللاهوتيون لمناقشة المسألة. في النهاية عُقد مجمع مسكوني. وهكذا، ظهر أن هرطقة خريستولوجية خطِرة تندسّ تحت قناع تقديم ليتورجي ظاهرياً لا خطر فيه، وقد أدينَت لاحقاً في مجمع.

إن إعادة اكتشاف الصِلة بين اللاهوت والليتورجيا والممارسة، بين قانون الإيمان، قانون الصلاة وقانون الحياة، هي من المهمات الملحّة للتربية اللاهوتية في القرن الحادي والعشرين. ينبغي إعادة درس مجمل مفهوم "اللاهوت" كمعرفة كُتُبية. ينبغي إعادة تفحّص كلّ فكرة "كلية اللاهوت" كواحدة بين العديد من الكليات في جامعة مدنية. ينبغي إعادة النظر بمفاهيم اللاهوت "غير المذهبي"، "غير المتحيّز"، "الموضوعي"، "الشامل" بمقابل اللاهوت "المذهبي" أو "الحصري".

مجلة التراث الأرثوذكسي - السنة الخامسة – العدد السادس – مارس / آذار 2009

3 Responses to “التربية اللاهوتية في القرن الحادي والعشرين”

  1. C. Mark :

    الكلام الجميل أعادني للكنيسة الأولى وقبل المئة الرابعة حيث “اللاهوتيون” يسكنون.. أعادني مفتتح الكلمة للفرق بين يوحنا اللاهوتي (الثيولوغوس) وبين غريغوريوس الناطق بالإلهيات (ثيولوغوس برضه) …

    … أكيد انا أحب وأقدّر شرح اللاهوت، ولاسيما غريغوريوس صاحب الفكر الثالوثي المعتبر والمُحارَب بالجهل في عصرنا التعس، ولكن أحب بالأولى اللاهوت نفسه ولو لم يكن مشروحاً باللغة والفلسفة.. واحياناً أقول ياليته ما شُرِح، وأحياناً اسأل هل الأصم الأخرس لا يفهم الثالوث مثلاً؟ لو لم يكن ما كان مؤمناً وما حق تقربه من الإفخارستيا، ولو كان فلابد ان كلمة “إيمان” وكلمة “فهم الإيمان” أعمق من الديباجات المحفوظة غير المفهومة عند أكثر الصائحين النائحين على الإيمان “الأرثوذكسي”..

    من البدء لم يكن الشرح ووضع الديباجات والقوانين.. هذه أداة ترجمة، تترجم المعنى الإلهي للغة البشر، ولكن من البدء لم يكن هكذا..

    اللاهوتي هو من يصلي فيكون متصلاً بالإله رائياً له! هكذا الأصل وإلا فلا..
    شئ يحز في نفسي: هل حوصرت هذه المعاني دون الكنيسة القبطية ليستأثر بها الأرثوذكس الشرقيين (EOC)?
    وشئ يحز في عقلي: طيب طالما صار هذا كلامهم دوننا، فعلى أي أساس نستميت للوحدة معهم؟

    أكرر مفتتح الكلمة مرة أثخرى لعمقها وحلاوتها:
    “إذا كنتَ لاهوتياً فأنت تصلّي بحق. وإذا صلّيت بحق فأنت لاهوتي”
    هذا هو الكلام الحق كلام الحياة الابدية!

    كريستوفر

  2. C. Mark :

    آتِ لنقطة حساسة وتحتاج لوزن للأمور
    وهي نقد الأسقف هيلاريون لحذف فقرات دخيلة من الليتورجيا عن الصلاة من أجل المحبوسين في الجحيم..

    آاه ياليتهم يحذفون ما هو أكثر ولا يزال قابعاً على أذهاننا رغم الكتاب المقدس في قطع دخيلة معروفة.. بل وبالمرة يا ليت الشرقيين (الأروام) أنفسهم يسبقوننا في حذفها كما سبقونا في إضافتها و”بلّعوها” لنا بمنطقنا التليد في عقدة تقليد الخواجة..
    كامثلة على هذا قطع الأجبية (القبطية) بها خطآن مشهوران في السادسة التاسعة وللأسف وجدتها أصيلة في الهيرولوغيون (اليونانية) ونحن لنا شرف أمانة النقل..

    وأما فيما يخص الصلاة من اجل المحبوسين في الجحيم فهي قضية عميقة اظن أنني لست ضد المبدأ وغن كان يلزم مراجعة القطع المذكورة بحق لاسيما لان نصوصها دخيلة فعلاً.. والمراجعة تحتاج للنظر بشجاعة لبرطس الاولى 3: 19-20 من جانب الرءساء، وأيضاً يوحنا الاولى 5: 16 من جانب المتحمسين لتلك القطع على إطلاقها..

  3. ashrafishak :

    المحبوب فى المسيح والاهوتى الاصيل د_جورج
    كتبت لك لاهوتى ليس مجامله بل بحسب ما جاء بهذا المقال الرائع ان الاهوتى هو الذى يصلى او الذى له صله بالله وهو الذى يتطهر اى الذى يسلك بحسب فكر المسيح ووصاياه الفكر الموجود بالمقال جميل وارثوذكسي اصيل ولكن نفسى اعرف رايك في ما ذكره الكاتب المحترم بخصوص الصلاه من اجل من هم في الجحيم الاهوت له علاقه اصيله بالليتورجيا والاسرار والعيش المسيحى كله التحيه لك وللكاتب ولموقعكم وللمواقع الاخرى الجميله جدا مثل مجله التراث الارثوذكسى وموقع القديس سيرافيم ساروف وغيرها صلى من اجلى
    ودمتم معافين فى الثالوث القدوس امين

أكتب تعليقاً