مصر وكنيسة مصر – 9 الافتراض الذي يريد له البعض أن يكون حقيقة يقبلها الكل!

أتابع باهتمام – عن بُعد – ما يقوله المرشحون لرئاسة الجمهورية. فقد قال واحد منهم إن كل مشاكل مصر لا تحتاج لأكثر من 4 سنوات. ولكن سيادة المرشح لرئاسة الجمهورية لم يشرح لنا السر الخفي وراء هذا الرقم “4 سنوات”. وهذا القول في رأينا لا يعدو أن يكون افتراضاً لا يمكن أن يكون حقيقياً، ولكنه يروج له أمام الذين يسمعون، أملاً في أن يصبر الذين طال بهم الانتظار. والفكرة ليست جديدة، فقد كنا نسمع أغنية مصرية وُلِدت في أعقاب فاجعة 1967 تقول كلماتها: “فات الكثير يا بلدنا .. مابقاش إلاَّ القليل”، ولكننا لم نسأل عن هذا “القليل” الذي يلزم لبناء جيش يخوض حرباً حديثة غير حرب جيوش الحلفاء، وبناء اقتصاد يمكنه أن يحمل عبء الحرب، فإذا بنا نجد أن هذا “القليل” استغرق 6 سنوات حتى هل علينا بدر أكتوبر العظيم في 1973!!!

الحرب بالإعلام، والمقاومة بالإنكار هي سمة العصر، ليس في مصر وحدها، بل في كل بلاد الدنيا. ولذلك قد يكون ما يذاع عن طريق الميكروفون مجرد فكرة أو افتراض لم يخضع بعد للتحليل أو البحث، ولكن الترويج لها والطبل بشأنها، وبإيقاع دائم، يحول تلك الفكرة إلى حقيقة قد تبدو مقبولة، يريد الذين يروجون لها أن تصبح حقيقة لا تقاوم، لذا يلزم الحذر …

أنت مسيحي ولذلك فأنت “كافر”. تلك فكرة، أو افتراض، ولكنه افتراض مثله مثل كل الشعارات اللفظية التي يروج لها اصحابها لكسب جماعة ما أو فئة ما .. فهل كان كُفر نصارى مصر هو سبب انتشار الأمية، أو هو سبب قلة فرص العمل، أو تراجع الاستثمارات والانفلات الأمني؟!!!

إن كل فكرة خيالية أو افتراضية تستدعي في وعي الذين يسمعون العناصر الآتية:

  1. تحديد الأعداء.
  2. الصبر والانتظار.
  3. الأمل والرجاء في حل قريب، دون ذكر مقومات هذا الحل.

على المستوى الكنسي لا يختلف الأمر؛ لأن كنيسة مصر لا يمكن ان تكون غريبة أو حتى في مسافة زمنية متقدمة عن الوضع السائد في البلد، وهذا هو مقتل الأقلية التي ينعدم فيها التقدم، فتصبح هامشية في طريقها إلى الزوال .. فمثلما سمعنا أفكاراً خيالية على المستوى العام السياسي أو الاقتصادي، هكذا سمعنا أفكاراً متداولة لا تخلو من الخيال والافتراض، فقد سمعنا أن:

  1. العلمانيون خونة، وهو قول يماثل تماماً القول بأن المسيحي = كافر.
  2. القرعة الهيكلية من الله، هو أيضاً قول يماثل تماماً أن 4 سنوات كافية لحل كل مشاكل مصر.

ولا مانع لدى البعض من أن يقلِّب أسفار العهد القديم ليجد في الترجمة العربية كلمة “قرعة” لكي يقول إن تقسيم الأرض تم بدوره بعد قداس وثلاث ورقات وبواسطة صبي لا يعرف شيئاً!!!

هذا في اعتقادي يعد جهلاً فاضحاً بما جاءت به كل دراسات العهد القديم عن “الأوريم والتوميم” وكلاهما كانا حجرين مثل “زهرة الطاولة”، واحد أسود والآخر أبيض وخلف الأسود يوجد لون أبيض وخلف اللون الأبيض يوجد لون أسود، ويلقي الكاهن لا النبي الحجرين، فإذا اتفق اللونان تم الاختيار ونال من طلب القرعة ما يريد، فلا إرادة إلهية ولا استعلان، بل هي مجرد وسيلة لدرء الشجار والصراع مثلها في ذلك مثل لعبة الأطفال والبالغين في إلقاء قطعة نقود ليكون أحد وجهيها حكماً في صراع. ورغم أننا تحولنا إلى النظام الجمهوري منذ منتصف القرن الماضي إلاَّ أننا لا زلنا نسمع “ملك ولاَّ كتابة” وهي صورة الملك وخلفها قيمة قطعة النقود.

ولذلك لم أتمالك نفسي من الضحك – على إعلام فقير يهدف إلى أن يمحو الذكاء ويضع “العبط” بديلاً دائماً له – عندما جمع أحدهم استخدام كلمة قرعة في العهد الجديد وابتدأ من متياس الرسول الـ 12 الذي خلف يهوذا. لأن الاختيار هنا كان بين شاهدين عاشا مع المسيح، وكلاهما شاهد قيامته من الأموات، وهؤلاء الشهود هم الذين اختارهم المسيح نفسه بحسب نص أعمال 1 : 21 ثم في عدد 24 صلوا قائلين “أيها الرب العارف قلوب الجميع عين أنت من هذين الاثنين أياً اخترته”. ولاحظ هنا أن “قرعة هذه الخدمة” في عدد 25 هي حسب الاستعمال الآرامي، بل والعربي هي “نصيب” يهوذا الذي أضاعه، لذلك “ليأخذ قرعة هذه الخدمة والرسالة التي تعداها يهوذا ليذهب إلى مكانه” أي مكان الخدمة (أع 1: 24 – 25). ولعلنا نكون قد لاحظنا أن هذه القرعة لم يسبقها انتخاب أو حصر أصوات، فلماذا إذن الضحك على ذقون الشعوب، ولماذا حشد ناخبين كل منهم اختاره اسقف ايبارشية .. وإذا كان عدد أصوات الناخبين في اختيار الانبا شنودة هو 500 صوت للأنبا صموئيل في مقابل 300 صوت للأنبا شنودة، فكيف يمكن استبعاد من نال 500 صوت لصالح من حصل على 300؟ ربما لو كان عدد الأصوات متساوياً؛ لجاز لنا أن نسقط في بئر المجهول، وهو اختيار صبي يحدد مستقبل القيادة الكنسية، وهو نظام لا يعرفه إلاَّ المغفلون؛ لأن القيادة تتطلب:

  1. خبرة سابقة.
  2. كفاءة تؤكدها مرجعية صادقة وهي الدراسات.
  3. مسئوليات وخدمة.
  4. مواقف تؤكد اليقظة والمعرفة.
  5. ممارسات تشهد بالحكمة لا بحشد الصراعات.

وعلى الذين يحاولون إثبات نظام القرعة بالعودة إلى التاريخ الكنسي القديم، عليهم أن يقولوا لنا كيف كانت القرعة تتم في القرون الأولى، لأن فكرة الصبي والورقات وردت الينا من العصر الوسيط، لا من القرون الأولى.

عجز في تقدير الأمور وحساب نفقة المستقبل:

لا أدري كيف وصلنا إلى هذا الوضع المخيف حقاً؟ أقصد أن يبدأ شخص بفكرةٍ ما؛ لكي تتحول هذه الفكرة الى قناعة راسخة. على سبيل المثال: محاولة إقامة دولة دينية في مصر بدأت بمجلس الشعب، ثم مجلس الشورى، وامتدت إلى محاولة تغيير تشكيل المحكمة الدستورية العليا، ثم فرض حصار حزب الحرية والعدالة أي أيدولوجية الإخوان على الإعلام، والصحافة، ثم القنوات الفضائية .. وكان طرف السيف اللامع – في هذا السبيل – هو مطاردة “الفلول”، وتحولت هذه الفرية إلى تميمة “افتح يا سمسم” لكي تدخل أكبر حركة لإعادة هيكلة الدولة من باب القضاء على الفلول.

إذن، فوجود الفلول في كل ركن من أركان الوطن، هو افتراض يريد البعض أن يحوله الى اقتناع عام لدى شعب مصر. وهو افتراض لم يقم عليه دليل، ولكنه يستدعي وجود الأعداء، كما يستدعي الصبر وانتظار الحل القريب الذي في الغالب ما يكون حلاً سحرياً.

هكذا أيضاً الافتراض الذي يقول بأن لائحة 1957 جاءت بالبابا كيرلس السادس والبابا شنودة الثالث ولذلك يجب العمل بها رغم ما فيها من “عوار”. هنا تكون اللائحة هي سبب وجود الأنبا كيرلس السادس والأنبا شنودة، لا الإرادة الإلهية .. وحتى يكون وقع الكلام سهلاً، يقولون إن اللائحة هي التي أتاحت للصبي الاختيار مع أن القمص مينا المتوحد لم يكن هو الحائز على أعلى الأصوات، ومع أن اللائحة وضعها مطران الجيزة الداهية الكبير الأنبا يؤانس لاستبعاد كل من: الأب متى المسكين – القمص مكاري السرياني – القمص شنودة السرياني .. وفي النهاية نقول إن كل هذا هو إرادة الله … الغفران منك يارب.

نحن نصنع مشاكلنا ثم نصدر المشكلة للخالق عز وجل .. وكأن المسئولين لا يعرفون أن الظروف التي سبقت لائحة 1957 وتلتها غير الظروف التي نمر بها.

كيف تتحول فكرة افتراضية إلى حقيقة يُراد لها الرسوخ والبقاء:

افتراض يقول: لو كانت واقعة تزوير شرائط الكاسيت التي قام بها مطران دمياط صحيحة، لمَا سكت عليها المجمع، ولمَا سكت عليها البابا شنودة. إذن هذه الواقعة هي كذبة.

في حين أن المجمع سبق أن سكت عن حملة ضارية كاذبة ضد الأب متى المسكين، قادها الأنبا شنودة بنفسه، وتحولت إلى اتهامات كاذبة كتبها بيديه تحت عنوان معروف “بدع حديثة”!!!

كذلك سكت المجمع أيضاً عن محاولات اقحام القمص سمعان، والقمص مكاري يونان، وقبل ذلك قتل الراهب دانيال علانية، ثم طرد الأنبا امونيوس والأنبا تكلا وأخيراً الأنبا متياس … وتم حشد المجمع لطرد كاتب هذه السطور دون محاكمة وبدون اتهامات عقائدية واضحة، فهل كل هذه الوقائع هي مجرد أكاذيب؟!!!

الفكرة الافتراضية ليست حقيقة، وما خفي أفظع من أن يُكتب علانية، ولكل زمان مقال، ولم يحن بعد زمان كشف الحقائق.

هل أنا شاهد على ما حدث مع الأنبا متياس؟ بكل تأكيد نعم، فقد سمعت وقائع طرده منه هو شخصياً، من الضحية ذاته، وعلمت منه كيف زُوِّرت عبارة خاصة بأن الانجيل ليس كتاباً يمكن أن يسقط على الأرض وتدوس عليه إلى أن الإنجيل تدوس عليه بعد أن حذف مطران دمياط العبارة الخاصة بسقوط الكتاب على الأرض، والشريطين كلاهما لازال موجوداً.

هل طلب المجمع وقداسة البابا شنودة فحص الشرائط بواسطة خبراء في التسجيل؟ أليس البابا شنودة هو صاحب العبارة المشهورة “بأن المحاكمات لا تحتاج الى شهود نفي”، وهو ما نُشر في الجرائد؟

وهو افتراض قضى على أبرز ما جاءت به العدالة الحديثة بعد صراعات دامية من أن لا يكون المدعي العام هو القاضي وهو السجان وهو القانون.

وأخيراً خرج علينا الإعلام ليقول بأن كل من اختلف مع البابا شنودة سوف يستبعد عن الانتخابات، وهم “الأنبا بفنوتيوس – القمص شنودة الأنبا بيشوي .. وغيرهم. ولم يقل لنا الإعلام، ولم يقل لنا أصحاب الأفكار الافتراضية ما هو سبب خلاف أسقف سمالوط مع البابا شنودة، ولماذا سكت المجمع على هذا الخلاف .. تماماً مثل الاتهامات الكاذبة العقائدية ضد القمص متى المسكين التي لم يحاول المجمع أن يناقشها ويفندها ويرد عليها.

وحتى كتابة هذه السطور لا زال كل من عرف مشكلة المحلة الكبرى لا يعرف ما هي هرطقات الأنبا متياس.

الزعيم على صواب،

إذن أنت ضد الزعيم.

أنت خائن حسب السياسة، وهرطوقي حسب الكنيسة.

وبقيت المشكلة الأكبر .. لماذا يتحول الحوار إلى هجوم لسحق الطرف الآخر … سؤال طرحه المفكر المصري مأمون فندي، وأجاب عليه في اختصار شديد .. ولنا عودة مع هذه المصيبة الكبرى – العجز عن الحوار.

التعليقات

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع ذات صلة