النسك البيئي: ثورة ثقافية

الميتروبوليت يوحنا زيزيولاس
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

المشكلة البيئية هي، في جذورها، مسألة روحية. ينحو الكثيرون من المتعاطين بها إلى إهمال أوجهها الروحية. ومع هذا، من المستحيل، تاريخياً أو من وجهة النظر العملية، الانكباب عليها من دون الإشارة إلى الدين والأخلاق. المؤرّخة الأميركية لين هوايت كانت على حق في عزوها أسباب المشكلة إلى اللاهوت المسيحي، لاهوت الغرب الذي استغلّ آيات سفر التكوين التي تتضمّن أمر الله لأول كائنين بشريين بأن "يسودا على الأرض" لكي يشجعهما، أو كما يعبّر عنها ديكارت على نحو متبلّد، بأن يكونا "سادة الطبيعة ومالكيها". هذا الموقف اكتسب دعماً أكثر واستلهم لاهوتاً شدد على علويّة البشر بسبب امتلاكهم العقل، هذا الامتلاك الذي اعتُبِر "صورة الله" في الإنسان. هذه المقاربة العقلانية فصلت البشر عن باقي الخليقة وشجّعتهم على النظر أسفل بازدراء إلى كلّ ما هو غير عاقل، أي غير بشري.

إلى جانب هذا، نشأ فهم للشخص البشري على أنّه فرد مفكّر وأعطي لسعادته ورخائه منزلة الصلاح الأعلى في الأخلاق. صارت الخطيئة محدودة بكل ما يتعارض أو يمنع هذين: السعادة والرخاء. عليه، يمكن للمسيحي أن يخرّب الطبيعة بضمير مرتاح طالما هذا يساهم في تحقيق السعادة البشرية. الآن، بدأ البشر يدركون أن هذا الموقف من الطبيعة يهدد السعادة البشرية بالفعل، وحتّى الوجود البشري بحد ذاته. في هذا، لا يبتعدون عن مبدأ تعزيز السعادة البشرية. بالواقع، هذا المبدأ هو ما يحرّكهم بالعمق وبشكل حصري. ما زال يُنظَر إلى الأزمة البيئية وتتمّ مقاربتها من زاوية الاهتمام البشري بالذات وليس من باب المحبة لباقي مخلوقات الله، أو الإحساس بالمسؤولية عن بقاء وصالح كلّ ما هو غير بشري على كوكبنا.

هذا يعقّد الأمور، لأن من الصعب الوصول إلى فكر مشترَك حول التضحيات المطلوبة منّا لكي نواجه المشكلة البيئية في مجتمعنا الاستهلاكي. يجد السياسيون صعوبة شديدة في تثبيت مقياس من القيم التي قد ترضي اهتمامات البشرية. مثلاً، إذا قررت إحدى الحكومات أن تغلق مصنعاً ما بسبب التلوّث، لا يمكن تلافي نشوء البطالة كمشكلة رئيسية في المنطقة، لتحلّ محلّ ضرر البيئة. حتّى أكثر السياسيين جدارةً أو التكنوقراط يجدون التغلّب على هذه الحالة في غاية الصعوبة، لا بل مستحيلاً، طالما المصلحة الذاتية تحرّك الشعوب. فالاهتمام يلعب دوراً رئيسياً في كيفية مواجهة المشكلة البيئية، ومن الواضح أنّ المصلحة الذاتية عند البشر تفتح الباب لمحفّزات أخرى أو تتكيّف بها بقوة. هذا يعطي البعد الروحي أو الديني أهمية كبيرة بالنسبة للمسألة البيئية، من وجهة النظر العملية. ما هو نوع الحوافز التي يمكن للدين أن يقدمها للشعوب التي تواجه أزمة بيئية؟ هنا بعض الاقتراحات:

التشديد على فكرة قداسة الخليقة بكل وجوهها، الروحية والمادية، وتعزيز هذه الفكرة.

هذا قد يبدو أكثر سهولة في المجتمعات حيث تسيطر الديانات الشرقية، لكن الثابت أن الأمر أكثر صعوبة حيث التقليد اليهودي - المسيحي هو القوة الدينية الرئيسية، تاريخياً أو حالياً. الخوف من الوثنية وتقليد العقلانية القوي يحولان دون تعزيز فكرة عبادة الطبيعة، أو حتّى فكرة العبادة بشكل عام عند الغربيين.

تُكِنُّ روحانية الكنيسة الأرثوذكسية، التي خلف تقليدها كفاح ضد الوثنية اليونانية - الرومانية القديمة، احتراماً عميقاً للطبيعة محكوم بقوةٍ بنظرة مفادها أن الطبيعة تتقدّس فقط من خلال الشخص البشري. هذا يعطي البشرية أهمية كبيرة ومسؤولية. الإنسان كاهن الخليقة إذ يحوّلها إلى مركبة للشركة مع الله والإخوة البشر. هذا يعني أن الخليقة المادية لا تُعامَل كوسيلة للحصول على اللذة والسعادة للفرد، بل كعطية مقدّسة من الله تهدف إلى تشجيع وتعزيز الشركة مع الله ومع الآخرين. هذا الاستعمال "الليتورجي" للطبيعة من البشر يقود إلى أشكال من الثقافة التي تكنّ احتراماً عميقاً للعالم المادي فيما تحفظ الشخص البشري في وسطه.

مراجعة قاسية لمفهوم الخطيئة

لطالما فُهمَت الخطيئة عادةً، أقلّه في الأخلاق المسيحية، من خلال عبارات أنثروبولوجية واجتماعية فقط، لأن الطبيعة فُهمَت كخادمة لمصالح البشرية وسعادتها. فصارت الخطيئة فقط ما يسبب الضرر لذاته أو لغيره من البشر. بالطبع، لا يأتي الضرر بالطبيعة ضمن هذه الفئة من "الخطيئة".

هذا يتغيّر عندما لا تعود الطبيعة مُستَعبَدة للمصالح البشرية وتصير رباطاً لا غنى عنه للشركة بين البشر والله. بما أن البشر لا يستطيعون أن يقوموا بعَمَل وسائل العلاقة والشركة من دون الطبيعة (أجسادنا لا غنى عنها لهويتنا وفي الوقت عينه لا يمكن إدراكها من دون الباقي من الخليقة)، كل ضرر مُسَبَّب للطبيعة سوف يجعلها عاجزة عن القيام بوظيفتها كمَرْكَبة للشركة بين الله وبيننا. إذاً، الخطيئة ضد الطبيعة خطيرة ليس فقط لأن فيها قلّة احترام للعطية الإلهية، بل أيضاً، وبشكل أساسي، لأنّها تجعل الإنسان عاجزاً عن إتمام طبيعته العلائقية. الفردانية البشرية تترافق يداً بيد مع الخطيئة ضد الطبيعة والأزمة البيئية تقدم شهادة بليغة على ذلك.

روحُ نُسكٍ

لقد ارتبط النسك في أفكارنا باستخفاف بقيمة المادة من أجل الأمور "الأسمى" والأكثر روحانية. هذا يدلّ ضمناً على نظرة أفلاطونية للمادة والجسد، لا تتناغم مع التقليد اليهودي - المسيحي حيث العالم المادي هو جزء لا يتجزأ من الهوية البشرية بحد ذاتها. صحيح أنّ من السهل ملاحظة وجود تأثير أفلاطوني في تاريخ التقليد المسيحي، وربما في الأديان الأخرى أيضاً. لكن هذا لا يعنينا هنا. هذه الأشكال من النسك، التي تتضمّن ازدراءً أو احتقاراً للعالم المادي، تفاقم الأزمة البيئية بدلاً من حلّها. "النسك البيئي"، إذا صحّ لنا أن نوجِد هذا التعبير، يبدأ دائماً باحترام عميق للخليقة المادية، بما فيها الجسد البشري، ويُبنى حول النظرة بأننا لسنا أسياد هذه الخليقة ومالكيها، بل نحن مدعوون إلى تحويلها إلى مركبة للشركة، آخذين دوماً بعين الاعتبار ومحترمين إمكانياتها وعجزها.

لهذه النقطة الأخيرة أهمية عالية جداً. على البشر أن يدركوا أن الموارد الطبيعية ليست بلا حدود. الخليقة بأكملها محدودة وكذلك الموارد التي تؤمّنها الطبيعة لحاجاتنا. يبدو أن الفلسفة الاستهلاكية في الحياة، التي تسود في أيامنا، تهمل هذه الحقيقة. نحن نشجّع التطوّر والاستهلاك بصنع أشياء "ضرورية" كانت الأجيال السابقة تعيش بسهولة من دونها. علينا أن نعيد النظر بمفهومنا لجودة الحياة. الجودة لا تحتاج للكمية لكي تكون. التقييد في استعمالنا للموارد الطبيعية يمكن أن يقود إلى حياة أكثر سعادة من التنافس الذي لا ينتهي في الصرف والاقتناء. يجب أن يحلّ التطوّر النوعي محلّ المفهوم السائد للنمو الاقتصادي الذي تسيطر عليه الإحصائيات الكميّة. على النسك ألا يبقى فكرة تشير إلى صفٍ من غريبي الأطوار المتدينين ويصير مرادفاً للتقدم النوعي، بدل الكميّ، في المجتمعات البشرية.

كل هذا سوف يتضمّن، بشكل لا يمكن تلافيه، تحولاً للاهتمام ومراجعاتٍ أساسية وإعادة تحديد في المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من مختلف الأنواع. قد تصل الأمور إلى ما لا يقلّ عن ثورة ثقافية. إن إعادة التوجيه هذه لثقافتنا قد تتطلّب انخراط وتعاون كل العوامل المسؤولة عن تشكيلها. قد لا تكون مجرّد تخطيط تكنوقراطي، قد تتطلّب تغييراً في قناعات البشر العميقة وحوافزهم، لأن أياً من الكائنات البشرية لا يقدر أن يضحّي بأي شيء من دون سبب أو حافز.

يمكن إعادة هذه الأسباب والحوافز إمّا للخوف أو للمحبة. يبدو أنّ الأزمة البيئية التي نواجهها ترجّح أنّ الخوف، أي الخوف من تدمير كوكبنا، هو الحافز السائد لتغيير الاتّجاه. في أي حال، علينا أن نصرّ على حوافز أكثر إيجابية. محبة خليقة الله وإخوتنا البشر سوف تقودنا بشكل طبيعي إلى الحدّ من استهلاك الموارد الطبيعية واقتسامها مع الآخرين بطريقة أكثر عدلاً. هذا يمكن تحقيقه بالتربية من الابتدائي إلى أعلى المستويات، لكن قد لا يوجد ما هو أكثر فعالية لتحقيق هذا الهدف من الدين والروحانية التي تنبع منه. لا ينبغي توفير أي جهد لربط الجماعات الدينية بالتحديات البيئية في زماننا. الأزمة البيئية روحية على حد كبير.

نقلاً عن مجلة التراث الأرثوذكسي – نيسان 2009

One Response to “النسك البيئي: ثورة ثقافية”

  1. marcojone :

    رائع اللاهوت البيئ- في الليتورجيه شئ لتقديس الطبيعه 1- في الاواشي صلاه لاجل المياه والانهار والزروع والعشب ونبات الحقل 2-الوصيه للمعمد ان يتم غسل الملابس بعد العماد وسكب المياه في الزرع او المياه الجاربه هل لئلا تداس اثار مياه المعموديه والميرون؟ لااعتقد هذا في اصل الوصيه الطقسيه وطقس العماد من اقدم الطقوس ولكن لهدف عتق الطبيعه من عبوديه الفساد مثل كاهنها وممكن ان تسمي ميرنه الطبيعه بسر الميرون-3- وايضا صلاه تبيرك المنازل هي صوره اعاده الارض المسلوبه من الانسان بيد الشيطان اليه وطرده وكأنها محضر تسليم من قبل من له الارض وملؤها والذي اخذ السلطات التي في السماء والارض بيد من اعطي لهم المفاتيح والبقيه تأتي دمتم في المسيح

أكتب تعليقاً