الأرشيف
أكتوبر 2017
د ن ث ع خ ج س
« سبتمبر    
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031  
المدونة القديمة (رابط مؤقت)

الكلمةُ صار جسداً : رسالة عيد ميلاد الرب بالجسد 2013

د. جورج حبيب بباوي

(4 صوت، المتوسط: 5.00 من 5)

صار الكلمةُ جسداً لأن الفكر بلا جسد إنساني، هو وهمٌ وخيال يفتقر إلى حضور بشري يجعله واقعاً.

“الكلمة – Logos” وحرفياً – حسب اللغة اليونانية الكلاسيكية – هو القوة الفاعلة، هو العمل وليس النطق حسب إيحاء ووقع تعبير “الكلمة” في اللغة العربية. وحتى في العبرانية “الكلمة – Davar” تعني العمل. لأن الفصل بين الكلمة والعمل، بين الكلمة والقدرة، بين الكلمة والإرادة هو فصلٌ وتقسيم لا تعرفه الإنسانية السوية Normal.

إلى عالم العمل والحركة والإرادة والقدرة إذن، جاء “الكلمة”، الذي يحرك الكون ويعطي لكل الكائنات حدود طبعها.

صدمة تجسد الكلمة

“قيل وقال” تُعدُّ ملخصاً وافياً لما عرفته الإنسانية من كتابات وأقوال وأناشيد. قال هؤلاء، وقيل عن هذا وذاك …. الأخبار والأقوال … كلها كلمات … وهي طبعاً نتيجة أفعال، ولكن هذه الكلمات مهما كانت، سريعاً ما تختفي في طيات الماضي. هي دائماً آتية من الماضي. وهي – أي الكلمات – وإن كانت نتيجة أفعال أو تدعونا إليها، إلَّا أنها – بعد الفعل Action – تختفي، ويبقى الفعل. على سبيل المثال لا الحصر، قد نخاطب بعضنا البعض عن المحبة، وتنقل الكلمات ما نشاء أن نقوله عن المحبة، ولكن يبقى العمل هو معيار صدق ما قلناه عن المحبة، ويظل التصرف يعلو على ما قيل، بل ويصحح ما قيل. فقد وصلنا من التاريخ الكنسي أن عميد مدرسة الإسكندرية اللاهوتية، سأل عن أعظم وصية، وجاء الرد: “حب قريبك كنفسك”، ولكن التلميذ أوريجينوس قال: “من أحب القريب أكثر من النفس، فهو تلميذ حقيقي ليسوع المسيح؛ لأن المسيح يسوع أخلى ذاته (فيلبي 2: 6) وبذلك لم يعد لمحبة الذات أساسٌ في تقديم ذاته قرباناً، بل صار هذا الأساس هو محبة الخطاة، وهم ليسوا مثل نفسه (ذاته)، بل أقل بكثير، ولكنه أحبهم أكثر من محبته لذاته. هذا عملٌ Action وليس قولاً”.

هكذا يجيء تجسد الكلمة صدمةٌ قاسيةٌ لكل خطاب، وعلى كل مستوى؛ لأنه يعرِّي كلمات كل خطاب، ويكشف عن المداهنة والنفاق، والتستر وراء الكلمات، كما يكشف عن فشل الكلمات في أن تصبح أداةً مثل الحق؛ لأن الكلمة بدون فعل ميتة. ولم تكن محبة المسيح لنا قولاً، بل فعلاً وعملاً؛ فقد تكلم عن الغفران وغفر، وعن العطاء وأعطى ذاته، وعن قبول الخطاة وقَبِلَ الذين فشلوا في الحياة مثل السامرية. واختار من الحياة اليومية نموذجاً للبشر المجروحين، الابن الضال لكي يجعله مثالاً لقبول مَن شرد. وعَبَرَ حدود الاختلافات العرقية والدينية؛ فقدَّم مثل السامري الصالح.

صدم إذن “الكلمة المتجسد” – بالتعليم والمثال – كل التراث الديني المتراكم في مجتمعٍ عَرِفَ أن يحب القريب وأن يبغض العدو، فقال إن العكس هو حركة المحبة الصحيحة: “أحبوا أعدائكم”؛ لأن الخطاة قادرون على محبة الخطاة، فأيُ تقدمٍ وصل إليه هؤلاء إذا كانوا يحبون مَن يحبونهم؟

المحبة التي لا تتقدم ولا تنمو، تموت.

التجسد وتوحيد المسيحية

على الرغم من أننا في كل مناسبة، نقول: “نؤمن بإله واحد”، إلَّا أن الاتهام بالشِّرك لا زال صداه يُسمع في كل مكان في عالم الناطقين بالعربية. وإلوهية المسيح تجعل من أصحاب هذا الاتهام فئة تظن أن المسيح إلهٌ آخر يُضاف إلى الله؛ لأنه بشرٌ مثل البشر، وهكذا صار تجسده مصيدةً لهؤلاء، لأنهم تعاموا عن الحقيقة، أو بالحري الحقائق الآتية:

  1. إن الإنسان يسوع المسيح لم يتحول إلى إله.
  2. وإن ما هو إنساني يظل إنسانياً.
  3. وإن التجسد هو استعلان توحيد محبة وشركة([1]) يُشرَح بشكلٍ آخر غير التوحيد الذي ينكر تعدد الآلهة، ويحارب الشِّرك، ويقف عند نفي الخطأ، أي التوحيد السلبي.
  4. وإن توحيد المسيحية هو توحيدٌ جامع، هو توحيدٌ في ثالوث؛ لأن الثالوث هو استعلان توحيد الله، وهذه هي خصائص هذا التوحيد:

أولاً: توحيدٌ أسقط كلمة “الواحد” تماماً؛ لأنها لا تصلح للتعبير عن حقٍ يعطي. هي تعبيرٌ عن حقٍ ينفي، والنفي والعطاء لا يمكن أن يلتقيا معاً. الحق الذي يعطي هو الاتحاد الذي عبَّرت عنه الكلمة العبرانية القديمة: “اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا ربٌ واحد”، وبالعبرانية: “يهوه آخاد”، أي أن الله Unity وليس One فقط. فالله جاء لكي يوحِّدنا به، وتوحيدنا به مبنيٌ على توحيد الحياة الإلهية الواحدة، فلا شريك ولا مثال، ولا يوجد آخر مثل الله، هذا حقٌ ينفي، ولكن لا يجب أن نتوقف عند نفي الخطأ، بل الحق الذي يعطي هو حق استعلان الله بذاته عن وحدانية وعن دعوة للاتحاد Union بالله نفسه مبنيةٍ على ما هو كائن في الذت الإلهية والحياة الإلهية الواحدة.

ثانياً: ليس توحيداً معرَّفاً بكلماتٍ مهما كانت، بل باستعلانات، ومن هنا نشأ كسل المسيحيين عن شرح حياة يسوع كاستعلان لحق الحياة الواحدة التي للآب والابن والروح القدس والتي أعلنها يسوع المسيح بحياته وبصلته الخاصة بالآب وبالروح القدس، فهي ليست صلة لفظية تقوم على الألفاظ والحروف، بل على الحقائق المعلَنة في العلاقة الشخصية التي صارت تُعرَف باسمٍ دقيق يرفع الإدراك الإنساني إلى ما هو فوق الكلمات: “العلاقة الأقنومية”.

ثالثاً: توحيدُ عطاءٍ. وهنا نواجه السؤال: ماذا يقدم نفي الشِّرك وتعدد الآلهة للإنسانية؟

النفي لا يحمل رسالةً إيجابيةً أصلاً. هو – حسب اللفظ – نفيٌ لخطأٍ، ونفي الخطأ يقف عند النفي، وبالتالي لا عطاء لنفيٍ. أمَّا العطاء، فهو إشراق المحبة، “هو حركة وفعل وتقديم ما لا وجود له إلَّا في الحياة الإلهية”، ولذلك يقول إنجيل يوحنا: “الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب (جاء) وخبَّر” (يو 1: 18). ولعلنا نلاحظ أن إضافة فعل المجيء للنص كما ورد في شرح إنجيل يوحنا لكل من أوريجينوس وكيرلس الكبير، هي إضافة يقتضيها واقع الحال؛ لأن دلالة فعل “خبَّر”، ليست مجرد القول، بل سبق للإنجيلي أن قال: “الكلمة صار جسداً وسكن بيننا” (يو 1: 14). ولأنه جاء إلينا، قال الرسول: “ورأينا مجده مجداً كما لوحيدٍ من الآب”، ومن ثمَّ تكلم عن العطاء قائلاً: “ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا” (يو 1: 16). فقد أعطي المسيح حياته، تلك التي قبلها من الآب؛ لأنه عطاء البذل في قولٍ مشهور عن محبة الله للعالم، البشر والخليقة كلها: “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد”، والسبب: لكي يكون لمَن يؤمن “حياة أبدية”(يو 3: 16). ولذلك يقول الرب: “كما أن الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له حياة في ذاته” (يو 5: 26)، وذلك: لكي يعطي الابن حياة، بل لكي “يحيي الابن من يشاء” (يو 5: 21).

فوحدانية الحياة، جعلت للآب والابن، ثم في استعلان الروح القدس، حياةً واحدة تعطي حياةً لمن يريد. حياة أعظم من الحياة الإنسانية؛ لأن الابن جاء لكي “يخبر” بميلاد جديد مثل ميلاده الجديد، ميلاد يعلو على كل القوانين البيولوجية، هو:

  • ميلادٌ من الله،
  • ليس من دم ولا من إرادة إنسان، أي ميلاد لا دخل للإرادة الإنسانية فيه، أي ليس من الزواج،
  • بل من الله،
  • مثل ميلاد يسوع من العذراء بالروح القدس …

ميلادٌ من الماء والروح، و”من فوق”، من عند الآب كما في الحديث مع معلم إسرائيل؛ لأن المولود من الجسد، يظل جسدانياً، أمَّا المولود من الروح يصبح روحانياً (راجع يو 3: 6)، مؤهَّلاً لِما هو أعلى. من هنا بالذات جاء استعلان بنوة الابن للآب. ليست بنوةً شرفيةً مثل لقبٍ يعطى لا أساس له في الكيان الإلهي.

ولهذا يجب أن يكون واضحاً أن كل دفاع يدور حول بنوة المسيح لله، هو دفاعٌ عن رفعة الإنسان، وعن دخول الإنسان في رتبةٍ لا يمكن أن تعطى له بواسطة أية قدرة مخلوقة، بل فقط بالاتحاد بشخص يسوع المسيح لكي نصبح أبناءً؛ لأن الله أرسل ابنه مولوداً من امرأةٍ لكي ننال نحن التبني، وبما أننا قد صِرنا أبناء؛ فقد نلنا روح الابن الذي به نصرخ مع الابن “أبَّا أيها الآب” (راجع غلا 4: 4 – 6).

الواحد والوحدة وتوحيدٌ معلَنٌ في تجسُّد الكلمة

جاء تجسد الكلمة بنموذج ومثال الواحد والوحدة. يسوع المسيح الرب الواحد من اثنين:

“لاهوت مساو للآب، وناسوت مساو لنا كالتدبير”.

تلك الرؤية الصافية وصلنا إليها بعد صراعاتٍ مع مدارس الفلسفة في القرون الخمسة الأولى. فقد ظلت الحقيقة في حاجة إلى تحديد عقيدي واضح، ولكنه ليس بكلمات، بل بتذوُّق “مستيكي Mystical“.

الواحد من اثنين هو واحدٌ، وهو لا ينقسم لأن كل أشكال الانقسام قد أُبيدت.

الانقسام، قد لا ندرك أنه يولد من صراعات مع ألفاظ ومع أفكار، ولكن الوحدة هي نموذج حياة ومثال محبة تجمع الله والإنسان. فالمسيح ليس إلهاً فقط، ولا هو إنسانٌ فقط. هو إلهٌ للإنسان، وإنسانٌ بالنسبة لله، ولكنه في نفس الوقت واحدٌ مع الآب في الجوهر (يو 10: 30 وقانون الإيمان).

الوحدة هنا هي نموذج ومثال لا يُدرَك بالكلمات، بل بالشركة.

والواحد والوحدة، حقيقة واحدة، هي شخصٌ حيٌ غلب انقسام الموت بالصلب وبالقيامة. غلب اختلاف الله والإنسان في الطبيعة، بالتجسد. غلب الفرق بين ما هو سمائي وما هو ترابي وأرضي بتوحيد الاثنين في وحدة أبدية.

التوحيدُ هو اختبارٌ نصل إليه بالإيمان بالواحد الحي من اثنين، يسوع، وبالشركة في حياة الواحد في الثالوث.

وعندما نعيِّد لتجسد الرب، فهو عيد توحيدنا، وهو عيد وحدتنا، وهو اعترافٌ بقبول نداء الآب لنا: “هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا”. لأننا لم نعد نسمع كلمات، بل نرى أعمالاً تشرحها الكلمات؛ لكي تُسلِّم الشرح إلى قلبٍ يتذوق، ونفسٍ مستنيرةٍ تتذوق وتتوحد بالذي جاء بالتوحيد.

والمجد لله في الأعالي في السموات، وعلى الأرض حلَّ السلام؛

لأن السماء والأرض توحَّدتا،

وصارت مسرة الله في بني البشر؛ لأن ابنه الوحيد تجسد وتأنَّس لأجل خلاصنا.

كل عام وانتم بخير

تهنئة حارة لقداسة البابا تاوضروس الثاني، ولكل مَن هو في كنيستنا أُم الشهداء،
ولمصرنا الغالية علينا.

دكتور جورج حبيب بباوي
يناير 2013


([1]) الرجاء مراجعة كتاب الأب صفرونيوس – من آباء القرن العاشر الميلادي، والذي عاش في منطقة المنيا، وكتب بالقبطية كتابه عن الثالوث توحيد وشركة وحياة، والذي تُرجِم ونُشِر على موقع: www.coptology.com

تعليقات الفيسبوك

تعليقات

ملحوظة:
إذا أردت صورة رمزية تصاحب جميع تعليقاتك، عليك التسجيل في موقع Gravatar

تعليق واحد على ” الكلمةُ صار جسداً : رسالة عيد ميلاد الرب بالجسد 2013 “

اترك تعليقاً

twitterfacebookrss feed

ما هو الأمر الذي يجب أن يحتل الأولوية من وجهة نظرك في إهتمامات البابا ال118

شاهد النتائج

Loading ... Loading ...


المسيحية الأرثوذكسية

Orthodoxwiki