مصر وكنيسة مصر – 12 ماذا كشفت إعادة انتخابات الرئاسة

لابد من أن نهنئ شعب مصر؛ لأن وصول شخص إلى رئاسة الجمهورية من خارج القوات المسلحة، هو تغيير لما ساد طوال نصف قرن. لا يجب أن نعلِّق على نتيجة الانتخابات، ولا أن نجوس في دهاليز المستقبل، فكل هذه هي تمرينات صحفية عقلية قد يكون فيها بعض ملامح البحث، ولكنها كما سبق وقلنا: “الافتراض الذي يريد البعض أن يجعله حقيقة” دون أن ندخل في جمع وطرح أصوات الناخبين، ولكن علينا أن نضع نصب أعيننا ما سبق جولة الإعادة وكيف سارت جولة الإعادة؛ لأن ما حدث يلقي المزيد من النور على ما هو حادث الآن في كنيسة مصر أم الشهداء.

أولاً: دقة وانتشار تنظيم جماعة الإخوان المسلمين:

هذه الدقة ليست جديدة، بل كان يُقال في عصر الإخوان الذهبي إن المرشد العام حسن البنا إذا عطس في الإسكندرية، يقول الإخوان في أسوان “يرحمكم الله”. كنا نسمع ذلك، بل كانت له شواهد كثيرة تتمثل فيما أداه الإخوان من خدمات من خلال وجود مقار الإحسان والخير المنتشرة في طول البلاد وعرضها. على أن دقة التنظيم هذه كانت سلاحاً ذو حدين .. الأول هو الفاعلية، والثاني سهولة وضع أجهوة الأمن يدها على التنظيم كله عند الصدام الدموي بعد اغتيال النقراشي، وبالتالي تبديد دور القيادات في أحكام السجن والإعتقال، وهي أمور معروفة، ولكن ظلت القواعد كما هي، لم يستطع الأمن إزالتها؛ لأنها تقوم على قناعة في قلوب وضمائر التابعين.

ولعل أفضل ما سمعت عن حرب فيتنام كان تعليق كاتب أمريكي يقول فيه: “إن البندقة والمدفع لا تستطيع أن تقتل فكرة”، فقد ألقت الولايات المتحدة – في هذه الحرب – بكل ما لديها من أسلحة دمار، ولكنها انسحبت بعد خسارة بشرية ودولية مست مكانتها في العالم الحر. ولكن ظلت المقولة ثابتة، وهي أن الفكرة أقوى من أي سلاح مادي.

لكن لا يجب أن ننسى أن الفكرة يمكن أن تقتلعها فكرة أخرى، ليست بالضرورة مضادة، وإنما قد تكون أكثر دقة ووضوحاً، تحمل في داخلها أهم مقومات الفكر الصحيح وهي: التقدم إلى الأمام وتذكية المثابرة وتحديد الهدف الصالح.

كان تنظيم الهيئة العليا لمدارس الأحد هو أقوى تنظيم كنسي عرفته الكنيسة القبطية في العصر الحديث، ليس فقط بسبب الانتشار في أماكن كثيرة في مصر دائماً، بل إضافةً إلى ذلك، كانت لديه: البرامج التعليمية – الأهداف الواضحة – ثم التواصل مع كل الأطراف بواسطة مجلة مدارس الأحد العصب الأساسي الذي ربط أجزاء الجسد كلها بالرأس.

ونحن هنا لسنا إزاء مقارنة بين جماعة الإخوان ومدارس الأحد، وإنما ما جمع الاثنين معاً هو أنهما معاً كانتا حركتا مثقفين ونخبة، بغض النظر عن أن حركة الإخوان تميزت بالجانب الاجتماعي والسياسي، بل والعسكري أيضاً في حرب 1948 وفي خلق “الجهاز السري”، بينما ظلت حركة النخبة من اللجنة العليا لمدارس الأحد حركة كنسية محضة بلا برنامج سياسي أو اجتماعي أو عسكري؛ لأن القبطي يفضل الانخراط في الحراك الوطني الرسمي (الحكومي).

كان الصدام مع الدولة هو أيضاً سكين ذو حدين: الأول هو انهيار التنظيم، والثاني أن هذا الصدام ذاته كان بمثابة أكبر دعاية للحركة عندما فشلت الدولة المصرية في حل ما كانت تدعو إليه، وفي قمع حركة الفكر، فجاء الصدام بقوة دافعة غير محسوبة من الأمن لصالح بقاء التنظيم واستمراره وبشكل غير معلن.

وجاء صدام اللجنة العليا لمدارس الأحد مع عصر الأنبا يوساب، وكان أحد قادة هذا الصدام الأستاذ نظير جيد رئيس تحرير مجلة مدارس الأحد، وكانت مطالب اللجنة العليا:

  • الراعي الصالح.
  • الاكليريكية هي الوسيلة.

شعارٌ جيد، ولكنه غامض؛ إذ لم تتوفر لدى الداعين إليه تحديد شكل الراعي الصالح، في الوقت الذي كانت فيه حركة الشبيبة الأرثوذكسية في لبنان وسوريا – مجلة النور – قد توصلت إلى أن طريق الوصول إلى هذا الراعي هو الدعوة إلى حصول القساوسة والأساقفة على درجة علمية من معهد أرثوذكسي كشرط أساسي لرسامتهم.

واستطاعت حركة الشبيبة أن تلزم المجمع المقدس لكنيسة الروم في لبنان وسوريا بأن تأخذ هذا القرار الذي لم تَحُدْ عنه مرةً واحدةً طوال 50 عاماً.

بينما عجزت اللجنة العليا لمدارس الأحد عن حمل المجمع المقدس للكنيسة القبطية على إصدار قانون مماثل، وإن كان قد حدث صدام بين أسقف التعليم الأنبا شنودة والبابا كيرلس السادس حول رسامة غير خريجي الكلية الاكليريكية، وكان اختيار أهل الثقة هو القاعدة الأولى والأخيرة في رسامة عدد من القساوسة والأساقفة زاد عددهم على 100 أسقف في عهد الأنبا شنودة، بل إن ما هو أشد وأنكي من ذلك أن أسقف التعليم كان قد زكَّى هو نفسه – في تراجعٍ عن هذه القاعدة – بعض الخدام من غير الإكليريكيين للرسامة، الأمر الذي كان مثار خلاف بينه وبين القمص باخوم المحرقي – الأنبا غريغوريوس.

ثانياً: حيوية التنظيم:

لم يكن لدى الفريق شفيق تنظيم يعادل تنظيم حزب الحرية والعدالة. والذين أعطوا أصواتهم له، فعلوا ذلك بعدة دوافع كان واحداً منها هو الخوف من شكل الدولة الدينية، والذي زرع هذا الخوف هو حزب الحرية والعدالة نفسه؛ إذ لم يتم تجديد فكري لأيدلوجية الإخوان في مصر، بعكس ما حدث في تونس والمغرب من تجديد يلائم الحداثة.

في الكنيسة، كانت أبرز أخطاء البابا كيرلس السادس الإدارية هي احتواء اللجنة العليا في داخل منظومة الكهنوت برسامة الأنبا شنودة أسقفاً، وبذلك ضاع الصوت النبوي المُطالِب بالإصلاح والتجديد. وهو الاحتواء الذي حاوله الرئيس عبد الناصر والرئيس السادات، وفشل كلاهما في استيعاب حركة الإخوان، والذين دخلوا الاتحاد الاشتراكي او حزب مصر ثم الحزب الوطني من قيادات سابقة من جماعة الإخوان تم إبعادهم تماماً عن الإخوان.

بعد زهاء 50 عاماً من حراك كنسي اضمحلت فيه القيادات العلمانية، وبكل أسفٍ، كان الشعب هو أحد أسباب سقوط هذه القيادات العلمانية؛ لأن الشعب انقاد وراء الالتفاف السياسي الذي برع فيه أنور السادات لتأهيل بطريرك الأقباط ليكون نائباً عن كل الأقباط، وشيخ الأزهر نائباً عن كل الحركات الإسلامية، وقد نجح هذا الالتفاف على الاقباط، بينما فشل مع المسلمين لعدم قناعة القيادات الإسلامية بالتصالح مع الذين فتحوا المعتقلات، وقتلوا في داخل السجون بعض القيادات، بينما استطاع السادات أن يضع كل الأقباط في قفص القيادة الكنسية، وبرزت زعامة الاكليروس، ولكنها لم تكن قد حُسِبت بدقة؛ لأن هذه الزعامة المسيحية استدعت رد فعل إسلامياً وأبرزت قيادات إسلامية للجماهير لا تزال في مكانها.

أما في الكنيسة، فقد ضاعت القيادات العلمانية وسط ضجيج أصوات الاكليروس، وهو ما جعل البعض يستقيل من العمل الكنسي، حيث لا فائدة ترجى بالمرة من أي حوار مع من يمسك في يديه:

الميلاد – المعمودية

الزواج – الاكاليل

الدفن – الجنازات

الصلوات الاسبوعية – القداسات بشكل خاص

وهي في مجموعها ما يشكل جوهر الحياة الكنسية القبطية، خصوصاً عندما برزت أنيابٌ حادة تعض بشدة على لحم وعظام أصحاب الرأي، وتهددهم بالحرمان والإقصاء ونشر الإشاعات الكاذبة من على المنابر، بل وفي جلسات الإعتراف.

مخاض الحراك الوطني بعد انتخابات الإعادة:

إذا فشل الرئيس الجديد في خلق مصالحة وطنية، وسار في تكفير المعارضين تحت اسم العزل السياسي، فإن مصر لن تشهد السلام.

وهذا الذي نحذِّر منه رئيس مصر، سبق أن سار فيه الانبا شنودة الثالث، فأبعد كل الذين خدموا معه، بل وحتى الذين سبقوه في الخدمة، وانقضَّ على قيادات قبطية بارزة مثل د. سليمان نسيم، والقمص متى المسكين، وغيرهما، فالقائمة طويلة. وقد كشفت أخيرا خطابات الراهب انطونيوس السرياني للأستاذ د. وهيب عطا الله عن عداء عميق متأصل في قلب الراهب انطونيوس السرياني تجاه الأب متى المسكين .. هذه الخطابات تحتاج لمن يدرسها من أساتذة الطب النفسي في مصر، فهي تكشف الكثير عن حقيقة تكوين الراهب انطونيوس الذي حمل معه ذات التكوين عندما صار بطريركاً.

تُرى هل سوف تستمر حملات المطاردة الهادئة باسم عزل الهراطقة – البروتستانتية – … الخ عندما يجيء البابا الـ 118 وبذلك يستمر في منهج قبطي يكفر كل من يختلف معه، أو يقدم برنامجاً إصلاحياً؟ .. لدينا احتمالين:

الأول: هو بعث نظام الأنبا شنودة الثالث إذا جاء أسقف من بطانته.

الثاني: وصول راهب تقي يصفح عن الكل ويقدم نموذج المحبة الإلهية.

وكلا الاحتمالين هو قضاء وحكم يملكه الشعب الذي يجب عليه أن يعود لفحص لما استقر في وعيه عن الشهادة، فهي ليست البحث عن خطايا الآخرين، بل البحث عن الحياة المسيحية الصادقة.

ولو عاد تنظيم اللجنة العليا لمدارس الأحد، وخرج من تحت عباءة الكهنوت، وصار أيقونةً علمانيةً، فالأمل عظيم.

التعليقات

2 تعليقان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة